غبيرا… الحي الذي افتروا عليه
ليست كل الأسماء مجرد حروف، فبعضها يحمل تاريخًا، وبعضها يحمل ذاكرة، وبعضها يختزن حكايات البشر قبل أن يصف المكان.
ولهذا بدأت رحلتي مع اسم غبيرا من اللغة. فالغبيراء في المعاجم اسمٌ لنباتٍ معروف، ووردت الكلمة كذلك في دلالات عربية قديمة متعددة، وكلها تشير إلى أن هذا الاسم ليس طارئًا ولا عابرًا، وإنما يمتد بجذوره في عمق اللغة والتاريخ.
لكن غبيرا التي أعنيها ليست مجرد اسمٍ في معجم، بل حيٌ سكن الذاكرة قبل أن أسكنه.
في عام 2007 عدت إلى الرياض بعد غياب دام ثمانية أعوام، تنقلت خلالها بين جدة والباحة بحكم عملي. وما إن استقر بي المقام حتى أصبحت أنا وأسرتي نتردد باستمرار على شارع غبيرا العام.
كان الشارع، ولا يزال، قطعةً من السودان في قلب الرياض. هناك كانت رائحة الوطن تسبق الناس، ولهجاتهم تسبق أسماءهم، ووجوههم تمنحك شعورًا بأنك لم تغادر أم درمان إلا في أوراق السفر.
كنت كلما دخلت الشارع شعرت أنني أسير بين سوق أم درمان، وأسمع ضجيج السوق العربي، وأتذكر سوق سعد قشرة، وتفوح في الذاكرة رائحة شواء قندهار، وأحاديث المقاهي العتيقة التي كانت تصنع للمكان روحه.
غير أن لهذا الحي حكاية أخرى…
فقد ظلمته الشائعات سنوات طويلة، حتى أصبح اسمه عند البعض مرادفًا لكل صورة سلبية. تناقلت الألسن روايات لا يعرف أصحابها مصدرها، وأضاف كل راوٍ إليها من خياله حتى تحولت الإشاعة إلى ما يشبه الحقيقة في عقول الناس.
وأعترف أنني كنت واحدًا ممن تأثروا بتلك الصورة. كنت أمر بشارعه العام، لكنني أتردد في دخول أزقته، لا لشيء إلا لأن الخيال الذي صنعته الحكايات كان أقوى من الواقع الذي لم أكتشفه بعد.
لكن الحقيقة لا تُعرف بالسماع، وإنما تُعرف بالمعايشة.
ولهذا قررت عام 2008 أن أسكن غبيرا، وكان ذلك من أجمل القرارات التي اتخذتها في سنوات الغربة.
هناك اكتشفت أن الإنسان قد يظلم مكانًا كاملًا لأنه صدق رواية لم يختبرها بنفسه.
وجدت في غبيرا جيرانًا لا تُشترى مروءتهم، ولا يُقاس كرمهم بمال، ولا تُصنع أخلاقهم بالمظاهر. رجالًا ونساءً إذا عاشرتهم أدركت أن معدن الناس لا يُعرف بعنوان المنزل، وإنما بالمواقف.
في غبيرا تعلمت أن الغربة تصبح أخف حين يسبقك الناس بالسلام، ويبادلونك السؤال، ويعاملون أبناءك كأنهم أبناؤهم. كانت تفاصيل الحياة اليومية هناك مليئة بالمودة، حتى شعرت أنني أعيش في حي يعرف سكانه بعضهم بعضًا كما كانت أحياء السودان قديمًا.
ولذلك لم أفهم يومًا أولئك الذين جعلوا من مكان السكن معيارًا للحكم على الناس.
فكم من متواضعٍ سكن غبيرا وكان عظيمًا في أخلاقه وعلمه، وكم من متباهٍ بالمظاهر لم يترك خلفه سوى الفراغ.
لقد سكن غبيرا أطباء، وعلماء، ومهندسون، ومثقفون، ورياضيون، وإعلاميون، وسياسيون، وشهداء، كان لكل واحد منهم بصمته في خدمة وطنه ومجتمعه.
ومن بينهم الشهيد الدكتور بابكر عبدالحميد، رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.
أما الذين احتقروا غبيرا، فغالبًا لم يكونوا يحاكمون الحي، بل كانوا يكشفون عن ضيق نظرتهم للحياة؛ إذ جعلوا قيمة الإنسان فيما يملك، لا فيما يحمل من خلق وعلم وإنسانية.
وأنا، بعد سنوات من العشرة، أقولها شهادةً أرجو أن أُسأل عنها: غبيرا من أكثر الأحياء التي عرفت فيها التكافل الاجتماعي الحقيقي. حيٌّ تستطيع أن تعيش فيه مطمئنًا، لأن أهله يسند بعضهم بعضًا، ويتقاسمون الأفراح قبل الأحزان، ويجعلون الغريب واحدًا منهم.
ولهذا، فإنني أتمنى أن يحمل أحد الأحياء الجديدة في السودان اسم غبيرا؛ ليس تقليدًا لمكان، وإنما وفاءً لمرحلةٍ صنعت ذكريات آلاف المغتربين، ومنحتهم شيئًا من الوطن وهم بعيدون عنه.
لقد اكتشفت أن غبيرا لم يكن يومًا كما وصفه الناس…
بل كان أجمل بكثير مما رووه.

