إلا كلام الصادق الما عرفرتوهو

  • 15 نوفمبر 2018
  • لا توجد تعليقات

عبد الله علي إبراهيم

يعود السيد الصادق المهدي إلى البلاد في يناير القادم بالسلامة. وهذه كلمة قديمة بحقه أرغب أن تنبه القارئ إلى ما نخسره من جهة علمنا بالديمقراطية، وتعزيزنا لها بهذه الاستباحة لدم الرجل السياسي الذي هو غذاء الأسافير.

لست من الإمام في شيء منذ ولدت. ولم تغرني منه نفحة أو رمزية سياسية.

وجاء وقت كان طرفاً هميماً في تشريد حزبنا الشيوعي إلى يومنا. ولكن باتت الخشية أن نرمي بالوليد مع ماء الغسيل: أن نرمي بالديمقراطية من خلال النقد العشوائي للرجل.

أزعجني دائماً تواقح بعض صفوة المعارضة والحكومة على السيد الإمام الصادق المهدي. ووجدتهم عادوا إلى ذلك بعد لقائه الحاشد مع الأنصار ممن لم تقع ذرة منه لأي منهم ولن تقع.

ومن سَقط قولهم إنه كثير الكلام قليل الفعل. ويفوت عليهم أنهم يحاكمون حاكماً في وضع ديمقراطي بما تعودوه من الديكتاتوريين صاعقة النجم الذين ركبوهم طويلاً. ومنهم من كان يعدمهم النضم، ويفصل الواحد منهم بالراديو، بل ويلحقه بيده. وكتبت كلمة مرة بحق الإمام في أن الديمقراطية كلام في كلام لأن المسؤول فيها تلجمه تحالفات سياسية وبرلمان وقضاء وشارع لا ينضب.

حينما عدت للسودان من أمريكا في 1987م وجدت الصفوة السياسية اليسارية قد دمغت السيد الصادق، رئيس الوزراء، بثلاثة أمور. الأول: أنه، وقد جعلوه أمل الأمة، قد خذلهم. وهذا عجيب. وقد سألتهم: لماذا عقدتم عليه الأمل من أول وتبادي وأنتم من اليسار بمكان؟ مالكم ومالو؟ إئه اللبط دي؟ أما الدمغة الثانية فهي أنه متناقض. وصدر كتاب بأكله عن تناقضات السيد. أما الثالثة فهو أنه صار “أبو الكلام أزاد”: يتكلم ولا يفعل.

وكنت أقول لهم الخير أن يتكلم فالديمقراطية كلام. فلو سئم الصادق الكلام فلربما عمل فيكم ما عمله عبد الله خليل بالبرلمان في 1958م. وكانت ديمقراطية 1986م محرجة. فنجمها بين اليسار الفصيح المؤثر كان المرحوم العقيد قرنق الذي قاطعها، لا أولئك الذين خاضوها.

وقفت في الولايات المتحدة على أن الديمقراطية كلام في كلام في كلام. فمرات تشاهد في جلسات مجلس الشيوخ بعض أعضائه، اثنين أو ثلاث، يتبادلون الحديث من المنصة في قاعة فارغة تماماً من غيرهم من الأعضاء.

وهذه الحالة البرلمانية يسمونها “الفيلبستر”. وهي فضاء مأذون به لائحياً ليتمكن عضو واحد أو أعضاء من الكلام (صرف إنجليزي) ليعطلوا إجازة مشروع قانون لا يوافقون عليه. فمتى بدأت الفيلبستر “تخارج” أكثر الأعضاء، وبقي المعارضون الأشداء للمشروع يضخون كلاماً في كلام في كلام. وكلمة “فيلبستر” أصلها روماني ومشتقة من الفعل “قرصان”؛ لأنه كان للسيناتور في ديمقراطية روما أن “يقرصن” الحديث، ويمنع الآخرين منه لتفادي أن يجيز المجلس قانوناً لا يوافق عليه. وأول من استن السنة سيناتور كان متى اعترض على شيء أخذ فرصة الحديث، وظل يتكلم حتى نهاية يوم العمل البرلماني.

وآخر أخبار “الفيلبستر” الأمريكي تفويت نائبة بتشريعي ولاية تكساس قبل أسابيع التصويت على مشروع قرار يمنع صورة بريئة من صور الإجهاض بأن تحدثت لمدة 11 ساعة متصلة. ومع ذلك لم تكسر سجل نائب آخر في تكساس عام 1977م وقف خطيباً في الساعة 3 والدقيقة 20 من يوم 2 مايو ولم ينزل إلا في الساعة 10 والدقيقة 20 من يوم 4 مايو أي أنه ظل يتكلم لنحو 48 ساعة. يريدون ديمقراطية تدار ب “قرارات جمهورية: وصدر بتوقيعي في القصر الجمهوري”. كفوا عن الطيش بحق الإمام.

أبيتوها بكلامها أكلوها بكوعها أو بوعها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*