هل تنطفئ شعلة الثورة!!

  • 23 يناير 2018
  • لا توجد تعليقات

سيف الدولة حمدناالله*

تصادف دخولي المستشفى لعلّة مع أول يوم انطلقت فيه تظاهرات الشارع في منتصف هذا الشهر (يناير 2018)، وقد أتاح لي المرض فرصة المرابطة أمام جهاز الهاتف ومتابعة كل ما كان يجري على الأرض لحظة بلحظة، واليوم أتساءل: ما الذي أدّى إلى حدوث هذا الهدوء النسبي في الثورة على النظام بعد الانطلاقة القوية؟ وهل من الممكن أن تنطفئ شعلة الثورة هذه المرة أيضاً كما حدث في سبتمبر 2013؟

الإجابة على هذا السؤال تقتضي قدراً من الوضوح والمجاهرة بالرأي مع ما يجلبه علينا ذلك من سخط الذين لا يتفقون معنا فيه، وأهمية هذا الطرح الآن هو أن الوقت لا يزال مُبكِراً لتلافي بعض الأخطاء بما يُمهّد الطريق إلى نجاح الثورة.

كان الصحيح أن يكتفي الحزب الشيوعي بأن يكون له شرف إشعال الثقاب الذي انطلقت منه شرارة الشارع، والأصح أكثر من ذلك أن الحزب الشيوعي كان عليه أن يحمِل ويُحرّض جهة ما غيره للقيام بذلك العمل (طلب التصديق بالمسيرة) وهو يقف من وراء الستار، وليس في ذلك انتقاص من قدر الحزب الشيوعي أو فيه ما يحمل إساءة إليه، وهو قولٌ ينطبق كذلك حرفاً ونصاً على ما حدث من قيادة الحزب الجمهوري (جماعة محمود محمد طه).

مثل هذا التصرّف الفطِن (تخفّي الحزب الشيوعي والجمهوري)، انتبه إليه الدكتور منصور يوسف العجب في آخِر انتخابات ديمقراطية في 1985،  ومنصور كان قد نزل في دائرة منطقته “الدندر” وهي دائرة مقفولة لأسرة العجب فاز بها والده الناظر يوسف العجب مرتين في انتخابات الديمقراطية الأولي بعد الاستقلال والثانية بعد ثورة أكتوبر 1964، ولمّا كان لمنصور ميول يسارية (في ذلك الوقت)، أراد الحزب الشيوعي مؤازرته والوقوف معه في الانتخابات، ولكن منصور طلب من الحزب الابتعاد عنه حتى لا يؤدي ذلك إلى تنشيط الحملة ضده وسط البسطاء في منطقته الذين لا يزالون يربطون بين الشيوعية والكفر، وقد كان، وحصد منصور كل أصوات الدائرة. (فيما بعد أصبح د. منصور العجب أحد قادة تجمع المعارضة بالقاهرة قبل أن ينضم للحزب الاتحادي الديمقراطي بزعامة السيد محمد عثمان الميرغني وتصالح على يده مع النظام وعُيّن وزير دولة بالخارجية ولكنه استصغر المنصب وعاد إلى ملجئه في بريطانيا حيث يعيش حالياً).

بعد صعود نجم الحزب الشيوعي في اليوم الأول (16 يناير 2018)، انتقلت الأضواء إلى الحزب الجمهوري في اليوم التالي، حيث اختير منزل الشهيد الأستاذ محمود محمد طه بمدينة الثورة ليكون نقطة انطلاق المظاهرات، وهناك تناقصت الحشود وانتهت المسيرة بتقديم “سندويتشات” فول وطعمية لأفراد الأمن الذين حضروا لتفريق التجمهر، بعد أن قامت عدد من الفتيات بترديد أناشيد الفكر الجمهوري في ساحة صيوان نُصِب بالمنزل بحسب ما شاهد الناس ذلك على المقاطع المُصوّرة التي تبادلها الناس على الهواتف النقّالة.

هذا خطأ في توزيع خانات تشكيلة الفريق دون أن يكون هناك خطأ في الفريق نفسه، مثل الذي يضع حارس المرمى وهو بارع في مكان رأس الحربة، والمدافع في خانة المُهاجم، فالذي لا خلاف حوله أن كلا الفريقين اللذان تصدر اسمهما ساحة الثورة عند بدايتها (الشيوعي والجمهوري) يوجد خلاف فكري ومذهبي حولهما عند رجل الشارع شأنهم في ذلك شأن التيارات العقائدية الأخرى.

الحقيقة التي لا تريد أن تُسلّم بها الأحزاب السياسية القائمة هي أن الحزب الذي تتألف منه أغلبية أفراد الشعب هو حزب غائب ليس له رأس ولا قيادة، ويتشكّل من أفراد الشعب الذين يتم تعريفهم بالاستبعاد (by elimination)، أي باستبعاد انتمائهم للأحزاب القائمة، إما بسبب فشل تجربتها السابقة أو عدم وضوح رؤيتها الحالية، وعليه فقد كان الصحيح أن يُنسب أيّ تحرك للشارع لهذه الأغلبية واسمها (شعب السودان)، لا أن تتصدر أسماء أحزاب حولها خلاف مهما بلغ حسن تنظيمها، ذلك أنه من الطبيعي أن يكون من شأن نسبة تحرك الشارع إلى تيار معيّن أن يستبطئ مشاركة خصوم ذلك التيار، بما يُفيد الخصم المشترك، ومن هنا كان وراء نجاح الثورة الأولى (أكتوبر 1964) توليفة مشتركة ليس فيها غلبة لحزب مُعيّن أُطلِق عليها اسم جبهة الهيئات، فيما نجحت الثورة الثانية (ابريل 1985) لأن الذي وقف وراءها تجمع نقابات السودان.

على الأحزاب والقوى السياسية أن تُدرك حقيقة أن استعجال جني المحصول قبل نضجه ينتهي بتلفه وفقدانه، ويحدث الاستعجال حينما يتراءى قرب تحقق النصر، ثم لا يلبث أن يدرك الجميع أنهم قد قبضوا الريح، وأن الصيد قد تسرّب من بين أيديهم إلى البحر مرة أخرى، وقد حدث ذلك أثناء ثورة العصيان المدني في ديسمبر 2016، فقد استشعر بعض الشباب بأنهم هم أصحاب الثورة الذين حققوا نجاحها مع رؤيتهم للتجاوب الكبير الذي حدث في صباح يوم 19 ديسمبر، وانطلقت أصوات كثيرين منهم تُنادي باستبعاد الآخرين في الحكم القادم.

هذه نقاط لا بد أن تؤخذ في الاعتبار حتى يتحقق ما يصبوا إليه الشعب، فلينظر الجميع إلى الكيفية التي يتحقق بها زوال العدو المشترك دون التفكير في حصد نقاط الانتصار، وفي ذلك اليوم سوف يكون هناك مُتسع من الوقت ليتحرك كل حزب لحشد الناس لعضويته بالطرق المشروعة.

ويقيني أن الثورة سوف تمضي في طريقها لأنه ليس هناك سبيل غيرها للحفاظ على ما تبقى من شعب ووطن.

*مستشار قانوني

saifuldawlah@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*