شمّاعة التاجر

شمّاعة التاجر
  • 30 يونيو 2026
  • لا توجد تعليقات

د. الطيب حاج مكي

ما زال السودانيون يذكرون تلك الحملة (الدفتردارية ) التي أطلقها انقلاب البشير في أغسطس 1989، حين وجّه سهامه إلى أصحاب البقالات، وتجار الفحم، والباعة المتجولين، وأصحاب المخابز، تحت لافتة براقة عنوانها: محاربة جشع التجار، وأن الدولة وحدها هي التي ستحدد السعر الذي يصل إلى المستهلك. يومها، حصدت الحملة تصفيق البسطاء الذين أرهقتهم الأسعار، فصدقوا السراب الذي بدا لهم ماءً، ولم يكن المناخ السياسي يسمح بصوتٍ مخالف، ولا برأيٍ يفسر أسباب الغلاء، بل لم يكن يسمح حتى بقولة “بغم”. وهكذا مضت الحملة، لا تحصد سوى أرزاق آلاف من صغار الكسبة، وتسحق صغار الباعة الذين ظلوا في الوجدان السوداني رمزاً لأبسط فئات المجتمع وأشدها كفاحاً، يحملون على ظهورهم عناء المهنة ليعودوا في آخر النهار بقوت يومهم، في تجارة شاقة لا يعرف قسوتها إلا أصحابها. ومرت الأيام كما يقول الفنان، وانكشف الغطاء، فإذا الواقع يقول كلمته التي لا تجامل: لم تكن الأزمة في بائع الفحم، ولا في صاحب البقالة، ولا في الخباز؛ فالاقتصاد لا يحاكم الأشخاص، وإنما يحاكم السياسات. عندها تغيّر السؤال، وأصبح السؤال الصحيح ليس: من رفع الأسعار؟ وإنما: لماذا ارتفعت تكلفة السلعة أصلاً؟ وكما يقول فقهاؤنا: بالمثال يتضح المقال. نأخذ الخبز مثالاً. فإذا ارتفع سعر جوال الدقيق، وارتفع الوقود، وازدادت تكلفة النقل، وارتفعت تعرفة الكهرباء، فمن البدهي أن يرتفع سعر الرغيفة، حتى لو لم يضف صاحب المخبز جنيهاً واحداً إلى هامش ربحه.
ويمكن اختزال هذا الاستنتاج في معادلة اقتصادية بسيطة:
*سعر السلعة = تكلفة إنتاجها + هامش ربح التاجر*.
فإذا ارتفعت تكلفة الإنتاج، ارتفع السعر بالضرورة، لا لأن التاجر تلبّسه الجشع، ولا لأنه دبّر مؤامرة على المستهلك، وإنما لأن الأرقام لا تعرف العواطف، وقوانين الاقتصاد لا تعبأ بالشعارات.
ثم نصل إلى الحلقة الأكثر حساسية في هذه السلسلة: سعر صرف الجنيه السوداني. فكلما فقد الجنيه شيئاً من قيمته أمام الدولار، ارتفعت تكلفة كل شيء تقريباً؛ لأن الوقود والقمح والدواء ومدخلات الإنتاج وقطع الغيار، بل معظم ما تقوم عليه عجلة الاقتصاد، يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالعملة الأجنبية. ولهذا يقرر الاقتصاديون حقيقة بسيطة: إذا ارتفع سعر الدولار، ارتفعت تكلفة الإنتاج، وإذا ارتفعت تكلفة الإنتاج، ارتفعت الأسعار.
وهذا يطرح السؤال الأعمق: لماذا يرتفع الدولار أصلاً؟ إن قانون العرض والطلب لا يحكم السكر والخبز وحدهما، بل يحكم الدولار ايضاً. فإذا تجاوز الطلب على الدولار حجم المعروض منه، ارتفع سعره تلقائياً، تماماً كما يحدث لأي سلعة أخرى. وقد يسأل المستهلك السؤال الأهم: من أين تأتي الدولة بالدولار؟
الإجابة الاقتصادية معروفة؛ فكل دولة طبيعية تعتمد في توفير النقد الأجنبي على ثلاثة روافد رئيسية:
أولاً: حصائل الصادرات.
ثانياً: تحويلات المغتربين.
ثالثاً: التمويل الخارجي من المؤسسات المالية الدولية وصناديق التنمية.

