معاوية (المنتحل) ليس وحده المجرم

انتحال صفة رئيس جمهورية..!!

انتحال صفة رئيس جمهورية..!!
  • 13 مايو 2018
  • لا توجد تعليقات

سيف الدولة حمدناالله عبدالقادر

الشاب معاوية الطيب حظي بشهرة واسعة لقيامه بتحويل مساره المهني من عامل كافتيريا سابق بمدينة بورتسودان إلى طبيب بالمستشفى العمومي بمدينة عطبرة، بعد أن ادعى أنه خريج كلية الطب في جامعة البحر الأحمر، وعلى الرغم من الغضبة الحكومية على الرجل، إذ قامت وزيرة الصحة بولاية نهر النيل بتشكيل لجنة عليا للتحقيق معه تمهيداً لمحاكمته، إلا أنه تحول الى بطل شعبي في نظر كثير من الناس، وهذا ما حمل عدد من الصحف على نشر مقابلة مطوٌلة ومصوٌرة معه حكى فيها ذكرياته وتجربته الطبية في مشواره العلمي القصير.

سبب التعاطف الشعبي مع (الدكتور) معاوية الطيب (خريج مرحلة الأساس)، يكمن في نجاحه ك(طبيب) شمل مشواره المهني بمستشفى عطبرة (بخلاف فترته التدريبية بمستشفى بورتسودان التي اقتصرت على نظافة الجروح وتركيب المحاليل الوريدية) بإنقاذه عشرات الأرواح، وذلك نتيجة قيامه بإجراء عمليات جراحية كبرى شملت كسور العظام وبتر الأطراف وعلاج حالات التسمم الحاد …. الخ، وبلغت مجموع العمليات الجراحية التي أجراها (الدكتور) معاوية أكثر من (300) عملية، من بينها عمليات أُجريت تحت التخدير الكامل، إضافة – ولا زلنا في الحديث عن سر التعاطف الشعبي مع الدكتور – إلى أنه كشف عن بعد إنساني في أدائه لعمله، إذ كان يداوم على مراجعة المرضى باهتمام ومثابرة شديدين (اضطر لأن يمضي 13 يوماً بلياليها داخل أسوار المستشفى بسبب العجز في عدد الأطباء لمتابعة حالات تسمم جماعي نتيجة تلوث المياه في مدينة عطبرة) .

لعل مما ساعد في عدم كشف حقيقة (الدكتور) معاوية الطيب خلال تلك الفترة الطويلة – إلى جانب حسن أدائه الطبي ومواقفه الإنسانية – والذي يعمل في أوقات فراغه كسائق (ركشة)، هو معرفته بكلام (الدكاترة) بحسب تعبيره ، وكلام الدكاترة ليس في الطب وحده (دكتور معاوية يتحدث اللغة الانجليزية بطلاقة الأطباء)، انظر اليه وهو يرد على سؤال الصحفي حول واقعة سؤاله بواسطة أحد خريجي طب البحر الأحمر الذي جاء اليه يستنصحه حول رغبته في العمل بمستشفى عطبرة، فأراد أن يصرفه عنه لكي لا يكون سبباً في افتضاح أمره ، يقول (دكتور) معاوية في حديث الذكريات: “كنت صادقاً مع الزميل الذي جاءني، فقلت له أن الوضع في عطبرة لا يعجب، فطبيب الحوادث هنا ينال «20» جنيهاً فقط، بينما زميله في بورتسودان يكون نصيبه «30» جنيهاً، واقتنع وذهب وفى النهاية أنا لم أظلمه، فما قلته له هو الحقيقة”.

ويا لها من حقيقة حول واقع الاطباء الذين يحصلون على نصف ما يحصل عليه معاوية في نسخته كراعي (ركشة).

(الدكتور) معاوية الطيب، دون أدنى شك، يجيد عمله في مجال الطب، بأكثر مما يجيده الديبلوماسي العبيد المروح في عمله كناطق رسمي لوزارة الخارجية، فالسيد المروح ينطبق عليه اسماً ومعنى، ما يقول به مطربنا الكبير عبدالرحمن عبدالله في اغنيته التي يقول مطلعها بلغة أهل كردفان: (شقيش قولي يا مروح) ، وهي العبارة التي يمكن ترجمتها بلغة أهل الوسط بما يعني: (في أيً اتجاه نمضي يا المروح) ، فالسيد العبيد المروح ، وفي رده على حديث السفير البريطاني (بالخرطوم) الذي قال فيه: “إذا كانت الميزانية المخصصة لجهاز المخابرات في السودان ستظل أعلى من الميزانية المخصصة للتعليم فهذا خيار داخلي للسودان، و لكن خيار اعفاء الديون الخارجية للسودان التي تبلغ 38 مليار دولار، يبقى أيضاً خيار للآخرين الذين يَهتمون بالسودان”.

انظر إلى ما قاله السيد المروح لتدرك إلى أين سيقودنا هذا المروح، قال: “على الحكومة البريطانية عدم التدخل في شؤوننا الداخلية”، هل صدقت ترجمة اسم الاغنية!

