سفينة بَوْح – يقولون ما لا يفعلون (عزفاً بالعود) .. !!

سفينة بَوْح – يقولون ما لا يفعلون (عزفاً بالعود) .. !!
  • 29 يناير 2020
  • لا توجد تعليقات

هيثم الفضل


يوم الإثنين الماضي قامت فضائية النيل الأزرق ببث فقرة ضمن برنامجها اليومي (مساء جديد) تمت فيها إستضافة مطرب شاب جديد ، وكالعادة بدأ أول أغنياته (بإجترار) أغنية من أغاني الزمن الجميل وحسب ما جرت عليه العادة دون ذكر صاحب الأغنية ولا شاعرها ولا ملحِّنها ، ولكن ما أثار دهشتي أن المذيعة قد باغتتهُ بسؤالٍ جريء ومباشر حول رأيه الشخصي في تقليد الفنانين الشباب لأغاني الغير ، فإستعدل الرجل جلستهُ ثم أسهب وأفاض في تبيان عدم رضاه عن موضوع تقليد الفنانين الشباب لأغاني الغير وتباطؤهم في إنتاج أغنياتهم الخاصة وحصولهم على شخصية فنية مستقلة تحمل بصمتهم وتُعبِّر عن لونيتهم الخاصة وقال في ذلك مالم يقُله مالك في الخمر ، ثم بعد ذلك طلبت منه المذيعة أن يسمعها والمشاهدين أغنية أخرى فإذا به وبكل بساطة و(تلقائية) (يستعدل) في جلستهُ مرةُ أخرى ويقدِّم أغنية مسموعة لفنانٍ كبير وأيضا دون ذكر إسمه ولا شاعر الأغنية ولا ملحنها ، أقول هذا وأنا حتى وقت كتابة هذا المقال (أستشيط) إستغراباً وإندهاشاً فيما حدث أمامي وأنا لا أصدق أن مُعِد البرنامج (إن وُجِد) والمذيعة والفنان جميعهم لم يتحمَّلوا إحترام عقولنا كمشاهدين ولو(لثانيتين) فقط ، حتى نستوعب فكرة إجبارنا (قسراً) أن نكون حضوراً في (مهزلة) توثيق تجربة فنية بائسة ومُتدنية في شكلها ومضمونها وتحت عنوان (يقولون ما لا يفعلون).  

حماية أثير البث الفضائي والإذاعي السوداني الذي أصبح بلا منازع عنواناً لثقافة السودان وشعبه ومستوى وعيه الجماهيري ودليل ثرواته الفنية والإبداعية ، هو واحدة من متطلبات التغيير التي يجب أن تبدو واضحة في سوداننا الجديد ، فسياسة إستسهال الفن وإشتراطات أحقية الظهور الإعلامي للإبداعات التي تستحق هي وجهٌ آخر من أوجُه (العدالة) التي نادت بها شعارات ثورة سبتمبر المجيدة ، فالتمكين الفني والإبداعي الذي أرسى له النظام البائد داخل المؤسسات الإعلامية الرسمية والخاصة والذي إنبنى على الواسطة والتسلُّق والرشوة والإنتصار بالـ (الشُلليه) ، ثم قبل كل ذلك تقديم كل ضمانات الولاء السياسي للنظام الحاكم أو على الأقل ضمان أن يدور العمل الإبداعي فقط في دائرة مايريده النظام أو دائرة ما يُعبِّر عن (التُرهات) التي لا تُغني الواقع الثقافي ولا تُسمنهُ من جوع ، فضلاً عن أنها لا تُعبِّر عن واقعنا الثقافي والإبداعي الحقيقي والمُترف الثراء بتجاربه ومنتجاته المُشرِّفة.

على وزارة الإعلام أن ترفُد تلك المؤسسات بالمعايير والإشتراطات التي من خلالها يتم تقييم الفنان وأعماله الإبداعية قبل (إقحامهُ) عُنوةً في بيوتنا ، وأن تُجبرها على إعادة تفعيل دور(الإعداد) البرامجي إلى منصاتها الإنتاجية حتى يتبيَّن الطيِّب من الخبيث فوجدان الشعب السوداني ووقتهُ الغالي وما تبقى له من مساحات الترفيه والإستمتاع بالفن والإبداع ليست مبذولة ولا (رخيصة) ولا سقط متاع و(مكبات) فارغة ومُهملة تستغلها الفضائيات والإذاعات لترمي في جوفها سواقط الأدب والفن وأنصاف المواهب وكل من هب ودب وكيف ما أتفق.

الوسوم هيثم-الفضل

التعليقات مغلقة.