“التحرير” تنشر كتاب”موعد في القاهرة” ( الحلقة 2) 

مشاهداتي في “كوبر”.. وإعدام محمود محمد طه وممارسات “الإسلاميين الانقلابيين”

  • 03 يوليو 2017
  • لا توجد تعليقات

 بين الصحافة والسياسة

قبيل انهيار نظام جعفر نميري حفلت الساحة السودانية بكثير من التطورات والأحداث  كانت البلاد يومها تمر بمشاهد درامية سياسية، لم يكن أحد يتصورها من قبل فقد كانت القرارات والتحولات التي أثقل  بها الرئيس نميري كاهل الشعب السوداني مصدرا جاذبا للصحافيين الذين كانوا  يتوافدون على السودان، لتغية بعضا من تلك الأحداث والتطورات ، وكانوا ينتهزون فرصة وجودهم في الخرطوم لإجراء لقاءات وحوارات مع رموز وقادة المعارضة متى تيسر لهم ذلك ليحصلوا منهم على كم من المعلومات والحقائق  المخبوءة حول ما يجري في البلاد   رغم الحواجز الأمنية  المباشرة وغير المباشرة  التي تحيط بها أجهزة الأمن المشهد .

وقد عبر الكاتب الصحافي الأستاذ عرفان نظام الدين رئيس تحرير صحيفة الشرق الأوسط في تلك الفترة في كتابه (حوارات القمة) عن تلك الدراما المايوية من خلال حواراته مع الرئيس جعفر نميري أبرز من خلالها العديد من المفارقات السياسية والسلوك السياسي الذي كان ينتهجه الرئيس نميري في إدارة شؤون البلاد والعباد.

في بواكير مرحلة الشباب تلك تيسر لي  العديد من الصلات والعلاقات  العابرة مع عدد من الصحافيين والزائرين من العرب والأجانب من زوار الخرطوم  من هؤلاء الأساتذة فؤاد مطر الذي كان رئيسا لتحرير مجلة المستقبل المتميزة ثم التضامن من بعد ، وكان مطر يتميز بعلاقات وثيقة مع  عدد من السياسيين وله اهتمامات بالشأن السوداني حيث أجرى خلال عمله الصحفي العديد من الموضوعات والحوارات والتحقيقات حول السودان وقادته من خلال مجلتي التضامن والمستقبل وعبر صفحات صحيفة  الشرق الوسط وتربطه علاقات وثيقة برموز المعارضة وابرزهم السيد الصادق المهدي .

الأستاذ فؤاد مطر

ومن حسن الطالع أن هذه العلاقة تجددت مرة اخرى خلال فترة عملى  في  صحيفة الشرق الوسط في مقرها وسط لندن بعد منتصف التسعينات حين قدمني له  الأخ الاستاذ عثمان ميرغني نائب رئيس تحرير الشرق الأوسط في تلك الفترة فكنت أتردد عليه في مكتبه في ذات الصحيفة وكان احيانا يستوضحني حول بعض المعلومات الخاصة بالسودان  كلما هم بكتابة مقال ويحاورني حول تطورات الوضع في السودان على سبيل انعاش ذاكرته سودانيا حين تختلط عليه أحيانا بعض المعلومات والاسماء  وقد عرفني بدوره بالاستاذ الباحث والكاتب الصحفي الإيراني الأصل أمير طاهري في ذات الصحيفة وهو مختص بالشؤون الإيرانية والعربية وهو من الكتاب المرموقين والمحللين الكبار على مستوى الصحافة الدولية بريطاني من أصول إيرانية تقيم اسرته في باريس ويتنقل بين لندن وباريس كل نهاية أسبوع بحكم عمله في الصحيفة ويعتبر من أهم الكتاب الاستراتيجيين على المستوى البحثى حول قضايا  الشرق الوسط .

وكان  أيضا من بين الزوار الصحافية اللبنانية عفاف زين المحررة بمجلة المستقبل ثم الحوادث ونورا فاخوري المحررة بمجلة المجلة وهدي الحسيني بالشرق الأوسط.

وهؤلاء التقيتهم جميعا فيما بعد في لندن عندما عملت بينهم  بمقر صحيفة الشرق الأوسط   قبل عودتي مجددا إلى القاهرة .

وتجددت جلساتنا أيضا في لندن مع عفاف زين برفقة الصديق الدبلوماسي الحارث إدريس الحارث وهو اديب وكاتب ومؤلف وباحث له لغة خاصة في مجادلة حيثيات الحياة لايشق له غبار وقد كان صديقا مقربا لعفاف زين وذلك مواصلة لجلسات كانت في الخرطوم جمعتنا بها في  زياراتها السابقة.

