غربا باتجاه الشرق

في سيرة بابكر عوض الله (2-2)

  • 08 يونيو 2017
  • لا توجد تعليقات

مصطفى عبد العزيز البطل

(1)
قلنا أن مقال ، أو بالأحرى شهادة، القاضي الجليل السابق والمحامي الاستاذ محمد صالح فقراي تكتسى اهميتها من العلاقة المباشرة التي تربطه برئيس البرلمان ورئيس القضاء ورئيس الوزراء الاسبق بابكر عوض الله، بحيث انه سمع سماعا مباشرا من رأس المصدر، كما يقول الاكاديميون المغاربة، ثم نقل الينا إفاداته.

والحق أن كثيرا مما نقله القاضي والمحامي فقراي، حول انقلاب مايو ودور بابكر عوض الله، مسطور ومنشور، فهو هنا فقط يعضده ويمنحه درجة اعلى من المصداقية. ولكنني وقفت عند بعض الجوانب التي أضاف اليها الرجل بعض التفصيلات الدقيقة اللافتة للانتباه.

(2)
نعلم مما ذكره فقراي على لسان بابكر عوض الله أن الضباط الشباب، وجميعهم برتبة رائد، الذين التقوا به في منزله بشارع 31 بحي العمارات في مقتبل العام 1969 بناء على طلبه لم يكونوا قد فكروا في اختيار قائد برتبة أعلى ليكون على رأس الانقلاب قبل ان يسألهم بابكر عوض الله عن ذلك الأمر. وقد كان رد بعض الضباط على سؤاله لهم عن القائد: “قائدنا انت”. ولكنه أقنعهم بأن الانقلاب يلزمه قائد عسكري لا مدني.

وعند التشاور حول الأسماء ورد اولا اسم العميد عثمان حسين عثمان قائد سلاح المدفعية. وهذه هي المرة الاولى التي اسمع فيها بورود اسم هذا الرجل كمرشح لقيادة انقلاب مايو. ولو كانت الاقدار قد مهدت له الطريق لقيادة ذلك الانقلاب لربما كان ذلك سببا في انقاذ حياة شقيقه المقدم حسن حسين عثمان. وكان الشقيق قد قاد محاولة انقلابية اخرى في الخامس من سبتمبر 1975 ودفع روحه ثمنا لها إذ حوكم امام محكمة عسكرية برئاسة اللواء محمود عبد الرحمن الفكي، اصدرت عليه حكم الاعدام الذي تم تنفيذه في منطقة وادي الحمار في اطراف مدينة عطبرة.

ولكنني بالطبع، وكثيرون غيري، كنا نعلم بأسماء اللواء احمد الشريف الحبيب والعميد مزمل سليمان غندور والعقيد جعفر محمد نميري الذين جرى تداول اسمائهم وترشيحهم في ذلك الاجتماع كما جاء في مقال الاستاذ فقراي، مؤكدا لروايات كثر سابقة.

وقد لفت نظري انه بعد رفض المرشحين الثلاثة الاوائل، والاتفاق على شخص العقيد، آنذاك، جعفر محمد نميري، قائد ثاني حامية جبيت، ان الرائد فاروق عثمان حمد الله التفت الى بابكر عوض الله مداعبا وهو يعلق على موافقة بابكر ومباركته لاقتراح اختيار النميري، رغم انه لم يكن يعرفه اصلا، فقال له: (انت وافقت عليه لأنه دنقلاوي مثلك).  وكانت هذه ايضا المرة الاولى التي اقف فيها على هذه المعلومة بشأن جذور بابكر عوض الله، إذ لم اكن اعرف انه من أصول نوبية، وكنت اظن انه ينحدر من احدى قبائل وسط السودان.

(3)
تؤكد رواية الاستاذ فقراي عن بابكر عوض الله حقيقة الدور القيادي التأسيسي المحوري الذي اضطلع به الرائد فاروق عثمان حمد الله في صناعة انقلاب مايو، رغم انه لم يكن ضابطا عاملا بالقوات المسلحة، بل كان مفصولا من صفوفها، وكان يعمل ضابطا اداريا في بلدية (محلية) امدرمان مسئولا عن مراقبة اسعار السلع في الاسواق. ومع ذلك فقد كان هو المنسق الأول الذي جمع الضباط وربما قام باختيارهم، وهو الذي اقترح اسم العقيد جعفر نميري لموقع القيادة، ثم انه كان اول من فكر في اسم بابكر عوض الله، واول من باشر الاتصال به وعرض عليه الانضمام الى الانقلاب، ثم جمعه بالضباط الصغار في لقاء اول، وبادر الى ترتيب لقاء آخر بينه وبين القائد المختار جعفر النميري.

ومن سخرية الاقدار ان جعفر نميري الذي اختاره فاروق حمد الله وزكاه، دوناً عن غيره، ورشحه لموقع القيادة كان هو الذي ركب رأسه وأصر على اعدامه رميا بالرصاص. وكانت المحكمة التي عقدت لمحاكمته في يوليو 1971 برئاسه العميد تاج السر المقبول قد اصدرت حكمها عليه بالسجن لمدة اثني عشر عاما، ولكن النميري رفض الحكم وشكل محكمة جديدة برئاسة المقدم صلاح عبد العال مبروك الذي اصدر حكم الاعدام، ثم تولى منصب وزير في الحكومة الجديدة. والروايات والكتب التي تحدثت عن (الصفقة) وملابساتها على قفا من يشيل. ولكنها مجرد روايات وكتب. الحقيقة عند الله وفي صدور البعض.

(4)
في سيرة بابكر عوض الله جانب كان يستثير فضولي، وهو: ماذا كان الرجل يفعل بحياته خلال الفترة منذ استقالته من منصب رئيس القضاء في يونيو 1967 عقب عاصفة حل الحزب الشيوعي وحتى قيام انقلاب مايو 1969 وتوليه منصب نائب رئيس مجلس قيادة الثورة ورئيس الوزراء؟ وقد وجدت الاجابة عند القاضي والمحامي محمد صالح فقراي.

بحسب اجابة بابكر عوض الله التي سجلها فقراي فقد عمل بابكر خلال تلك الفترة محامياً لشركة جورجيان. وكثير من الدول تحظر على من تولى رئاسة القضاء ان يعمل بالمحاماة بعد مغادرته المنصب على الاقل لفترة زمنية محددة. وواضح ان السودان ليس من بين هذه الدول إذ أنني اعرف اثنين من رؤساء القضاء غادرا منصبيهما والتحقا بالمحاماة على الفور، هما مولانا دفع الله الحاج يوسف والمغفور له مولانا خلف الله الرشيد.

أما جورجيان الذي عمل مولانا بابكر عوض الله محاميا له ولشركته فهو رجل اعمال أرمني كان يمتلك الشركة التجارية الشهيرة التي حملت اسمه واسم اسرته في الخرطوم في ستينيات القرن الماضي. ومن عجب ان شركة جورجيان هذه كانت من ضمن الشركات التي جرى تأميمها على يد حكومة مولانا بابكر عوض الله بعد أشهر قلائل من نجاح انقلاب مايو.

ولا بد ان جورجيان هذا قد احتار في أمر محاميه الذي عينه لحماية مصالحه ومصالح شركته فانتزعها من بين يديه قسراً وقهراً، وصادرها وأحال ملكيتها للدولة. ولكن بابكر عوض الله نسيج وحده. ومن يدبر الانقلابات، ويئد الديمقراطيات، ويكبت الحريات ليس عزيزا عليه ان يصادر الشركات!

mustafabatal@msn.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*