أحوال

انقلاب في الأولويات

  • 02 أبريل 2017
  • لا توجد تعليقات

عبد الرحمن زروق

غياب الأولويات أصبح عاماً، فهو في الحكومة معروف وملموس بمظاهره المتعددة في الصرف البذخي، وإهمال المشروعات الأساسية، إذ تتراجع. على سبيل المثال: الصحة والتعليم في سلم الأولويات من خلال موازنتهما الشحيحة، مقارنة مع قطاعات أخرى، بينما يحظى تدبير وسائل الراحة للمسؤولين من سيارات ونثريات وغيرها، وحتى الإحتفالات بافتتاح أصغر المنشآت، بكل الاهتمام والشكليات والبذخ والتكلف والنفاق، وكلها أشياء أفسدت سياقات حياتنا الاجتماعية، كما شوهت حتى الذائقة الفنية السليمة في المظهر والجوهر.

وعلى الصعيد المجتمعي، تتسرب ممارسات الكبار إلى القطاعات الشعبية؛ ليصبح الاحتفاء بإكمال طفل مرحلة الروضة شأناً يستوجب أن يبذل له الغالي والنفيس، وتنفق الملايين من أجله. وبدلاً من فتح أعين الصغير على المهم والمفيد من خلال ما يتوافر من وسائل اللعب المناسب لعمره، فإننا نراه قد دخل في حيرة من أمره إلى درجة يعجز معها عقله الصغير على ادراكها. ومن بين (العادات) المصاحبة لهذه الآفة الجديدة ما يسمى بالزفة، إذ تقوم ادارة الروضة بتأجير فرقة موسيقية تطوف على كل منازل الخريجين، وقد تشمل الاستعدادات جلسة للحنة للخريج الجديد.

وقد أثارت المسألة نقاشات واسعة وسط الأسر، لكن الجميع يخضعون في نهاية الأمر لضرورة عدم إشعار الصغير بأنه أقل شأناً من زملائه إذا رفضت الأسرة المشاركة في هذا البذخ الذي يبدد ما لدى الأسر من مصاريف. فقد يضطر الآباء نزولاً عند هذه ( الضرورات) إلى الاستدانة من أجل طمأنة الصغير، وعدم تركه نهباً لهواجس العقد النفسية وغيرها، كما يعتقد أهله، على الرغم مما يثيره هذا الاحتفال من خلافات، فضلاً عن آثاره العميقة في مستقبل الصغير، الذي قد يرى مستقبلاً أنه يستحق الاحتفاء به لمجرد اكمال مرحلة دراسية، إلى جانب إصراره على ( الأولويات) التي زرعتها الأسرة فيه.

وما يحدث في مثل هذه الاحتفالات تجد ملامح أخرى له في الاحتفال بالزيجات. وفي الحقيقة، فإن تقليد الأثرياء الجدد أصبح بمنزلة الكارثة على الأسر متوسطة وقليلة الدخل. فهؤلاء الذين يحصلون على المال بوسائل سهلة وغير قانونية لا يترددون في صرفه بطريقة من لا يخشى الفقر. وأتاح الفساد المستشري من قمة الدولة إلى أدناها للكثيرين اقتسام عوائده مع عتاة المفسدين الذين يعيشون في أبراج عاجية، ويتسوقون في لندن ودبي، لكن صغار المستفيدين الذين يتطلعون إلى مثل تلك الرحلات والحياة المرفهة يكتفون فقط بمثل هذه الاحتفالات مؤقتاً، لحين تعاظم وتضخم مكتسباتهم مستقبلاً؛ لينضموا إلى جوقة المنتفعين الكبار.

لقد أصبحت جل ساعات البث في بعض محطاتنا الفضائية مخصصة لحفلات التكريم، التي تكتظ بالغث من القول والغناء. وضمن ذلك قد نشاهد توثيقاً لمناسبات رياض الأطفال في سياق يسهم كثيراً في تثبيت هذه الممارسات البذخية التي تشوه وتؤلم كثيراً، وترفع من شأنها إلى مرتبة الضرورات التي لا ينبغي إهمالها.

التعليقات مغلقة.