وإذا كان هذا اهتمام الصحافيين اللبنانين بالسودان فإن الصحافة المصرية وروادها لم يكونوا بعيدين عن تلك الأحداث فقد كان يفد إلى الخرطوم حينها كوكبة من الصحافيين منهم الأساتذة يوسف الشريف الكاتب بمجلة روز اليوسف، والذي تعلمت منه الكثير وعملت معه فيما بعد لفترة طويلة كمحرر للشؤون السودانية بصحيفة الشرق القطرية التي كان يدير مكتبها في القاهرة الكائن بعمارة ملاكو بالجيزة شارع مراد مطلع التسعينات ، والأستاذة أمينة النقاش المحررة في الشأن السوداني بصحيفة الأهالي المصرية المعارضة والتي أشرفت على تحرير  صفحة بعنوان أهالي السودان وشقيقتها فريدة النقاس محررة مجلة المرأة التي يصدرها حزب التجمع الوحدوي المصري وعدد كبير من الصحافيين والمراسلين المقيمين في الخرطوم والمتوافدين عليها من العواصم المجاورة .

السفير أريك رولو

ومن الشخصيات الصحفية الغربية المؤثرة  التي كانت تتردد على الخرطوم في تلك الفترة أيضا السفير أريك رولو وهو كاتب صحفي فرنسي الجنسية أصبح فيما بعد سفيرا لفرنسا في تونس و أريك رولو مفكر ومهتم بشؤؤن الحضارات وصاحب اهتمامات بالشأن العربي من خلال مجهوداته في الساحة الأوربية ، والمراسل الصحفي سايمون انغرم مراسل إذاعة البي بي سي الشهير والذي تشاء الصدف أن أكتشف في واشنطن عن طريق الصدفة المحضة أن زميلتي وصديقتي الصحفية المصرية مديحة سالم هي زوجتة ولها منه أولاد وبنات خلال لقاءاتنا في رحاب اتحاد الصحفيين العرب في واشنطن في اعقاب احداث سبتمبر2011.

ومديحة سالم إلى جانب كونها صحفية فهي ناشطة وتعمل في مجال الإنتاج التلفزيوني وقد اشتركنا في الورش الإعلامية التي اقامتها منظمة كير في واشنطن وفي العديد من المناشط  واصبحت لنا لقاءات في مناشط عربية كثيرة في واشنطن وقد اتخذ سايمون انغرم من ولاية ميرلاند مستقرا لاسرته رغم تنقله بعد انضمامه لأذاعة صوت اميركا كمحرر للشؤون الأفريقية في القسم العالمي .

دبلوماسيون وناشطون

واحتضنت الخرطوم ايضا في تلك الفترة العديد من الدبلوماسيين والناشطين في مؤسسات إقليمية ودولية  مختلفة كان من أبرزهم  المفكر والناشط الإسلامي المرحوم سالم عزام الذي كان مسئولا عن المجلس الإسلامي الأوربي بين لندن وجنيف وقد كان صديقا مقربا للسيدين الصادق المهدي وحسن الترابي بحكم عضويتها في المجلس الإسلامي وقد شهدت فترته أهم الانجازات للمجلس الاسلامي كان من أهمها  صياغة مشروع الدستور الإسلامي  الذي يوازن بين خصوصيات المسلم المعاصر واحتياجاته العصرية في دولة مدنية وهو مشروع اجتهد فيه نخبة من العلماء المسلمين ، وأيضا إعداد وثيقة حقوق الإنسان المسلم فضلا عن دوره من خلال دار المال الإسلامي في جنيف في دعم الكثير من المشروعات الاقتصادية والإنسانية في بلدان العالم الإسلامي .

في الجانب السياسي كانت تستقبل الخرطوم مجموعة من  الساسة والمفكرين المصريين من المهتمين  بالعلاقات المشتركة  من أبرزهم الأساتذة أحمد مجاهد من حزب العمل وأحمد طه من حزب التجمع ومصطفي مراد من حزب الأحرار و فتحي رضوان و الصحافي محمود مراد والمهندس إبراهيم شكري وعادل حسين وسعد الدين إبراهيم ، وغيرهم من الناشطين في مؤسسات المجتمع المدني منهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر .

