هل تدفَع أمريكا اليوم ثمن اختيارها رئيساً شعبوياً من خارج المنظومة والمؤسسة السياسية؟
هل فعلاً سيقود ترامب المتباهي امريكا نحو المجد ، ويجعلها عظيمة مرة اخري عن طريق القوة ، كما يقول شعار مجموعة الماقا ( MAGA) ، ام يردي بها في مجاهل الضعف والكراهية والعزلة وعدم الموثوقية ؟
خلال فترته الاولي بدأ ترامب كسياسي شعبوي ، يخاطب الشعب الامريكي باسلوب ينفذ الي دواخل البسطاء ، معادياً للنخبة ، متحدياً لها ، الامر الذي ساعد علي انتخابه لولاية ثانية ..!
ولكن من الواضح انه وفي سنته الاولي من ولايته الثانية ، بدأ ينزلق سريعاً من ساحة الشعبوية الي ساحة الفاشية ، وهو أمر تدلل عليه تصرفاته وافعاله وقرارته المُتخذة منذ الساعة الاولي التي تلت تنصيبه الاخير ..
فقد بدأ ممارسة وظيفته بتوقيع عشرات الاوامر التننفيذية في ساعات قليلة ، ما لبثت ان وصلت الي 142 امراَ تنفيذياً في المائة يوم الاولي من حكمه ، وبما يصل الي 225 امراً تنفيذياً خلال عامه الاول ، وهو ما لم يصدر من رئيس قبله في تاريخ امريكا…
والامر التنفيذي (Executive Order) عبارة عن قرار توجيهي يأخذ قوة القانون ، يصدره الرئيس الامريكي ، الي الوكالات الفيدرالية ، متجاوزاً موافقة الكونغرس ، شريطة توافقه مع الدستور والقوانين للسائدة ، غير ملغياً لاي قانون سابق ..
ويمكن لاي رئيس حالي ان يلغي اي امر تنفيذي اصدره رئيس سابق (ترامب ألغي اكثر من سبعين امراً تنفيدياً اصدرها سلفه بايدن) …
ويحق للقضاء الاتحادي في جميع مستوياته ان يوقف الامر التنفيذي ، وما يستتبعه ، اذا خالف الدستور او القوانين القائمة ..
ولا يستطيع الكونغرس تعطيل الامر التنفيذي للرئيس مباشرة ، ولكن يمكنه تعطيله بقطع التمويل المالي عنه ..
وواضح انه سلطة استثنائية مُساعدة منحت للرئيس لتجويد وتسريع اتخاذ القرارات الفيدرالية ، ولكن لا يمكن لبلد مثل امريكا حكمها بالاوامر التنفيدية ، الامر الذي يلغي السلطة التشريعية ..
والاكثار من استخدام الامر التنفيذي يشير الي نزعة استقلالية لدي الرئيس اقرب الي الروح الفاشية ، فطالما انتقد ترامب المؤسسة التشريعية ، وأزدري القضاء واساء الي ما سبقه من رؤوساء ، ممجداً نفسه ، عاملاً علي محاربة ليبرالية الدولة ، ساعياً الي ترسيخ صورة الزعيم الاوحد ، مؤمناً بالقومية والعرق الأبيض ، بدليل ان إدارته كلها لا تضم مسئولاً واحداً من السود ..
وهو شعبوي في تعامله مع اتباعه ، فوضوي مدمر للاخربن في تعامله مع خصومه ، او مع مؤسسات الدولة الاخري الحاكمة والمُنظِمة لعملها بفصل سلطاتها ، وهو يريد سلطة بلا حدود ، وقراراً بلا محاسبة ، وامراً بلا مراجعة ..
