تضاريس

دعوة إلى تنظيم الحياة الثقافية السودانية

  • 01 يونيو 2017
  • لا توجد تعليقات

د. بشرى الفاضل

مما لا شك فيه أن الفوضى وعدم التنظيم مما تتسم به معظم جوانب الأداء السوداني تصيب برشاشها الحياة الثقافية السودانية، فالإصدارات تنشأ وما تلبث ان تتعثر. وتجارب إنشاء جمعيات أهلية للمثاقفة تكرر نفسها هنا وهناك. أحياناً تكون لحركية ناشط شأنها في قيام جمعية لا تلبث ان يخبو بريقها بخفوت صوت ذلك الناشط أو مجموعة الناشطين. وتقوم جماعات جهوية ببث حبهم المعلن عنه للمكان الذي نشؤوا فيه خلال جمعيات ثقافية تجد أن اسم المكان: المنطقة، المدينة، الحي يلعلع عبر مكبرات الصوت بأكثر من الفعالية الثقافية المثبتة في أضابير أوراق تلك الجماعة.
لا يمكن لكاتب واحد مهما أوتي من قدرات ومن فسحة في الوقت أن يطلع على الإرث الإنساني العلمي الفكري الثقافي. ومن هنا تجيء ضرورة قيام جماعات أهلية طوعية كثيرة تضطلع كل جماعة منها بقسم من أقسام ذلك الإرث تعاقبياً وآنياً. وفي ظل غياب ريادة جسم حكومي يحفز قيام مختلف تلك الجمعيات، وأعني وزارة الثقافة، فإنه يمكن لاتحاد الكتاب السودانيين وغيره من التجمعات الأهلية العمل على سد الفجوات في الثقافة السودانية .
وفي رأيي أن أكبر فجوة في هذه الثقافة حالياً هي تلك التي ننتمي إليها نحن مثل أو ربما بأكثر من غيرها وإن أبعدتنا عنها السياسات الغشيمة، وأعني فجوة نأينا عن الثقافة الإفريقية.
وفي خطوة عملية، فإنني أدعو اتحاد الكتاب وغيره من المنظمات الأهلية التي تشاركه الهم الجسيم إلى فتح نوافذ لترجمة الكتابات المتميزة في الثقافة الإفريقية، والتعريف بها، وبكتابها، وإقامة جسر قوي متصل بين كتابنا وهؤلاء الكتاب، على ألا يكون جسراً من ورق المناسبات، بل من أسمنت الوشائج التي بيننا.
صحيح إن كثيراً من تلك الكتابات يصلنا، لكنه يصل بصورة متقطعة غير منتظمة او عبر لغات أجنبي، وللمتخصصين. ما أعنيه هو أن تكون تلك الصلة مبذولة للتيار الرئيس من القراء السودانيين، وهؤلاء سيقومون بإيصاله من بعد إلى نسيج المجتمع السوداني ككل.
والشيء نفسه ينطبق على آداب الأمم الأخرى، كالأدب الصيني، والأدب الياباني، وآداب أمريكا اللاتينية، والأدب الروسي، وآداب أمريكا وأوربا وأستراليا.
فلو كان في مقدورنا تحفيز جماعات من الشباب مادياً لدراسة تلك الآداب والثقافات أي دراسة الإرث الإنساني دراسة منهجية، فإن ذلك سيختصر الطريق أمام الأجيال الصاعدة، كما يقينا شرور تكرار وإعادة التجارب. ولا ينبغي حصر مثل هذا المجهود الشاق على مقاعد الدرس في كليات الجامعات.
لا يمكن لكاتب واحد أن يقضي عمره بين أضابير الكتب فمتى يا ترى سيكتب؟ لكن ذلك الكاتب يقيناً ستصدر فكرته ناقصة، وإن كانت موهبتها بائنة إن لم يتم صقلها عبر المضاهيات بما سبقها أو شابهها من أفكار، لذا فإن حملة جمع رحيق العالم التي أدعو إليها هي الكفيلة بإنتاج عسل سوداني طبيعي ومنقى، والأهم من ذلك أنه سيتم صنعه عبر الفلترة، عبر التنقية والمثاقفة، وهذا هو السبيل الذي أرى أنه سيؤدي إلى نضج كتاباتنا وأفكارنا.
والشيء نفسه ينطبق على أجيالنا الطالعة في القرى والبوادي البعيدة، فالمثاقفة أي إدخال عنصر التعليم في الثقافة يدرأ الكتاب الشباب من إعادة إنتاج عيسى الحلو ببذل الجهود لإيصال كتابات هذا الكاتب الكبير المثابر إليهم حيثما كانوا عن طريق إحياء المكتبة المدرسية، وعلى هذا قس فبقية المسائل كلها تفاصيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*