كان لذلك الزخم والاحتكاك المباشر بهذه النخبة من المثقفين أثره الإيجابي في تعزيز الوعي  لدينا كشباب في تلك الفترة المبكرة من العمر بأهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه مهنة الصحافة تحديدا في دعم  مطلب  الحريات الأساسية ومطالب التحول الديمقراطي لاسيما في تلك الظروف التي كان فيها التعتيم الإعلامي وحجب الحقائق وتزوير الواقع سمة أساسية من سمات النظام الحاكم  وهو ما حببنا   في الولوج  إلى مهنة الصحافة سيما وأن الصحافة والسياسية كانتا ولا تزالان وجهان لعملة واحدة كما يقول الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل .

انقلاب نميري على اتفاق المصالحة

في سبتمبر عام  1982 انقلب الرئيس نميري علي  اتفاق  المصالحة الوطنية بينه والجبهة الوطنية وهو الميثاق الذي وقع عام 1977-1978  و كرد فعل لذلك الخلاف بين نميري والسيد الصادق المهدي اثر تأييد نميري لاتفاق كامب ديفيد  قدم السيد الصادق المهدي استقالة مسببة من المكتب السياسي للتنظيم السياسي للحزب الحاكم  عائدا الى موقعه المعارض بعد فترة قصيرة جدا وفي اول اختبار لمصداقية النظام المايوي بينما آثر الترابي البقاء إلى جانب نميري  .

ويؤكد العديد من قادة ورموز الحركة الاسلامية ذات المرجعية الاخوانية وعلى رأسهم د حسن الترابي ان قرارهم بالبقاء في كنف النظام المايوي كان براغماتيا يهدف الى التمكين لأنفسهم وبناء قواعدهم التنظيمية ومؤسساتهم الاقتصادية استعدادا لمرحلة قادمة للانقضاض على السلطة وبسط نفوذهم على البلاد والعباد وهو ماحدث بالفعل بعد انقلابهم على الديمقراطية في عام تسعة وثمانين وهو الانقلاب الذي كان ثمرة موالتهم لنميري .

وهنا تجدر الإشارة أن النظام المايوي الذي حكم البلاد شموليا وبقبضة الحزب الواحد ستة عشر عاما ورثّ جماعة الإسلاميين جرثومة الديكتاتورية الانقلابية وذلك بمنحهم فرصة الاستقواء التنظيمي والمالي في كنفه  حتى اصبحوا جزءا اصيلا من النظام ثم ضاق بهم زرعا في أواخر أيامه ليمنحهم فرصة أخرى باعتقال قياداتهم ثم تهيأت لهم الأسباب مجددا للالتحاق بانتفاضة أبريل ليكونوا جزءا من النظام الديمقراطي الذي مالبثوا أيضا ان ضاقوا به زرعا ليستعجلوا انقلابهم عليه استكمالا لمخططهم الذي ادخل البلاد في نفق مظلم لأكثر من ربع قرن.

وعودة إلى تلك الفترة التي تحالف فيها جماعة الترابي مع نظام مايو في مواجهة المعارضين حيث زينت جماعة الإسلاميين لنميري تبنى مشروع ماسمي بقوانين سبتمبر وهي الفكرة التي رأى فيها نميري مصدرا جديدا لمشروعية حكمه في مواجهة التدهور الاقتصادي والمجاعات من ناحية وتبرير عمليات قمع المعارضين بقوانين عقابية باسم تطبيق الشريعة  تصور معارضيه كخارجين على الإسلام من ناحية أخرى .

لذا قام نميري بدعم من الاتجاه الإسلامي بقيادة الترابي ومجموعات من المتشددين والمهوسين من منسوبي بعض الطرق الصوفية وحفنة من علماء السلطان بإعلان ما سمي بقوانين سبتمبر أو قوانين الشريعة لاستخدامها ضد المعارضين  والخصوم السياسيين والتي كان الإخوان يعتقدون انها ستوفر لهم مظلة لتمرير مخططهم التنظيمي،  في الحشد الشعبي وبناء تنظيماتهم الفئوية واستغلال موارد الدولة لاهدافهم االحزبية غير أن تلك القوانين  جوبهت بمعارضة قوية من الأحزاب والجماعات ومنظمات المجتمع المدني وتبنى حزب الأمة معارضة قوية لتلك القوانين وكرد فعل من قبل النظام لتلك المعارضة العلنية للقوانين وبتحريض من الدوائر المتشددة في الاتجاه الإسلامي قامت أجهزة الأمن بحملة اعتقالات واسعة استهدفت قطاعات الناشطين من مختلف ألوان الطيف السياسي وفي مقدمتها حملة شملت قيادات وكوادر من حزب الأمة علي رأسهم السيد الصادق المهدي وعدد من معاونيه وتم إيداعهم سجن كوبر الشهير لما يقارب العامين  حتى افرج عنهم قبيل انتفاضة ابريل الشعبية بمدة قليلة  .

