تأنّيت في تناول الحكم الصادر في حق الصيدلي أحمد عبدالله الخضر بالسجن عامين وشهر مع الغرامة حتى حصلت على حيثيات الحكم ومرافعات الدعوى، ومن تلك الأوراق يمكن تلخيص وقائع القضية في الآتي:
بتاريخ 15/7/2025 ذهب شاهد الإتهام الوحيد الذي حضر الواقعة إلى صيدلية “الشفاء” التي يملكها المتهم بغرض شراء دواء، وهناك وجد المتهم يتجاذب الحديث مع أحد أصدقائه (شاهد الدفاع) حول إستشهاد أحد أبناء المنطقة في معركة جرت مع مليشيا الدعم السريع، وأثناء وجود شاهد الإتهام بالصيدلية سمع المتهم وهو يقول لضيفه: “أنا اشعر بالحسرة على وفاة أولادنا الذين يموتون من أجل أن يحكم الكبار”.
الشاهد لم تعجبه تلك العبارة بحكم إرتباطه بالجماعة التي ينتمي إليها القتيل، مما دفعه للتدخّل بالإعتراض على رأي المتهم، ثم حدثت ملاسنة بين الطرفين خرج بعدها الشاهد غاضباً وأبلغ جماعته – بحسب روايته أمام المحكمة – بأن المتهم أساء للشهيد ووصفه بالحشرة وتمنّى نفس المصير لقائد القتيل، وفي المقابل، ذكر شاهد الدفاع أمام المحكمة أن المتهم لم يذكرأي عبارة تسيئ للقتيل أو رؤسائه. كما مثل أمام المحكمة شاهدي إتهام آخرين ورد في أقوالهما أنهما (سمعا) بأن هناك بعض المقاتلين من المستنفرين تذمّروا ورموا السلاح ورفضوا مواصلة القتال عندما نُقِل إليهم ما ورد على لسان المتهم.
تمت إدانة المتهم بموجب المادة (96) عقوبات والتي تنص على تجريم الفعل الذي يتسبب صاحبه في إثارة التذمر بين أفراد القوات النظامية، والمادة (92) والتي تنص على تجريم الفعل الذي يؤدي إلى الإخلال بالسلامة العامة، على إعتبار أن الرواية التي نُقِلت إلى المقاتلين عن المتهم هي التي أحدثت ذلك التذمّر والتمرد.
وجه الخطأ في هذا الحكم، أن المحكمة إنصرفت للوصول للإدانة بموجب الأثر الذي أحدثته الجريمة دون أن تسعفها قواعد القانون في إثبات الجريمة نفسها، ذلك أن البينة التي قُدمت في إثبات الجريمة (إساءة المتهم للقتيل) إنحصرت في أقوال شخص واحد هو الذي نُقل عنه حديث المتهم، تقابلها شهادة شاهد دفاع واحد أيضاً الذي حضر الواقعة، والذي نفى بشهادته أمام المحكمة أن يكون المتهم قد ذكر شيئاً مما ورد على لسان شاهد الإتهام، وقال بأن المتهم لم تصدر منه أي إساءة للقتيل أو رؤسائه. كما أن المتهم نفسه أنكر ما نسبه إليه شاهد الإتهام.
هكذا أصبحت البينة المقدمة أمام المحكمة تنحصر كلياً في كلمة رجل مقابل رجل، وهي الحالة التي يُقال لها عند الفرنجة Apple to apple، وهي الحالة التي لا يكون معها سبباً يجعل المحكمة تفضِّل الأخذ برواية أحدهما وتطرح رواية الآخر إلاّ بأسباب تبيّنها مثل وجود قرائن أخرى أو ثبوت كذب الشاهد أو تناقض أقواله، وإذا كان للمحكمة أن يأخذها الحذر حول أقوال أحد الشاهدين، فهو شاهد الإتهام، لا شاهد الدفاع، لوجود الأسباب التي تحملها على ذلك، من بينها أن شاهد الاتهام صاحب مصلحة في إدانة المتهم لأنه كان خصماً له في النقاش الساخن الذي خرج منه وهو يستشيط غضباً ونقل روايته إلى رؤسائه وهو في تلك الحالة، كما أن الدفاع قدّم بينة حول وقائع وأفعال سابقة للشاهد تطعن في مصداقيته، وهذه أسباب تنتهي بحكم البراءة تأسيساً على وجود شك في غياب ما ينصر شهادة الاتهام على شهادة الدفاع وهو شك يفسر لصالح المتهم تطبيقاً لقاعدة العدالة الأصولية الراسخة التي تقول بذلك.
والحال كذلك، لماذا صدّقت المحكمة رواية شاهد الإتهام وأسّست عليها الإدانة وأغفلت كلام شاهد الدفاع؟ حدث ذلك “بتوليفة” لقاعدة قانونية من إجتهاد القاضي الذي قال في حكمه أنه عثر عليها في كتاب للإمام علاء الدين الطرابلسي وكتاب آخر بإسم “التقرير والتجبير” شرحه الأمير محمد أحمد الحاج، وهي قاعدة تقول: “إذا حدث تعارض بين بينة الإثبات والنفي ترجّح بينة الإثبات”، وبطبيعة الحال، هذه قاعدة لا وجود لها في تطبيقات العدالة لا في السودان ولا في غيره من دول العالم، والحكم بإدانة المتهم بناء عليها، يجعله حكماً معيباً وباطل يوجد ما يحمل على الإعتقاد بأنه صدر نتيجة لميل عند القاضي في الوصول لإدانة المتهم بخلفية أخرى غير صحيح القانون، وهو حكم أساء به للنظام القضائي في السودان لا نفسه وحدها.
بالوصول إلى هذه النتيجة ليس هناك ما يحمل للتطرق لأسباب البراءة من التهم التي تمت بموجبها الإدانة وهي – كما أوضحنا – تتعلق بآثار فعل لم يثبت حدوثه من الأساس، وإذا كان هناك ثمة شخص حدث تذمر وتمرد المقاتلين نتيجة فعله، فهو شاهد الإتهام الذي نُقل إليهم عن لسانه رواية لم تثبت صحتها.
تبقى القول أنه ليس صحيحاً ما أثير حول وجود خطأ في إجراءات المحكمة بمضييها في المحاكمة بعد سحب النائب العام لأوراق القضية وإعادتها مرة أخرى، ذلك أن طلب النائب العام للأوراق بموجب المادة (58) من قانون الاجراءات الجنائية لا ينتهي تلقائياً بصدور قرار بوقف الدعوى، فالفقرة (3) من المادة تجيز للنائب العام طلب الأوراق للنظر في إمكانية صدور القرار بوقف الدعوى من عدمه، وهو ما حدث، ولم يصدر من النائب العام القرار بوقفها. وبالمثل، ليس هناك قيمة، من حيث القانون، لما طُرح في قضية الدفاع بتمسكها بالصلح الذي حدث بين ممثلي المقاتلين والمتهم كأساس لعدم صحة إجراءات المحاكمة، ذلك لأنه ليس للمقاتلين صفة تجيز لهم تحريك الدعوى أو الصلح فيها.