ويرغب في آزالة اي عوائق دستورية ، او حدود اخلاقية ، او منظومة قيمية ، او مصفوفة قانونية ، تمنعه من ممارسة السلطة المطلقة …
والرجل لديه مقدرة كبيرة علي خلق الاعداء ، لا يؤمن بمؤسسات الدولة ، ويري انه فوق الجميع ، وإضافة لهذا لا يجنح كثيراً الي اتخاذ قرار بعد دراسة ، ولا يستمع الي رأي المستشارين او الخبراء ، بل يسخر منهم ، ودائم المخالفة لهم ، يعتمد في ادارته للدولة علي مجموعة صغيرة تشاطره نفس الاراء الفاشية (أوليغارشية وبطانة عائلية فاسدة ) يمتاز اعضاؤها بالتملق والتزلف الشديد وطأطأة الجباه ، وسحق الكرامة ، ومعظمهم فاقد لها بإمتياز ، وجلهم بلا امكانيات فنية او ادارية او خبرات تراكمية ، او كوابح وحواكم اخلاقية ، وهذا مفهوم تماماً ، لان الرجل لا يريد خبراء محترفين ولكنه يريد جهلاء متملقين ، ماسحي جوخ ولاعقي أحذية ، فما ان تستمع الي احدهم يتحدث امام ترامب او عنه ، حتي تصاب بالغثيان من انحطاط فكري يلازمهم ، وكرامة مهدورة ترافقهم ..
وهذا ما لقي هويً لديه ، لانه صاحب شخصية نرجسية ، متعالية ، عجولة ، جهولة بما هو خارج امريكا ، خاصة اصول وتاريخ الصراعات الدولية ، متسرعة ، تميل الي تمجيد الذات ، وتطرب للثناء الكاذب كثيراً ، شخصية تربت واكتسبت خبراتها من ساحات المقامرة ، واندية المراهنات ، وحلبات المصارعة ، وحلقات الملاكمة ، ومجتمع السوء ، وقاع المدينة ، فهذا ما إكتسبته من قيم ، فماذا يريد الشعب الامريكي عندما انتخبه ، فمحيط ثقافته هو علمه الغزير حول اسلوب هوجان وجون سينا في المصارعة ، او ضحكة النجمة كاميرون دياز او مشيتها ..
ونحن نعرف ان وظيفة السياسي في امريكا من افسد الوظائف ، لطبيعة النظام السياسي القائم علي الصراع ونيل الحقوق عبر مجموعات الضغط والمساومة ، في نهج يجمع بين الفساد والنفاق والمداهنة والانقياد لمن يموِّل حملتك الانتخابية ، هكذا هو النظام وهكذا يسير ..
إن ترامب الطارئ ، القادم من خارج المؤسسة ، المحارب لقيمها ، والذي اعلن انه سوف يعمل علي تفكيك سندها وركيزتها وهي الدولة العميقة ، وضح انه شخص غير متمرس ، وجاهل بدروب واساليب السياسة وخفاياها ، خاصة وانه لم يمارسها من قبل ، فان اول وظيفة عامة له هي رئيس امريكا ..
ونتيجة لسياساته المتناقضة ، المفارقة لإنجازات مزعومة يتحدث عنها باستمرار وفخر ، وهي في أغلبها غير موجودة علي ارض الواقع ، لم يدرك انه قد خلق مجموعات كبيرة معادية له حتي من داخل حزبه ، لان الكثيرين من نواب الحزب الجمهوري ونتيجة لسياساته المرتجلة ، متوقع لهم ان يفقدوا مقاعدهم في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس خلال هذا العام ، علي الاقل هذا ما قالت به استطلاعات الرأي ، والتي أبانت ايضا انخفاض شعبيته الي اقل من 39 ٪ ..
ولم يدرك ان الدولة العميقة المتجذرة سوف تتحرك ضده بشدة ، ليس مهددة بعزله فقط ، وانما بمحاكمته ، خاصة انه يواجه 34 تهمة سابقة ، ورغما عن هذا تم تمرير إنتخابه لان العديد من الجهات تريد ذلك ، فهي تعرف جيداً شخصيته المتباهية وعطشه للمجد ، وتملك ضده ما يجعله يركع ويلبي طلباتها ، وهنا تطل علينا ملفات عميل الموساد جيفري ابستين.، والتي إتضح ان هناكَ اكثر من جهة تملك نسخاِ منها ، أولها الموساد الإسرائيلي ، وهو المخطط والجهة التي كانت وراء كل ما يحيط من افعال في جزيرة الشيطان ، إضافة الي الروس ، وجهات اخري لها إرتباط او يمكن اعتبارها جزء من الدولة العميقة …
وهذا يمكن ملاحظته في تماهيه مع الروس وتساهله معهم في موضوع اوكرانيا ونبرة معاداة اوروبا ، او استدعاء السبب الذي اوقف مساعيه وخططه لاحتلال قرينلاند ، المتمثل في تهديده بنشر محتوي هذه الملفات ، وذلك من بعض الجهات الاستخبارية الاوربية ، وهذا ما قمعه ..