حملتني أقداري أن أكون ضمن آخر مجموعة تم اعتقالها في تلك الحملة الأمنية من منزلنا بودنوباوي حيث تم إيداعي سجن كوبر بعد أكثر من أسبوع قضيتة في محبس لجهاز الأمن في شارع البلدية في الخرطوم لعشرة ايام قبل نقلي مع عدد من المعتقلين الى سجن كوبر الشهير .

كانت فترة السجن في شبابنا الغض المتحمس فترة غنية بتعارفها بين الذين حملتهم الأيام أيضا للولوج من بين تلك الأبواب العالية الصدئة هناك تعرفت علي نخبة من القيادات السياسية والعسكرية والشخصيات السودانية النادرة عن قرب منهم الراحل الأستاذ التجاني الطيب بابكر أمين سر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني وهو سياسي وقيادي زاهد قضي جل حياته بين السجون والمعتقلات غير مساوم في مواجهة الدكتاتورية ومدافعا في وطنية خالصة عن حريات الناس ومطالبهم الأساسية وقد تواصلت علاقتي معه خارج المعتقل حيث تصادف وجود مقر صحيفة الأمة  في “الخرطوم 2” التي عملت بها بعد ذلك ملاصقا لمقر صحيفة الميدان التي يصدرها الحزب الشيوعي والتي كان يرأس تحريرها الأستاذ التجاني الطيب بابكر نفسه .

كان ذلك المقر بمثابة دار للحزب يتردد عليه عدد من قادة الحزب الشيوعي علي رأسهم السكرتير العام الأستاذ محمد إبراهيم نقد الذي كان يحرص علي تناول قهوة الصباح بصحبتنا في مقر صحيفة الأمة الملاصق . لحظات غنية  تلك التي كنا نقضيها في صحبته وهو يحدثنا عن حكايات وتجارب وتأملات وبعضا من إجابات علي تساؤلاتنا .

سجن كوبر

سجن كوبر  يعرّفه أهل السودان بأنه جامعة سياسية لذا شكل السجن في تلك الأيام مؤتمرا سياسيا مستمرا أعان كثير من السياسيين الذين لم يكن يتسنى لهم الاجتماع والتشاور خارج السجن على اللقاء والتشاور كما أتاح الفرصة لمزيد من الحوار والتعارف وتتضيق المسافات السياسية والإيديولوجية بين السياسيين .

في قسم يسمى قسم السرايا وهو عبارة عن طابقين عتيقين بناهما الإنكليز التقيت لأول مرة بالأستاذ الصحفي سيد أحمد خليفة والذي قضيت معه أوقاتا جميلة داخل ذلك القسم مليئة بالنوادر والحكايات والسخرية من الحكام حكايات برع خليفة في تصويرها خاصة قصة اعتقاله من مطار الخرطوم وهو قادم من جدة وإلى سجن كوبر والتي اتهم فيها احد أصدقائه من الكوادر القيادية من الإسلاميين باستدراجه لاعتقاله في الخرطوم وكان اول لقاءاتنا عندما تم اعتقاله من مطار الخرطوم وايداعه نفس الزنزانة التي كنا نوضع فيها في مباني جهاز الأمن قرب المطار .وقد كتب خليفة كتابا بعد ذلك تحت عنوان  من جدة إلى كوبر يحكي فيه قصة اعتقاله .

صورة تجمع بيني والسيد الصادق المهدي والسيد ادريس البنا وعبدالله محمود نصر في معتقل سجن كوبر.

