أمواج ناعمة

غياب دولة القانون وفشل النخب

  • 13 مايو 2017
  • لا توجد تعليقات

د. ياسر محجوب الحسين

مهما كان حجم العوامل الخارجية المؤثرة في أزمات دول العالم الثالث، فإن العوامل الصانعة للأزمات في الداخل تفوقها تأثيراً، فغالب النظم السياسية تنمي الطائفية والجهوية والانتماءات الفرعية عموما وكلها تفت في عضد الوحدة المجتمعية في إطار الدولة الحديثة، أو دولة القانون التي من شأنها أن تعززّ وتضمن المصالح المشتركة، الأمنية والاقتصادية، لجميع المواطنين.

اليوم النخب السياسية والمثقفة وحدها تتحمل مسؤولية احتلال دول العالم الثالث لقاع الأمم.،لم تعد هذه النخب ترتبط في مخيلة الشعوب إلا باستشراء الفساد والقدرة على توظيفه في شل إرادة التغيير وكبح جماحها في ظل غياب الضمير الحي المسنود بغياب دولة القانون والدستور. ليست النخب في العالم الأول معصومة من الذلل لكنها مضبوطة بدولة القانون.

في بريطانيا كان تخلي ديفيد كاميرون رئيس الوزراء المستقيل عن موقعه العام الماضي دون أن يكمل فترته مبهرا ومدهشا لنا نحن في العالم الثالث. في آخر جلسة برلمانية له كرئيس وزراء ودعه نواب البرلمان،  معارضوه قبل نواب حزبه بعاصفة من التصفيق وهو يلقي خطبة الوداع بعد ست سنوات أمضاها رئيسا لحزب المحافظين وللوزراء. وقال إنه “سيفتقد ضجيج النواب وانتقادات المعارضة”.. حتى القطة “لاري” التي تقيم في مقر السكن الحكومي لرئيس الوزراء والشهير بـ(10 Downing Street) نالت منه لمسة وفاء وكلمات وداع رقيقة مثلها مثل العاملين في مقر الرئاسة وسكنه الرسمي.. واُستقدمت “لاري” للعمل في مقر رئاسة الوزراء وسكن رئيس في العام ٢٠١١، ومهمتها صيد وقنص الفئران.. العبرة أن كاميرون كان مرتاحا وفي حالة مزاح غير متكلف وقانعا بحتمية التداول السلمي للسلطة تاركا منصبه طوعا عندما رأى أنه فشل في إقناع المقترع البريطاني ببقاء بريطانيا ضمن الاتحاد الأوروبي رغم أن فترته لم تنته بعد.

خليفته تريزا ماي وبعد نحو عام أبت نفسها إلا أن تعود طوعا للناخب البريطاني لتستمد منه شرعية رأت أنها منقوصة رغم وضعيتها القانونية والدستورية. بعد أيام من المشاركة في مؤتمرات لحزب المحافظين الحاكم، اغتنمت ماي فرصة الظهور في برنامج تلفزيوني لتجيب على السبب الذي دفعها للدعوة لانتخابات مبكرة في الثامن من يونيو القادم. وكان ظهورها مع زوجها في البرنامج محاولة واضحة من جانبها للوصول إلى عدد أكبر من الناخبين الذين لا تستهوي بعضهم البرامج السياسية.

في فرنسا وقبل أيام قليلة جاء إيمانويل ماكرون 39 عاما بإرادة الناخبين الفرنسيين ليحتل مكانه في قصر الإليزيه رئيسا لفرنسا.. غدا الأحد ( 14 مايو 2017) ستجري مراسم تسليم السلطة من الرئيس المنتهية ولايته فرانسوا اولاند الذي أكد أنه سيبذل كل ما في وسعه لتجري عملية تسليم السلطة لخلفه ماكرون وزير الاقتصاد في حكومته بشكل “بسيط وواضح وودي”. وأكد أن “جميع المعلومات، وبينها الأكثر حساسية، ستسلم لماكرون ليتمكن من مباشرة العمل فور تسلمه التفويض مني”.

تلك نماذج لدولة القانون التي لا وجود لها في العالم الثالث؛ فدولة القانون أو دولة الحقوق، هي الدولة الدستوريّة التي يتمّ فيها تقييد ممارسات السلطات الحكوميّة للقوانين. تقتصر سلطة الدولة في دولة القانون على حماية الأفراد فيها من الممارسات التعسفيّة للسلطة، حيث يتمتّع المواطن في ظلّ هذه الدولة بالحريّة المدنيّة بشكلٍ قانوني، ويتمكّن بموجبها من استخدامها في المحاكم. ومن هنا يتضح بأنه لا يمكن لأيّ دولةٍ التمتّع بالديمقراطيّة والحريّة دون أن يكون بها أولًا دولة قانون.

قد لا يكون العجز في عالمنا الثالث، عن بناء دولة القانون قائما على نقص الأطر النظرية، بل يرجع ذلك إلى انتفاء همم النخب وفشلها المتكرر.

*صحافي سوداني مقيم في بريطانيا

yasirmahgoub@hotmail.com

 

التعليقات مغلقة.