شبابنا بين اليأس والتفاؤل

  • 18 سبتمبر 2018
  • تعليقان

د. عبد الله محمد سليمان

أكثر ما يبعث على القلق ونحن نتأمل” الحالة السودانية” من وجوهها المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، هو ما بدأ يتسرب للنفوس، لاسيما وسط الشباب، من اليأس والقنوط من إمكانية إصلاح الحال وعلاج المشكلات العويصة التي يعانيها الوطن وتهدد مصيره بل وجوده نفسه.

أكثر من ستة عقود منذ أن رحل الاستعمار البريطاني، وشعب السودان ما زال يواجه قضايا معقدة وشائكة لا تتبدى في المدى القريب بوادر حلولها. فعلى الصعيد السياسي يغلب على الأحزاب، لا سيما المؤتمر الوطني الحاكم، تقديم أجندتها الحزبية على الأجندة الوطنية.

كما أن الاستقرار السياسي والإجماع الوطني على القضايا الكبرى والتحول الديمقراطي والتنمية الاقتصادية المتوازنة والمستدامة، ما زالت أمنيات عزيزة لا يبدو أنها ستتحقق على أرض الواقع. فالتطورات والأحداث السياسية التي عايشناها خلال حكم الإنقاذ وأهمها اتفاقية السلام الشامل، لم تفض إلى وحدة وطنية بين شقي السودان القديم، كما أنها لم تحقق الوضع الذي بشرنا به بعض الذين كانوا يظنون أن كارثة الانفصال ستكون مهراً للسلام والتعايش وتبادل المصالح بين دولتي الشمال والجنوب.

وما زالت الصراعات والحروب تدور في أجزاء من الوطن تُسْفك فيها الدماء وتُبدد الموارد الشحيحة. وما زال السودان متأثرا بالحصار، الذي نتج من سياسات النظام الحاكم، في علاقاته الخارجية مع عديد من الدول والمنظمات.

لقد عانى السودان أكثر من نصف قرن (52 عاما) منذ استقلاله من حكم أنظمة شمولية قابضة هيمنت على مفاصل السلطة والثروة ومارست بدرجات متفاوتة التسلط والعزل والإقصاء، كما عانى من فترات ديمقراطية قصيرة (عشر سنوات تقريبا) كانت متقلبة، وتميزت بالاضطراب والفوضى، وجعلت المواطنين يزهدون في الديمقراطية بأحزابها المتنافرة والمتشاكسة، ونقاباتها واتحاداتها وقواها النظامية المتمردة على السلطة الديمقراطية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، وباستثناء بعض الإنجازات والمشروعات التنموية في الحقب المختلفة عجزت الحكومات الوطنية المتعاقبة عن ترتيب الأولويات، وضبط وتركيز التنمية الاقتصادية لنقل السودان، اعتماداً على موارده الطبيعية المتنوعة، من بلد فقير يستورد كثيراً من حاجاته الغذائية من الخارج إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي على أقل تقدير.

وعلى الصعيد الاجتماعي ظهرت مثالب كثيرة منها ما بدأ يطرأ من تغير في سلوك وصفات السودانيين التي ميزتهم من غيرهم، ومنها الظواهر الاجتماعية السالبة، والممارسات الضارة وبعض الجرائم الجديدة والغريبة على المجتمع السوداني التي بدأت تطفو على السطح.

تزايُد معدلات الفقر بين فئات المجتمع وارتفاع نسب البطالة وسط الشباب، والغلاء الطاحن لاسيما في لوازم الحياة المعيشية الضرورية، والأمراض المتفشية وتدني الخدمات الوقائية والعلاجية وغيرها، لا سيما في أطراف المدن والأرياف، والتدهور الذي أصاب مناهج ومؤسسات التربية والتعليم بمستوياته المختلفة، وتفشي ظاهرة الفساد والتعدي على المال العام والثراء الحرام، والعجز عن مواجهة ومحاسبة المفسدين واسترداد الأموال المنهوبة، وظهور فئات تمارس الدجل والشعوذة وبروز طبقة طفيلية تمارس المهن الهامشية، وغير ذلك من الممارسات الضارة التي تفشت بصورة مخيفة لاسيما في سنوات حكم الإنقاذ، كل هذا بلا شك ساهم ويساهم في إعطاء صورة قاتمة عن المستقبل وبصفة خاصة للأجيال الجديدة من الشباب من الجنسين، تزيد من حالة اليأس والقنوط وربما تدفع ببعضهم إلى أتون الضياع والتشرد.