بعد شهرين امضيتهما فس قسم السرايا مع الصحفي الاستاذ سيداحمد خليفة ومئات المعتقلين من شتى الملل والنحل في قسم السرايا تم تحويلي إلى قسم يسمى قسم المعاملة قبل ان يلحق بي خليفة وكان ذلك القسم يضم قيادات من حزب الأمة ومن بينهم السيد الصادق المهدي بعد اعتقالهم . وهو قسم تفتح ابوابه على أقسام مجاورة  قسم (ب)   أودعت فيه مجموعة اللجان الثورية التي تتبع لليبيا في تلك الأيام وكان من بينهم الأخ الاستاذ محمد محمد خير و قسم (أ) الذي اودع فيه نفر من جماعة الإخوان الجمهوريين  وعلى رأسهم سعيد شايب وعدد من قيادات الجمهوريين وقسم (ج)الذي اودع فيه مجموعة من معتقلين ومسجونين وضباط في القوات المسلحة اتهموا بمحاولات انقلاب ضد نظام نميري وآخرين أودعوا في أقسام أخرى  أذكر منهم العقيد محجوب سيد أحمد من سلاح المدرعات والرائد شمس الدين من المظلات وعدد من الإخوة الجنوبيين كان من ابرزهم السياسي المخضرم بيل ليل وآخرين ظلوا علي علاقة أخوية بنا حتي بعد خروجنا لفترة طويلة.

كانت إدارة السجن برئاسة العميد محمد سعيد قد تعمدت وضع كل طيف سياسي أو مجموعة في قسم معين حتى تضمن نوعا من الانسجام والأمن داخل السجن حيث تتولى كل مجموعة إدارة شؤونها بالتعاون مع إدارة السجن وهي سياسة أفادت منها المجموعات المعارضة بدرجة كبيرة في تدبر أمورها.

سجن كوبر.. اكاديمية الساسة

داخل قسم المعاملة تشكلت حياة جديدة أبطالها شخصيات من نوع نادر لم أكن أتوقع ان تجمعني بهم أسوار السجن  فقد كنت من مجموعة أصغر المعتقلين سنا في تلك الفترة حيث كان من حسن حظي أن التقيت عن قرب بأساتذة من جيل الاستقلال  وآخرين كبار ممن لهم باع في السياسة ، منهم الأستاذ  القاضي والمحامي عبد الرحمن النور، وعوض صالح محمد وعثمان جاد الله وهو رجل متدين ووقور ويمتاز بروح عالية من الدعابة رغم انه يمثل رؤية إسلامية فكرية متشددة بعض الشيء تتناقض في كثير من جوانبها مع رؤية الصادق المهدي الذي يجتهد ليكون الأكثر مرونة واجتهادا في قضايا الفكر الاسلامي المعاصرة فضلا عن عدد من شيوخ حزب الأمة وشبابه وهم السادة   عبد اللطيف صالح , عبد الوهاب غاندي , , إدريس البنا , عبد الله محمد أحمد ,  خالد محمد إبراهيم  ، عبد الله محمود نصر , صلاح عبد السلام الخليفة , ميرغني ضيف الله , خالد محمد إبراهيم , مبارك الفاضل المهدي , نصر الدين الهادي المهدي الدكتور عمر نور الدائم ,  بالإضافة الي أثنين من قيادات الحركة الطلابية آنذاك وهما الفاضل آدم إسماعيل وإسماعيل بلول واللذان تم إطلاق سراحهما بعد شهرين من حملة الاعتقالات تلك بينما بقينا نحن لعامين داخل اسوار كوبر .

كان برنامجنا الذي اتفقنا عليه بشكل شبه مستقر داخل السجن طوال العامين يتلخص في اقامة صلوات الجماعة وتلاوة القرآن وختمه أسبوعيا  كل على قدر طاقته ويشمل الرياضة الصباحية وتتمثل في لعب كرة القدم حيث تنقسم المجموعة باستثناء الشيوخ الكبار إلى فريقين يتنافسان وبعد موافقة إدارة السجن سمح لبعض المحكومين في قضايا جنائية باللعب معنا كمنافسين لنا ممن كانوا يترددون علينا بحكم جوارهم لنا في زنازين الانتظار . ويشمل البرنامج فترات الراحة والطعام والمناقشات الفكرية خاصة حول بعض المؤلفات التي كان يعكف على اعدادها السيد الصادق المهدي في تلك الفترة ويطرح فصول منها للنقاش  وكان من  أهمها كتاب العقوبات الشرعية في النظام الاجتماعي الإسلامي وهو الكتاب الذي جاء ردا على ماعرف بقوانين سبتمبر والتي حملتنا معارضتها إلى السجن لعامين. أيضا كان كتيب المرأة وحقوقها في الإسلام من الرؤى الهامة التي خضعت لنقاش وجدل كبير بين المعتقلين ممن يحملون رؤى محافظة أو رؤى أكثر ليبرالية من بينهم عثمان جاد الله الأكثر أصولية وطه ابراهيم المحامي الأكثر علمانية والتجاني الطيب  وعمر نور الدائم  اللذان كانا يختتمان تلك المجادلات الفكرية  بارتشاف بضعة فناجين من البن المحوج الذي كان الطيب يحمله معه في علبة مربة تحت شجرة الليمون الشهيرة وسط القسم كلما سمحت ظروف السجن بتلك اللقاءات   .