(الدكتور) معاوية يتقن عمله (المنتحل) بأكثر مما فعل السفير عبدالمحمود عبدالحليم (او العكس) بعمله وبقضية السودان بالأمم المتحدة إبان فترة توليه رئاسة البعثة، كما يجيد (معاوية) عمله (كطبيب) بأفضل كثيراً من فني مقاولات المباني الذي يطلق على نفسه لقب المهندس الصافي جعفر الذي ينتحل صفة خبير في إدارة المشاريع الزراعية ، وهو – (الدكتور) معاوية – ليس بأسوأ من عبدالقادر الفادني، الذي يدير ديوان الزكاة كل هذه السنوات، وهو ينفق بها في غير مضاربها (في 2007 ، تبرع ود الفادني بمبلغ 50 الف دولار لقناة الضحى التي لم تر النور، كما صادق بمبلغ خمسة ملايين ونصف المليون من أموال الزكاة لتصرف على تغيير طلاء عربة مساعده محمد علي البدوي من اللون الكحلي إلى اللون الأبيض؛ لأن اللون الكحلي جاذب للأتربة، ويعرض العربة لعبث الاطفال و(حكٌها) بالمسامير بحسب نص المذكرة التي سبق لنا نشرها).

(المحتال) معاوية الطيب، في ادائه لمهام مهنة الطب أفضل بمئة مرة مما فعله السيد جلال الدقير بالصناعة في بلادنا، فحينما تولى الدقير حقيبة وزارة الصناعة لم ينفق وقتاً في التدريب على منصبه الوزاري، وهو لا شأن له بالصناعة أو غيرها، كان في ربوع وطننا العزيز أكبر (من حيث العدد والإنتاجية) مصانع نسيج في إفريقيا بعد جمهورية مصر، يكفي إنتاجها حاجة ملابس ومهمات القوات المسلحة والقوات النظامية والملابس المدرسية، وقماش الدمورية الشعبي والثياب النسائية، وكان إنتاجها يمتاز بجودته وسعره المعقول، ولم تكن بلادنا تستورد ياردة واحدة من الخارج سوى للملابس المخملية وبدلات المطربين.

وكانت معاصر الزيوت تنتشر حتى بالمدن الصغيرة، وكانت صناعة تعليب الفواكه ودباغة الجلود والحلويات والبلاستيك، وغيرها من السلع الاستهلاكية تكفي حاجة البلاد وتفيض.

معاوية الطيب، في تقمصه لشخصية الطبيب لم يسبب لنا – نحن رعايا دولة الإنقاذ – ضرراً مثل الذي تسبب فيه العميد مظلي عمر حسن أحمد البشير بتقمصه لشخصية (رئيس جمهورية) ، فالرجل تخرج في الكلية الحربية برتبة ملازم، وتدرج في العمل بالعسكرية حتى بلغ رتبة عميد، ليس لديه خبرة (يوم واحد) في إدارة الشعوب وشأنها السياسي، ولم يمارس السياسة – أو هكذا ينبغي على الجندي الحق – طوال عمره المديد قبل بلوغه منصب رئيس الجمهورية، وإذا كان الطبيب المزيف معاوية، قد تدرج في ممارسة مهنة الطب من اول مراحلها بتركيب المحاليل الوريدية للمرضى، ونظافة الجروح، فالبشير بدأ ممارسة سلطته في رئاسة الجمهورية بمهر توقيعه على إعدام الشهيد مجدي محجوب، وتبعه بجرجس، ثم شهداء رمضان، وغيرهم من الذين انتقلوا بأمره إلى الدار الآخرة، كما بدأ حياته (المنتحلة) في رئاسة الجمهورية بمهر توقيعه شخصياً او بالوكالة على (عشرات الآلاف) من خطابات قطع الأرزاق بإحالة شرفاء ومخلصي هذا الوطن للصالح العام، واستبدالهم بأهل الذمة المقدودة والأيادي الممدودة.

الطبيب المزيف معاوية الطيب، اطال الله عمره، لم يثبت تسببه في أي أخطاء طبية، أو أضرار بدنية أو نفسية في حق مرضاه الذين تدافعوا للوقوف إلى جانبه (ومن بينهم رائد شرطة قام المتهم بعلاج أحد اقاربه)، وفي مقابله، فقد تسبب نفر من رجال دولة الإنقاذ في أخطاء لا يمكن جبرها بالعلاج، فقد أضاعوا ثلث الوطن من بين أيدينا، واحتفلوا بالفشل وصوروه نجاحاً، وأخذوا يرددون ببلاهة: (عليهم يسهل وعلينا يمهل)، ومن بين ايدينا سوف يتسلل جنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان، هل قلت (سوف)؟ ومن قال: إنهما لم يتسللا؟ ماذا تبقى لعزف النشيد الوطني فيهما ورفع العلم؟

إننا لا ندعو إلى تبرئة الدكتور معاوية الطيب، فما فعله يعدُّ جريمة بكل المقاييس، وفي كل القوانين، بيد أنه ليس وحده المجرم، وكل الفرق بينه وبين ممن ذكروا، أن الوظيفة العامة في بلادي ليست كالطب تحتاج إلى تسجيل لدى مسجل الهيئات أو المسجل الطبي.

saifuldawlah@hotmail.com

التعليقات مغلقة.