تطواف في كاليفورنيا المشرقة
بعد وداع العزيزين أحمد تولز وأحمد محمود ساعدينا في حفل التخرج مبكرا أسرعنا لمطار دلاس في واشنطن، حيث كان في انتظارنا جارنا في بلاد الحاج يوسف العزيز محيي الدين عثمان، كبرنارتي لتحيتنا مشكورا، وترحمت على روح صديقي الشاعر الفذ عزمي أحمد خليل ” ديوان حان الزفاف ” فلولا أنه عبر نهر الحياة إلى خلود الأبدية هنا لأحاطني بلطفه وظرفه وقفشاته، بل وأقاصيصه المدهشة، وما برحتني عبارته في القاهرة ” أول ما تجي أمريكا كلمني”.
ودعنا العاصمة الأمريكية واشنطن حيث تطبخ مصائر العالم وتوجهنا إلى مطار أتلانتا الناشط خلال ساعة ونصف، وبالمدينة جالية عربية فاعلة حيث أقلتنا طائرة دلتا أخرى زهاء 3 ساعات ونصف إلى مدينة سان دياقو بكاليفورنيا كبرى الولايات وهي وحدها تصنف الرابعة في مقدراتها الاقتصادية إن صنفت دولة، وتمتاز بشمس لطيفة طوال العام الشبيهة بشمس الفصل الشاتي بالسودان.
نزلنا في فندق كمفرت وهو من سلسلة فنادق جميلة تنتشر في كل مدن أمريكا الرئيسة، ومياه المحيط الهادئ الذي رجعنا له على اليمين والسوق يسارا.
اليوم الثاني طفنا بوسط المدينة حيث ناطحات السحاب الراقية ثم قضينا وقتا ماتعا على شاطئ اصطياف رائع .. خلفيته بيوت أنيقة على رواب تكسوها الشجيرات والبحر اللازوردي تلاطم أمواجه المتسارعة السابحين وعشاق ركوب الأمواج والشابات اللائي يكتفين غالبا بالمايوهات، بعضهن يلاعبن البحر والبعض الآخر ممدات على الشاطئ في دعة ونحن وسط الجمع نلهو بالأمواج ثم نتشمس على الرمال النقية، وطائرة درون تحوم فوقنا ولاغرو فهذا الموقع الزاهي بالجمال والحسان يتصيده مصورو الأفلام والتلفزيونات.
يحين موعد الغداء على مائدة سفيرتنا الأخت العزيزة سعاد عثمان .. دلقو، حيث انداح الأنس طويلا فانصرفنا مقدرين.
في يومنا الثالث في سان دياقو طوت بنا السيارة في نحو ساعتين ونصف الطريق العامر بالبلدات الجميلة والروابي المعشوشبة إلى مدينة لوس أنجلوس كبرى مدن كاليفورنيا وثانية المدائن الأمريكية التي تلي نيويورك سكانا وتمددا.
ها نحن نجتاز ناطحات السحاب في وسط المدينة ونتوقف عند شارع حيوي يطرقه السياح المزدان بأنجم مرسومة بعناية على أرضية مسقوفة طويلة بمحاذاة الشارع كل منها يحمل اسم نجم أمريكي شهير في ضروب الفنون والآداب وكل مناحي الإبداع بينهم محمد علي كلاي بطل الملاكمة الألمع الذي رفض وضع اسمه المبتدئ باسم الرسول الكريم أرضا فتدوس عليه الأقدام فصار الاسم الوحيد الذي رفع على الجدار ما جعل الزوار يفضلون التصوير عنده، ثم كانت إطلالتنا على موقع هوليوود المنقوش اسمه على صفحة جبل يرى من كل الاتجاهات في مدينة تعج بالمتاحف والملاهي والكازينوهات وكل ضروب التسلية والترفيه.
استقطبت المدينة زمنا أميرات مصر المتقاعدات، كما اختارها المبدع وردي مقرا في مرحلة شهدت بعض أعماله الخالدة.
وصلنا شقة أصهارنا ( حسام، آيات .. دنقلا، كرمة) وهم يتابعونا نحو الثانية ظهرا وكان العناق والترحاب الحار، ولكم أسعدني وجود الشاب الظريف مازن نجل الأخ الرقم أحمد عبد الوهاب أرباب .. آرتمري، الذي حدثني عن النادي النوبي الزاهر بالمدينة واستضافته مناسبات كل السودانيين الراغبين.
مضى الوقت اللطيف سريعا فسلكنا في العودة طريقا آخر ذا طبيعة جبلية وأودية مخضرة وفي كل مكان أشجار نخيل الزينة النحيلة الفارعة وبينها بعض نخلات التمر وهي من علائم الولاية وطاف بذهني مرأى أشجار الدوم في أروما حيث أنشأ الإنجليز مصنعا للأزرار من ثماره. نحو العاشرة مساء بلغنا الفندق في سان دياقو ( معناها القديس يعقوب بالإسبانية ) فحان النوم النوم بكريك بالدوم.
بزغ يومنا الرابع فعبرنا الجسر الهائل المرتفع الرابط شطري المدينة فإذا بنا في جزيرة باذخ جمالها وعلى الشط المقابل عمارات الوسط التجاري الباهية وتمنيت مثلها لتوتي والخرطوم.
تابعنا المسير نحو نصف ساعة وعلى المدى حقول شاسعة وغطاء نباتي كثيف وأمامنا حدود المكسيك مباشرة والسور الممتد للحؤول دون تسلل الطامحين للعبور لأمريكا ولو رغبنا لدخلنا المكسيك رسميا ببوابتها لكن الزمن يقيدنا ولهذا القرب تنتشر العمالة المكسيكية الزهيدة الأجور نسبيا من الجنسين في المدن الأمريكية المجاورة وتنتشر اللغة الإسبانية الثانية بأمريكا، الشائعة في الأمريكتين الوسطى والجنوبية نتيجة الحقبة الاستعمارية.
عند السابعة والنصف مساء من لدن الحدود المكسيكية حلقت بنا طائرة دلتا من سان دياقو بمحاذاة المحيط الهادي وبعد ساعتين ونصف عند تخوم الحدود الكندية تنخفض تدريجيا وتلامس عجلاتها المدرج الذي تجري فيه حتى تستقر في مطار سياتل الدولي، الذي تصله رحلات عالمية شتى، من بينها التركية والقطرية والإماراتية بانتظام.
بعد طي رحلتنا الحتمية الترفيهية، التي قطعنا خلالها أمريكا طولا وعرضا يطيب لي إسداء الشكر أجزله لكل من عاوننا ويسر أمورنا وغمرنا بالكرم الفياض والهدايا المعبرة التي قدمت لنا، متطلعا أن تجمعنا مجددا المناسبات البهيجة ف ” نتواجب ” في محبة مخلصة خلجاتها، وثيقة عراها.