في تلك الفترة إمتلأ السجن بضحايا  محاكم العدالة  الناجزة  كما سميت ممن حكمت محاكم سبتمبر بقطع أيديهم أو أرجلهم من خلاف في جرائم السرقات أو القتل التي لم تتوفر لها أدلة قطعية كافية وفق مقتضيات الشرع والتي كانت مثار انتقادات واسعة لعدم عدالتها بل وتشويهها لصورة الشريعة التي تطبق باسمها وهي الأحكام التي رغب النظام الحاكم في تخويف معارضيه بها خاصة في استخدامه لها لاسيما توظيفها في إصدار حكم بإعدام الأستاذ محمود محمد طه وفقا للملابسات والظروف التي أحاطت بتلك القضية حيث كنا لا نزال في سجن كوبر  حين تم تنفيذ ذلك الحكم  الظالم في ساحة السجن  بعد مسرحية سخيفة من بعض القضاة الدجالين الذين أساءوا للقضاء وللشريعة الإسلامية وبمساندة الإسلاميين من جماعة الترابي الذين كانوا على خصومة كبيرة مع الجمهوريين كل ذلك  إرضاء لنزواتهم و للحاكم الذي تم ايهامه بأنه امام المسلمين وبايعه على ذلك قيادات الإسلاميين تبعا له في المنشط والمكره .

كانت النهاية درامية سوداء حين كنا من بين الاسوار نرقب اعداد وتهيئة المسرح وبناء المقصلة الشهيرة داخل السجن لاعدام الأستاذ محمود محمد طه الذي كان حدثا مؤلما وحزنا قوميا طغى على كل حواجز الخلاف السياسي والفكري .

أمابقية المحكومين والمنتظرين من ضحايا قوانين سبتمبر أذكر ان  القاضي والمحامي  عبد الرحمن النور   قد أنشا مكتبا في أحد أركان حجرة الاعتقال لدراسة حالات المئات من المحكومين والمنتظرين وفقا لقوانين سبتمبر  بالتعاون مع عدد من المحامين المتطوعين من تلامذته داخل وخارج أسوار السجن وبعض ضباط السجن الوطنيين للمساعدة في درء تطبيق تلك الأحكام القاسية وغير العادلة من قبل المحاكم الإيجازية التي شكلها النظام من قضاة وقانونيين موالين للنظام غير آبهين لتطبيق قيم العدالة بالمقاييس والشروط الشرعية الواجبة . وقد أسهمت تلك الجهود في تخفيف بعض الأحكام أو تأجيلها أو إلغائها حتى سقوط النظام في ابريل 85.

اللقاء مع الأستاذ محمود محمد طه

وعودة إلى  عالم الأستاذ محمود  محمد طه ، فقد سبق أن هيأت لي الأيام وأنا في بدايات مرحلة  الدراسة الجامعية أن التقى الأستاذ محمود محمد طه في منزله الشهير بالحارة الأولى بمدينة الثورة  شمال ام درمان وقد كان بعض تلامذته رفاق دراسة وأصدقاء  ورغم ما يؤخذ على الجمهوريين من تحالفهم مع نميري وتحريضهم له على خصومهم السياسيين إلا ان شخصية الأستاذ محمود  كقائد لتلك المجموعة تميزت بخصوصية طبعت معظم فترات سيرته الذاتية منذ  بدأ تعليمه في الخلوة ومرورا بفترة حياته الدراسية في  “كلية غردون” قسم المهندسين – ثم حياته العملية ومشاركاته في  الحياة الأدبية والسياسية و مقالاته فى الصحف آنذاك  ضد الإدارة البريطانية وأحزاب مؤتمر الخريجين .

ومن أهم الانتقادات التي وجهت إلى الحركة الجمهورية بزعامة محمود أنهم أيدوا النظام المايوى واتخذوه وسيلة لتصفية خصومهم السياسيين في الأحزاب الوطنية التي يصفونها ويصنفونها بالطائفية . كما استغلوا مهادنة النظام في بناء حركتهم ونشر فكرتهم إلى حين قبل ان ينقلب عليهم نميري وذلك بنفس الأسلوب الذي انتهجه الإخوان من عناصر الجبهة القومية الاسلامية واصبح الجماعتان في حالة ضرار سياسي في بيت طاعة الرئيس نميري حتى تمكنت الجبهة القومية من اقصاء منافستها واقتياد شيخها إلى حبل المشنقة قبل ان تدور عليها الدائرة .