اما الجهة التي استطاعت استغلاله لاقصي درجة ممكنة ، فهي إسرائيل ، والتي جعلته يغطي علي جميع جرائمها ضد الفلسطينين ، ويعاقب قضاة المحكمة الجنائية الدولية علي اصدارهم اوامر توقيف ضد نتنياهو ووزير دفاعه ، واطلق يدها لابادة سكان غزة ، وانصاع لامرها ووضع كل امكانيات امريكا تحت تصرفها ، خلال حربها مع ايران ، بما فيها المشاركة الفعلية في تدمير المفاعلات النووية الإيرانية ..
وهل اكتفت إسرائيل بذلك ، الاجابة لا ، فها هي تبتزه ليحارب حربها اليوم ، وتؤلبه ضد ايران ليشن حرباً إنابة عنها لتدميرها ، خدمة لأمن إسرائيل القومي ، وحماية لمشروعها التوسعي ، المنطلق من خرافات دينية ، وأساطير توراتية ..
وهي ليست حرب امريكا ، وتتعارض مع وعوده التي قطعها لناخبيه بعدم خوض امريكا لاي حروب خارجية ، ولانه يكذب ويتحري الكذب ، فقد جاء بفرية وكذبة جديدة في خطابه الاخير (خطاب حال الاتحاد) والذي إدعي فيه وقال ان ايران تخطط لانتاج صواريخ يبلغ مداها 9000 كلم قادرة علي ضرب امريكا ، فان اي عاقل يعرف ان الرجل يكذب ، وانه حتي لو امتلكت ايران هذه الصواريخ ، فحكامها ليسوا بهذا الغباء الذي يجعلهم يهاجمون امريكا في عملية انتحارية سوف تمحوهم من الوجود ..!
واليوم يحشد الاساطيل لحرب تخدم إسرائيل ، خاسرة تضر بامريكا ، وبمصالحها وحلفائها واصدقائها في المنطقة ، إضافة الي انها عالية المخاطر ، معدومة العائد ، وهذا رأي قائد اركان الجيوش الأمريكية ، والذي حذر من مخاطرها ، وهي حرب حتي لو كسبها ترامب عسكرياً ، فلا نصر كامل له فيها ، فلا هو يستطيع ان يوقف البرنامج النووي الايراني ، لانه موجود أولاً في عقول علمائها وليس في منشئاتها ، وذات الامر بالنسبة لبرامجها الصاروخية المحصنة جيداً في باطن الجبال والعقول …
إنها حرب إسرائيل وداعميها من التدبيريين الإنجيليين واتباع المسيحية المتصهينة ، حرب نجده جاهلاً بتكلفتها السياسية والمالية والبشرية علي امريكا اولاً ، وايران ثانياً ، والمنطقة ثالثاً ، والسلام والامن العالميين رابعاً ..
لقد ادركت العديد من الدول ان الرجل لا يمارس السياسة وفقاً لاصولها ، سواء في الداخل او الخارج ، وانه شخص مهووس بالقوة وتمجيد الذات …
وقد عمد الي تغيير اسم وزارة الدفاع الأمريكية الي وزارة الحرب ، وقام بتعيين ارجوز يفتقد العقل والفكر والمنطق وزيراً لها ، شخص خامل بلا امكانيات ، كل خبراته العسكرية انه حمل رتبة النقيب في الجيش الأمريكي عند اكمال خدمته به وقبل تقاعده ، وبعدها اتجه الي تقديم البرامج التلفزيونية الفاشلة ..
وقد رأينا تلك المهزلة التي احاطت بأكثر من 800 من كبار جنرالات الجيش الامربكي ، عندما دعاهم وزير الدفاع لاجتماع معه ومع ترامب ، فتعرضوا للاستهزاء ، ولاساءات طالت مظهرهم ، والسخرية اللاذعة من كروشهم المتدلية ، وتعدي التنمر الي تهديدات ترامب بالفصل لكل من يعارضه منهم ..