ولقد ساهمت وسائل التواصل الحديثة بما يتم تبادله من معلومات وآراء، والجدل الذي يثور حول هذه القضايا المحبطة في وسائط وأجهزة الاتصال والإعلام المختلفة في تشكيل وعي الأجيال الجديدة من الشباب، وفي زيادة تأثير هذه المشكلات فيهم.

ومن الشواهد على حالة اليأس وفقدان الأمل في إصلاح الحال ارتفاع معدلات الجريمة بكل أنواعها، وزيادة الممارسات المنافية للقيم السودانية الأصيلة والسلوك السوي.

ومن إفرازات هذا الواقع المحبط تزايد الرغبة في الهجرة والاغتراب بين الشباب من الجنسين في الآونة الأخيرة بشكل غير مسبوق، وإلى أي وجهة يمكن أن تتاح لهم خارج الوطن، وربما دون أي هدف محدد أو غرض واضح أو ترتيبات مسبقة سوى الفرار من المعاناة والهروب من أتون العيش في وطن لا يجد فيه الشباب أبسط الحقوق ولا تتوفر لهم فيه الفرص التي تعالج قضاياهم وتؤمن مستقبل حياتهم.

إن أكثر ما يمكن أن يضر ببلادنا هو فقدان الأمل في المستقبل بين الشباب والشعور بالإحباط في بلد لا بد أن تكون الروح السائدة فيه وبين شبابه على وجه الخصوص، هي روح التفاؤل والأمل في المستقبل المشرق الواعد. فالسودان بموقعه وموارده وأبنائه ينبغي أن يكون أقوى من كل المحن، وليس كثيرا على شعبه ولا مستحيلا أن يفعل ما فعلته شعوب أخرى من حولنا. فعلى القوى السياسية السودانية مجتمعة وكل الهيئات والمنظمات والمجموعات والفئات المعنية بالشأن السياسي العام، أن تنتبه من غفلتها وأن تقرأ هذا الواقع المحبط بما يستحقه من جدية واهتمام، وعليها أن تتوافق على رؤية محددة بأولويات واضحة تبشر بها وتعمل لتحقيقها.

ويتحتم على كثير منها أن تنحي قياداتها الكسيحة العاجزة، وأن تفسح المجال لتجديدها وإسنادها للشباب المصادم المقدام الذين سقط من بينهم الشهداء والجرحى وهم يعبرون عن رفضهم لكثير من سياسات الإنقاذ طيلة السنوات الماضية.

على هذه القوى أن تتحمل مسؤوليتها في التصدي والمواجهة لتخرج شباب البلاد من حالة اليأس والقنوط الماثلة ولإحداث التغيير السياسي الديمقراطي الحقيقي الذي يتيح للسودان الاستفادة من موارده الطبيعية ويمكنه من بث الأمل في نفوس شبابه وإتاحة كل الفرص الممكنة لهم للنهوض بالبلاد وتسخير طاقاتهم لمعالجة قضاياها ومشكلاتها.

إن أمل السودان في شبابه كبير، وحتى إن عجزت الأحزاب السياسية عن القيام بالمطلوب منها، فالتفاؤل والثقة بقدرات الشباب على إحداث التغيير السياسي المأمول سيبقى رغم كل الإحباط والقنوط.