أعتقل الاستاذ  محمود محمد طه في عام 83 بعد تغلغل جماعة الترابي في النظام المايوي و معه عدد من أعوانه  حيث انتهز خصومه  صدور كتابه “الهوس الدينى” الذي أدان فيه ما وصفه بتجاوزات اللواء عمر محمد الطيب ، النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس جهاز الأمن وهو ما اعتبر تجاوزا للخطوط الحمراء ، واتهام الطيب بتحويل مسجده بؤرة للهوس الديني والفتنة الدينية والتحرش بالجمهوريين.

ثم اعتقل مرة ثانية وأربعة من تلاميذه. وقدموا لمحاكمة يوم 7 يناير 1985  وصدر الحكم بالإعدام ضده وضد الجمهوريين الأربعة بتهمة إثارة الكراهية ضد الدولة من محكمة القاضي المهلاوي ثم  حولت إلى محكمة القاضي المكاشفي ليضيف إليها تهمة الردة و أيد نميري حكم  الإعدام الذي  نفذ صباح الجمعة 18 يناير1985 م أي قبل ثلاثة أشهر من الانتفاضة تقريبا ، وسط حشد كبير فى ميدان سجن كوبر . تم تنفيذ الحكم في مشهد مأساوى وحمل جسده  بطائرة عمودية إلي مكان لا يزال مجهولا .

لم تنس محكمة القاضي المكاشفي  مصادرة منزل الأستاذ محمود في الحارة الأولى بمدينة المهدية وهو المنزل الذي كان لقائي فيه بالاستاذ لأول وآخر مرة . كان منزلا متواضعا  كمعظم منازل مدينة ام درمان القديمة يجوس بداخله عدد من الشبان والشابات بملابسهم البيضاء . قدمت يومها إلي زيارته مع الأستاذ على لطفي وهو احد أتباع الأستاذ محمود ومن خاصته المقربين .

كنا يومها قادمين من  رحلة لمدينة كوستي  أنا والأستاذ  لطفي أحد تلاميذ الأستاذ محمود المقربين وبعد وصولنا أم درمان طلب منى ان نزور الأستاذ محمود قبل ان يوصلني المنزل ، كان يحمل معه نصف جوال من الليمون الأخضر وهو الشراب المفضل للأستاذ وتلاميذه .

دخلنا عليه عصر ذلك اليوم وهو بين تلاميذه ومريديه. كانت تربطني ببعض تلاميذ وتلميذات الأستاذ من الطلاب علاقة صداقة وزمالة دراسية في الجامعة حيث تفاجأوا بوجودي وسارعوا إلى الترحيب بي وتقديمي إلي الأستاذ الذي أجلسني إلي جانبه ، وبدأ الآستاذ ودودا ابويا يحدثني عن ذكرياته عندما كان يعمل كمهندس في بداية حياته العملية بتخطيط عدد من مشاريع النيل البيض  ومنطقة كوستي التي قدمنا منها وتعرض بلطف إلى الأوضاع السياسية آنذاك  .

تحدث عن علاقاته بالأحزاب السودانية وعلاقته بحزب الأمة رغم خلافه المبكر بقدر من الاحترام والتقدير كان لطيفا في تناوله وودودا في مجالسته .استمرت جلستنا ما يقارب الساعة وعندما هممت بالانصراف طلب مني حضور جلسة ذكر وإنشاد ، أنشد فيه أتباعه إنشادا صوفيا بأنغام عذبة ومتسقة لمشايخ الصوفية القدامى وهم يتمايلون في استغراق صوفي كان هو يتمايل بلباسه السوداني التقليدي الأبيض إلى جانبه زوجته مع قصائد لابن العربي والسهروردي ، وهو  يبدو وسط أتباعه اشبه بالدايالاما وثوبه الأبيض معلق على كتفيه على طريقة شيوخ العرب في البادية السودانية.

بعد إعدام محمود  قبيل الانتفاضة شهدت جماعة الجمهوريين المعتقلين في السجن ظروفا نفسية صعبة انتهت باستتابة بقية الجمهوريين المحكومين  ثم خروجهم من السجن لتمر الحركة وعضويتها داخل السودان وخارجه بفترة استكانة طويلة قبل أن تعبر عن نفسها من جديد في شكل مجموعات  ومدارس  واجتهادات لبعض تلاميذ الأستاذ في دول المهجر متباينة في تفسيراتها ومقاصدها وطموحاتها.