وواضح ان ترامب سوف ينصاع اخيراً للإبتزاز الإسرائيلي بما جاء في ملفات ابستين ، ويخوض حربها ضد ايران ، بعد ان يغلفها بالمصالح الأمريكية زوراً ، وما اكذوبة الصواريخ الإيرانية التي لها مقدرة علي ضرب امريكا ، الا تمهيداً للاعتداء الامريكي المتوقع علي ايران ، وهو اعتداء اذا وقع ، فسوف يقود الي حرب شاملة في المنطقة وقد تتعداها …
كما اتوقع ان يترك ترامب امر معالجة ملفات أبستين لاحدي اعضاء فريقه القانوني التي جاء بها وزيرة للعدل ، وهي محاميته السابقة باميلا جو بوندي ، البارعة جداً في إخفاء الادلة وتزييف الحقائق ..
واري ان فرضية امتلاك عدة جهات لنسخ من ملفات ابستين ، وتورط العديد من المسئولين من الحزبين الكبيرين فيها ، هو امر حقيقي ، جعل العالم كله في خطر ، مع رئيس متورط فيها بافعال غير قانونية ، وعلي قابلية للاستجابة للضغط والابتزاز ..
وهذه امور اذا إنفلتت وتصاعدت إعلامياً ، وقانونياً ، سوف تؤدي الي عزله ، خاصة اذا نجحت بعض الجهات في نشر كامل الوثائق المتعلقة به ، وبالاخص المتعلقة بإغتصابه للاطفال ، أو بمشاركته في حفلات تقديم القرابين البشرية ، او علمه وإخفائه لجريمة إغتيال ابستين في زنزانته ..
وهو امر اذا لم يحدث اليوم ، فسوف يحدث عقب انتخابات التجديد النصفي والتي سوف تكون وبالاً علي الحزب الجمهوري حسب الاستطلاعات ، وعندها لن يكون من عائق لعزل ترامب ، ومحاكمته وسجنه كأول حادثة في التاريخ الامريكي ، علماً بأنه تمت مساءلته مرتين من قِبل الكونغرس عامي ٢٠١٩ و ٢٠٢١ ..
إن ترامب والذي يتصرف كالثور في مستودع الخزف ، جعل من أمريكا بلداً طارداً ، لا تطيب الحياة فيه ، علي راي العديد من سكانها ، ونتيجة لسياساته الاقتصادية المرتجلة ، فقد عاني الكثير من مواطنيها اقتصادياً ، وخاصة بعد مجازر إحالته لعشرات الالاف من الموظفين الفيدراليين الي المعاش ، او الفصل التعسفي ، وايقافه الدعم عن الكثير من الوكالات الفيدرالية ، وإنسحابه من بعض منظمات الامم المتحدة واتفاقياتها ..
كما يشهد المجتمع الامريكي ، ونتيجة لسياساته الكارهة للجاليات الاخري ، انقسامات عرقية عميقة ..
كما ان سياسات الهجرة المتعنصرة والتجاوزات التي رافقت اساليب تطبيقها ، جعلت منها بلداً معزولاً ، مثلما جعلت سياسات الرسوم الجمركية والعقوبات ، منها بلداً بلا موثوقية ..
ان ما يمارسه ترامب في امريكا اليوم لا يمكن وصفه بالسياسة لبلد يفترض به قيادة العالم ، بل هي فوضي وبلطجة ولصوصية ، وتدمير لقيم ارساها الاباء المؤسسون عبر عشرات السنين ، دمرها ترامب في أشهر قليلة ، وجعلها في خدمة التجارة ، فهو تاجر ورجل اعمال يريد ان يدير بلداً مثل امريكا ، بعقلية التاجر ، وبمبدأ الربح والخسارة ..
اجمالاً امريكا اليوم تتفكك علي ايدي شخص طارئ علي الطبقة والحياة السياسية …
وهي تدفع ثمن خياراتها الخاطئة وذلك عندما انتخبته رئيساً ، في فعل مماثل لحالة ان تخرج من منزلك ، ثم تأتي باول شخص تقابله امامك ، وتدخله الي بيتك وتطلب منه ان يعالج لك شخصاً مريضاً بالمنزل ، وفي النهاية تكتشف انك اتيت بإسكافي ، والتحية لكل الاسكافية ..
حيدر التوم خليفة
٢٦ فبراير ٢٠٢٦
السودان