غير أن هذه الروافد الثلاثة في الحالة السودانية أصابها الوهن. فالصادرات السودانية تعيش اليوم واحدة من أصعب مراحلها؛ إذ تقع مساحات واسعة من الإنتاج الزراعي والرعوي في ولايات أنهكتها الحرب، مثل دارفور وكردفان وأجزاء من النيل الأزرق. وحتى المناطق التي نجت من ألسنة النار لم تنجُ من لهيب التكلفة، فقد ارتفعت كلفة الإنتاج والنقل والتأمين، فتراجعت القدرة التنافسية للمنتج السوداني حال توفره في الأسواق العالمية.
أما تحويلات المغتربين، فقد انكمشت، لا لأن المغترب بخل على وطنه، وإنما لأنه يبحث، بطبيعة الحال، عن أفضل سعر يعادل قيمة ما كسبه. وعندما تتسع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، تصبح السوق السوداء  أكثر جذباً، فيخسر الاقتصاد مورداً بالغ الأهمية من العملات الأجنبية.
ويبقى المصدر الثالث: التمويل الخارجي. وهذه ليست مسألة لا تتعلق بالرغبة في الاقتراض، بقدر ما هي انعكاس لواقع اقتصادي وسياسي بالغ التعقيد. فالعقوبات والعزلة المالية، وتعثر العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية، جعلت الحصول على القروض والمنح والتمويل التنموي أمراً بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً. ومع إغلاق هذا الباب، فقدت الدولة واحداً من أهم منافذ دعم احتياطياتها من النقد الأجنبي. ثم جاءت الحرب، فأضافت إلى الطين بلة والى الاقتصاد جرحاً فوق جراحه، إذ أصبحت الموارد المحدودة تتجه إلى تمويل اقتصاد الحرب، بينما يتراجع الإنفاق على الإنتاج والاستثمار والخدمات، فتضعف القدرة على خلق الثروة، وتتسع دائرة الأزمة. ولم يبق من الموارد القادرة على رفد البلاد بالعملات الأجنبية سوى الذهب.
غير أن الذهب نفسه لن يكون طوق النجاة، ما دام جزء معتبر منه يغادر البلاد عبر منافذ التهريب. والحل لا يكمن في مطاردة “الدهابة” وحدها، وإنما في بناء سياسات تجعل البيع عبر القنوات الرسمية أكثر جدوى من التهريب، وذلك بتوفير سعر عادل، وإجراءات ميسرة، وضمانات واضحة للمصدرين، حتى تعود حصائل الذهب إلى بنك السودان، بدلاً من أن تتسرب إلى الأسواق الخارجية بعيداً عن أعين الدولة. ومن هنا يتضح أن الاقتصاد لا يُدار بالشعارات، ولا تستقيم أسواقه بقرارات تحدد الأسعار أو بحملات تلاحق التجار وتؤجج العداء ضد القطاع الخاص. فالسعر ليس بداية الأزمة، وإنما نهايتها؛ فهو الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة تبدأ بالإنتاج، وتمر بسعر الصرف، وتوافر العملات الأجنبية، والسياسات النقدية، والاستقرار الأمني.
ولهذا فإن تحميل بائع الفحم، أو صاحب البقالة، أو الخباز مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، بل وحتى تحميل المضاربين وحدهم مسؤولية انهيار العملة، يشبه تماماً تحميل ميزان الحرارة مسؤولية الحمى. فالميزان لا يصنع المرض، وإنما يكشفه. وهكذا، فإن حديث الأزمة الحالية في جوهره حديث اقتصاد قبل أن يكون حديث سياسة. أما القطاع الخاص، الذي يفترض أن يكون شريكاً في النمو والبناء، فقد أُنهك حتى كاد يفقد أنفاسه، وأُثقل بالقيود والمنافسة غير العادلة حتى بدا كأنه معلق على مشنقة السياسات، ينتظر من يرفع عنه الحبل، لا من يشدّه أكثر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*