سفرية سياتل – استانبول – القاهرة
قبل ساعات تلقيت إشعارا على جوالي من الخطوط التركية يفيد تأجيل سفريتنا ساعة و35 دقيقة.
في الموعد انطلقت طائرة البوينق الجبارة ترتاد السماء ونحن مع وجل الإقلاع المعتاد وتعاطي العلكة منعا لطنين الأذن.
بعد أن استقررنا في الأجواء كعادتي رحت أتابع خريطة الرحلة ومساقاتها ومراحلها على الشاشة أمامي بينما جاري الذي يبدو من ملامحه أنه من أعالي هضبة التبت، أؤلئك القوم الذين يلتهمون لحوم الخيول فيحاكونها بدانة وصلابة ظل يتابع نشرة أخبار سي إن إن الساخنة، ولكن عندما تعارفت والبلدوزر الصباح اتضح أنه من مولدافيا، شرقي أوروبا الشهيرة بكثرة البنات الجميلات وقلة الرجال فافترعن نتيجة الندرة طرائق قددا والحاجة أم الاختراع.
الرحلة 12 ساعة بالتمام والكمال والجوال في صمت القبور ونومي
على الطائرة متقطع أشبه بنوم الديك على الحبل.
إذن ليس من خيار سوى تأمل رفاقي.
يمناي شابة كاسية، عارية لكن ” ما فاضي ليها زول “، وعسكرت في خاطري القاعدة الذهبية: النظرة الأولى لك والثانية عليك.
يساري من قدام عائلة أثيوبية بملابسها الجريئة وملامحها الوضيئة، وفصيل جينات شرقي إفريقيا مشترك من الصومال و جيبوتي لحلايب وشلاتين ويشملنا وفق فحوص الحمض النووي.
أما يسراي مباشرة فأسرة شامية ظل طفلها الكبير يردح في صراخ بينما تحاول والدته تهدئته دون جدوى فالشافع .. جنى ” جني ” ما شافع نصاح!
أما خالته ف ” صهينت ” وسدرت في سابع نومة.
وعندما كنت أتأمل في شاب حلق رأسه نظيفا على الجانبين تاركا شعره شريطا وسطيا ينتهي بغزارة عند قفاه بما يشبه هدهدا محاكاة للاعب دولي شهير أطفئت الأنوار الجهيرة تهيئة لنوم المسافرين، العاصي على مهجتي.
أخيرا هبطنا في مطار استانبول الدولي المديد، وبالنسبة لي تلك طلتي السادسة.
انتهى بنا المطاف لصالة المغادرة لمصر حيث بقينا 3 ساعات انتظار وتأمل في المحال التجارية اللامعة..
وفي الصباح يحمد القوم السرى
بعد طيران سلس امتد ما يفوق ساعتين استقبلنا مطار القاهرة، الذي فوجئنا فيه بصفوف إجراءاته الشاملة ركاب 3 طائرات وكان مشهدا أقرب لزحام ليلة المولد الكبيرة في السجانة، وبدأ زحفنا البطيء عدا الدبلوماسيين الذين ينفردون بنافذة خاصة ما أيقظ في داخلي رغبة قديمة للعمل دبلوماسيا لمشاهدة الدنيا العريضة بفسيفسائها الأمر الذي تحقق لي دون معارج السياسة الدولية الشائكة ونحمده تعالى على نعمائه المنداحة.
أخيرا وصلت نافذة عسكرية مصرية شابة قلبت جوازي طالبة سداد الرسوم في فرع بنك مصر القريب، وكان المعتاد السداد لديهم، ودون إعلان بذلك في الصالات فقلت لها: ماذا عن دوري الذي ضاع بعد عناء وشقاء؟
قالت: تجيني على طول، فذهبت لمكتب البنك وأمامي نفر قليل فدفعت 36 دولارا فأسرعت بالإشعار لحضرة الشرطية، التي أكملت إجراءاتي بعناية. وتجربتي هذه مسجاة لكل القادمين من وراء البحار: أنجزوا الرسوم أولا.
في صالة الأمتعة سحبت الحقيبتين المشحونتين والثالثة على كتفي على ترولي دفعت به للشارع حيث كان وفد أسري في انتظاري فكان اللقاء وكان الهناء.
طافت بنا سيارة الأجرة الشوارع الغافية – اليقظة بعد منتصف الليل حتى بلغنا مسكننا، فألحوا لأتناول طعاما ولاسيما أنهم أعدوا مبتغاي:
ملوخية “مفروكة” بكسرة أو ملاح تقلية بقراصة للنهار التالي! والحين فول قرير بمرافقاته التدعيمية والاشتهائية.
قلت:
أكلنا في الطائرة حد الشبع، هاتوا عصير ليمون بنعناع مخلوطا باردا فنعمت به وآويت إلى فراشي المعتاد .. سرير في آخر غرف الشقة، مع الإيعاز بعدم إيقاظي فأمامي نوم ثقيل متقطع طوال يومين ثم أنزل الشارع بعد استعادة حيويتي المهدرة في سفر قادني لقارات ثلاث، قبل التوجه لسوداننا الحبيب
فداؤه النفوس، الشهر التالي وما أحلى الرجوع إليه!
فمصر أم الدنيا والسودان أبوها! في إطار عائلة وادي النيل، ولكل العائلات إيجابياتها وسلبياتها، بل تحدياتها، ومصر والسودان حتة واحدة.
بينما كنت بين اليقظة والأحلام استعدت طلب سائق الأجرة الظريف مني تحديد أغنية مصرية لتسريتي فقلت: إما رسالة من تحت الماء، إما قارئة الفنجان ذروة نزار قباني وعبد الحليم حافظ فانداح اللحن بآهات المبدع المدهش وسرى، وحين حاسبناه وابتعد كانت تأوهات حليم في شريط سيارته لاتزال تملأ الوجدان:
قالت يا ولدي لا تحزن
فالحب عليك هو المكتوب
يا ولدي
ياااا ولدي!


