الديمقراطية وإعادة هيكلة القوات المسلحة

الديمقراطية وإعادة هيكلة القوات المسلحة
  • 12 مارس 2020
  • لا توجد تعليقات

يوسف السندي

نسمع كثيرا مصطلحات ضرورة إعادة هيكلة القوات المسلحة، وجعلها قوات مسلحة واحدة في الإشارة إلى دمج قوات الدعم السريع إليها ، وكأن الأزمة السودانية تاريخيا ناتجة من وجود مليشيا الدعم السريع التي ظهرت تاريخيا في بداية هذه الألفية.

الأزمة ليست في هيكلة القوات المسلحة ، بل في العقلية العسكرية ، نفس الأزمة موجودة في العقلية المدنية ، العقلية العسكرية والمدنية السودانية تعاني من انخفاض حرج في مستوى الإيمان بالديمقراطية وحقوق الآخرين ، هذا هو السبب المباشر لازماتنا التاريخية والعامل الحاسم في نجاح الانقلابات المتعددة على الأنظمة الديمقراطية .

كان الجيش مهيكلا وموحدا قبل الانقاذ ولم تكن هناك مليشيات ، فهل دفعت هذه الهيكلة الموحدة الجيش للوقوف امام الانقلابات؟، لم تسجل دفاتر التاريخ اي وقوف عسكري ضد انقلاب عبود او نميري او البشير ، إلا في حالات لا تكاد تذكر . نفس الأمر ينطبق على المدنيين ، لم يخرج المدنيون رفضا لأي انقلاب على الديمقراطية ، لا ضد عبود لا النميري لا البشير . الأزمة ليست في الهيكلة، ليست في التدابير الإدارية، وإنما في العقلية نفسها، في الثقافة المجتمعية وفي المعرفة الباطنية . لا مناص من الاعتراف بأن غالبية الشعب عسكر ومدنيين لا يهمهم كيف يحكمهم الحاكم بالسوط او بالاختيار ، لا يؤسفهم سقوط الحكومات الديمقراطية ولا يغضبهم مجيء الشموليات ، هذا الشعور هو الذي ساهم في استقرار الأنظمة العسكرية فترة أطول في البلاد ، هو الذي جعل الديمقراطيات أقل عمرا وأقل احتراما . الحاجة الراهنة أن تعمل ثورة ديسمبر على تغيير هذه العقلية ، على نشر الحوار والتثاقف حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، ترسيخ ثقافة إحترام الحقوق والحريات العامة واختلاف الاخر ، وتبيان ضرورتها لجعل الإنسان انسانا ولتكريم وجوده وتحقيق غاية حياته .

العسكر هم مواطنين سودانيين وليسوا كائنات فضائية ، يتأثرون بالثقافة السودانية ويحملون جينات الآباء والأمهات ، اذا كانت الثقافة المجتمعية مشجعة على حماية الديمقراطية ، تلقائيا سيكونون حماتها والمدافعين عنها ، بينما اذا كانت الثقافة الشعبية أبوية تغلب عليها ثقافة السيطرة والهيمنة فإن العسكر لن يشذوا عن هذه الثقافة ، وسيسعون للهيمنة والسيطرة عبر الانقلابات او غيرها .

هناك ظروف ربما لم تساعد السودانيين على الإيمان بالديمقراطية ، منها ضعف الحكم الديمقراطي ، سطوة القداسة الدينية ، إنتشار القبلية ، تدني مستوى التعليم ، اعتماد التعليم على مناهج تغذي التبعية وثقافة القطيع وتستنكر الاستقلالية الفردية ، مجمل هذه الظروف تجعل من الصعوبة بمكان إعادة من ( شاب ) على عدم الديمقراطية إلى( الكتاب ) ليتعلمها من البداية .

الأجيال الجديدة أكثر قدرة على الاستجابة لثقافة الديمقراطية ، اكثر استيعابا لضرورة الاستقلالية الفردية داخل منظومة الدين والحزب والمجتمع، كونها محتكة بصورة شبه يومية عبر وسائل التواصل بالحضارات الديمقراطية حول العالم يجعلها الهدف الأول للتغيير ، العمل على هذه العجينة الخام ، هو المحدد الاهم لمستقبل الديمقراطية في السودان ، لذلك أدعو إلى العمل إلى تنمية ثقافة خاصة بالأجيال الجديدة على كل المستويات من المهد إلى اللحد ، إنتاج أجيال تتمتع بمستوى معقول من الإيمان بالديمقراطية ، يعني استبدال العقلية العسكرية والمدنية التقليدية بعقليات ترفض الهيمنة ،تمنع الانقلابات ، وتحمي الديمقراطية والحريات .


sondy25@gmail.com

التعليقات مغلقة.