ردان على “شبابنا بين اليأس والتفاؤل”

  1. يقول سعاد محمد عثمان:

    من المؤسف. حقا ان جميع القوى السياسه التى حكمت السودان او التى تتطلع لحكم السودان لازالت تحمل أجندة خاصه بها. ونظريات سياسيه
    وضعها علماء او فلاسفه غير سودانيين مثل النظريه الشيوعيه. والقوميه العربيه او التوجه الاسلامى . وكلها نظريات اثبتت فشلها فى كل الدنيا .. ولكن الاحزاب السودانية لازالت تحمل. هذه الافكار وتصر على تطبيقها دون مراعاه لمصلحة الوطن والمواطنين ..
    لذلك اصبح الشباب حائرا رافضا الانضمام لاى حزب عاجزا عن تكوين حزب سياسي يستطيع نشل السودان من الهوه التى ظل يهوى الى قاعها منذ 52 عاما ومازال .
    ان الشباب الذين ولدوا منذ ان قامت ثورة الانقاذ الإسلاميه والذين شارفت اعمارهم ال ثلاثين عاما عاشوا وترعرعوا فى اسوا فترة مر بها السودان فى تاربخه القديم والحديث . وتشربوا قيم واخلاق لاتشبه اخلاق وقيم اسلافهم …

    .. شباب لم يعرفوا معنى التقابات. ولم يشاهدوا ثورات ولم يستطيعو تكوين تنظيمات او اتحادات ..
    ان الشباب السودانى (الا من رحم ربى ) غير قادرين على اخراج السودان من مازقه الذى وصل اليه. .
    لذلك اما اهيب. بالمخضرمين. من المواطنين السودانيين الذين تجاوزت اعمارهم الاربعين فما فوق ان يكونوا حزبا سياسيا جديدا. يراعى مصلحة الوطن. الوطن فقط ولاينتمى لاى مدرسه. او فكر خارجى او اى نظريات سياسيه خارجيه .. الشيئ الذى سيجذب الشباب. دون الثلاثين من النضمام اليه ..
    ويبدا فى الاعداد من اللحظه. لترشيح شخص قيادى لانتخابات 20/20

  2. يقول د. تيسير حامد:

    سلامات يا خال… تحليل منطقي و متوزا ن لكته يفتقد قليل من التفاؤل … لماذا لا ننظر للجانب الممتلئ من الكوب؟ السودان ما زال متماسك و دولة راسخة رغم انهيار الدول حولنا و تشرد أهلها بين سواحل القارات و أعماق المحيطات … ربما كان انفصال الجنوب عمل ظوعي و ديمقراطي شجاع حتمته الجغرافيا و التاريخ لوقف حمام الدم المزمن و هاهي الايام تظهر حقيقة أوضاع الجنوب ولا يجد حضن يصمد جراحه الا الوطن الأم ( ……)…. أخشى أن نكون ذوي شجون و حنين (للزمن الجميل) ،،، عندما كان تعداد سكان البلاد صغير يعيش قليل منهم في الحضر تكفي عائدات بيع قليل من قطن و سمسم لتلبية حاجاتهم و احتياج الحكومات التي يكاد لا يلحظ وجودها خارج بضع عشرات من المراكز الحضرية و الريفية… أما جل سكان البلاد فيعيشون قي الأرجاء حياة البداوة لايعلمون عن الدولة شيئا ولا تعلم عنهم الا قليلا …. لكن المياه جرت تحت الجسر واصبح لهذه المجموعات مطالب و خاصة بعد ان نقلت لها السلطة عبر الحكم الفدرالي و اندياح التعليم (على علاته) بين أبنائها. بالإضافة لثورة الاتصال و التواصل…. … و هذا يؤدي لاضظرابات هنا و هناك بذأت نيرانها تخبو الان…. يبقي (الزمن الجميل) جميل عشناه في طفولتنا في بورتسوذان الجميلة…. لكن نظلم أنفسنا إذا احتكمنا للماضي فقط فبورتسوذان اليوم اجمل بمقياس العصر و ان كان ينقصها الكثير … ما نحتاجه هو توافق وطني علي ثوابت الحرية و العدالة و التنمية لكن في إطار سوداني يراعي التحديات التي تواجه البلاد ثقافيا و اجتماعيا اولا فبل أن نقول سياسيا و افتصاديا فالمشكل الثقافي الاجتماعي في بلادنا كبير و لا يجب أن نحمله ما لا يحتمل….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*