القديس صلاح إبراهيم أحمد.. موت كالميلاد

  • 30 مارس 2020
  • لا توجد تعليقات

محمد يوسف وردي

سرق الموت إحدى وردات البلد وانطوت فى القلب حسرة، نقول وداعاً للمفكر المناضل صلاح إبراهيم أحمد، لكنه وداع يكسوه الأسى كونه يترك وطنه الذى سكب من أجله الدموع والعرق والابتسامة، يعانى مثل كتكوت للخروج من القفص الحديدى الذى سجن فيه، ويقاوم رعونة أجياله التى تكرر التاريخ، وتعترف بالإخفاق التاريخى فى آن، يرحل صلاح فى وقت تتطلع فيه شعوب جمهورية السودان للنجوم، بينما يشدها المركز العروبى الاسلامى المختل من أرجلها؛ بغرض تعطيلها لكى تقبل بحكم الجيش او حكم قريش!!

عزاؤنا أن صلاحاً شهد عودة الروح للشعب، ورأى أمام عينيه نظام الإخوان الذى نازله ببسالة يسقط من عَل، ومعه مشروعه الحضارى، وهو الذى كان يصدح بأن تنظيم الإخوان ينتج الدم وحده، ولا يستطيع إنتاج الفكر.

تميز صلاح بقدرة كبيرة لإنتاج الأفكار وترتيبها، والدفع بها فى فضاء السودان الرحب؛ لكى تستفيد منها الجماهير والأطياف السياسية المختلفة، وكان همه الأكبر الذى اشتغل عليه بشجاعة ودأب وصبر وأريحية هو تأسيس وعى سياسى يساعد السودانيين على بناء الأرضية لمشروع سياسي ناجح، وكان يؤمن إيماناً قاطعاً بأن مشاركة أهل السودان بتنوعهم فى التفكير بكثرة من شأنه أن يقهر المستحيل الذي يحقق التغيير الذى يشاؤون.

كان صلاح يمثل صوت العقل الداعى للتغيير فى حزب الأمة، ولا يخالجنى شك في أنه لم يتوان عن محاولة تغيير العقول فى صفوف هذا الحزب العجوز، وربما قال لهم بصراحته المعهودة: لن تتمكنوا من تغيير أى شيء ما لم تغيروا البنية العقلية للحزب… غرس القديس صلاح فسيلته فى ارض حزب المهدى ومضى، تركها أمانة فى يد أبناء السودان فى ذلك الحزب، وستؤتي أكلها يوماً ما حتى لو انتقلوا بها لمنصة اخرى، كونها تشحذ الهمم نحو كيف يفكرون لا ان يفكر لهم الزعيم، ان يفكروا مع الزعيم لا أن يفكروا مثله!

وجود صلاح داخل هذا الحزب اليميني لمدة طويلة يحسب له لا عليه…إذ يكفى ان يقدم تصوراته البديلة لنهج الصحوة، ثم يتلقفها عديد ابناء شعوب السودان الذين يوجدون فى تلك المنصة، وذاك فى نظري يحقق منتهى راحة الضمير؛ لأنه يهز السائد الجامد هزاً ويومىء للمستقبل !!

والشيء بالشيء يذكر، فقد كان البعض الذى لا يدري صلة صلاح بحزب الأمة يفسرون مواقفه باعتباره من جماعة الحزب الشيوعى أو الحركة الشعبية، وذاك هو منتهى الاتساق الفكري والسياسي الذى علمنا إياه صلاح.

وثمة جانب مهم فى شخصية صلاح كان يعجبنى، وهو انه كان يغلف آراءه بسخرية لاذعة ، ذات يوم سالته من هو فلان الذى يقال إنه يسعى لتكوين تنظيم بديل للتجمع الوطنى الديمقراطى، وجاء رده بسرعه بأنه واحد من النقابيين الذين دربهم الحزب الشيوعى السودانى ثم فصلهم، وأن ذلك الشخص يظن أن حزبه طرده لكى يطلع زيت الشعب السوداني.

و تميز صلاح بقدرة عجيبة على تشريح الفشل الذى لازم نخب السودان، وكان يفعل ذلك عبر مثاقفة مبسطة جاذبة عكس الأسلوب الأكاديمي الذى يجلب النعاس.

على المستوى الشخصي، لم يبخل صلاح علي بنصائحه، لكنه كان يركز على شيء واحد.. بحسم كان يقول لى : لكى تعمل فى الصحافة يجب الا تفرط فى ذاكرتك؛ لأنها سلاحك الأول !!رحمه الله ، وعوض الوطن خيراً برجال مثله.


التعليقات مغلقة.