رياح الانتفاضة    

بعد مضي عامين على الاعتقال  تقريبا جاءنا ذات صباح مدير عام السجن آنذاك العميد محمد سعيد وكنا حينها نمارس لعبة كرة القدم  في احد ميادين السجن ليبلغنا انه تلقى إخطارا من جهاز الأمن بإطلاق سراحنا  جميعا وأن هناك مجموعة سيارات خارج السجن في انتظار المفرج عنهم لتقلهم إلى منازلهم وعلينا أن نحزم حقائبنا وحاجياتنا للمغادرة  خلال ساعة غير أنه قال إن هناك مندوب من النائب الأول الفريق عمر محمد الطيب سيصطحب البعض منا إلي القصر الجمهوري لمقابله الرئيس نميري وكان الأشخاص المعنيون هم السادة عبد اللطيف صالح إدريس البنا عبد الوهاب غاندي عبد الله محمود نصر  وشخصي .

انصرف الآخرون إلى منازلهم بينما حملتنا نحن سيارة خاصة إلى مكتب النائب الأول الفريق عمر محمد الطيب رئيس جهاز أمن الدولة في مكتبه الملاصق لمكتب الرئيس في القصر الجمهوري استقبلنا  النائب الأول بترحاب وكأنه لم يكن موافقا على ما جري من اعتقالات أو مقتنعا بما يجري من تطورات وقال لنا إن الرئيس نميري قد حرص علي مقابلتكم باعتباركم من أهله وجيرانه من حي ودنوباوي وطلب مني ان أحمل إليكم تحياته ورغبته في أن لا تسألوه عن سبب الاعتقال أو عن سبب الإفراج وان مكتبه سيكون مفتوحا لأي احد لتقديم اي خدمة او عون .

الفريق عمر محمد الطيب

وبدأ النائب الأول يتحدث عن قيم السودانيين وتسامحهم وأختفي  فترة  ليأتي لإبلاغنا بأن هناك تطور مفاجئ قد حال دون لقاء الرئيس لنا بسبب استقباله لمبعوث اميركي في تلك اللحظة وحمدنا الله علي ذلك مستأذنين في الانصراف وكلنا شوق للقاء الأهل والأصدقاء  .

رغم ما وصف بالممارسات والتجاوزات التي أرتكبها جهاز أمن الدولة في حق العديد من المواطنين كطبيعة النظم القهرية والشمولية إلا أن حالة التصوف التي اتسم بها الفريق عمر محمد الطيب وسيرته الحميدة بين الناس  حجبت بعض الإيذاء وربما كان لماقيل عن دوره الخفي في  تعطيل بعض القرارات التي صممت لتستهدف بعض المعارضين من معتقلين او ملاحقين  من خلال موقعه كرئيس لجهاز الأمن قد  خفف الكثير من المعاناة وهي حقيقة ربما لا يعلمها عدد كبير حيث قيل إنه  كان يحاول المساعدة وأحيانا في  إنذار البعض وكشف ما يحاك ضدهم  من مؤامرات أمنية لا يملك إبعادها  عنهم وما ينصب لهم من شباك وكان لتربيته الصوفية دور في تعزيز بعض مظاهر السلوك التسامحي في علاقاته بالمعارضين خفية وبعيدا عن أعين الأمن الذي يقوده ويخشي من تآمره عليه

في حوار مع الدكتور عمر نور الدائم  الأمين العام لحزب الأمة حدثني كيف ان علاقته قد تعمقت  بالفريق عمر الطيب عبر مراحل عديدة في ظل الصراع ضد نظام نميري ولم يبخل الفريق عمر الطيب من خلال موقعه في تنوير بعض المعارضين بالمعلومات التي خففت الكثير من الخسائر في تلك المراحل المعقدة وقد حفظ الدكتور الراحل عمر نور الدائم خصوصية تلك العلاقة بعد سقوط نظام نميري وهي الخصوصية التي حفظت للطيب حقه في المعاملة الكريمة والودودة كغيره من أركان النظام وقد اصطحبني د عمر نور الدائم ذات مساء عندما كان وزيرا للمالية في الحكومة الديمقراطية الأولى عقب الانتخابات لزيارة  الفريق عمر الطيب الذي كان معتقلا  بوصفه رئيس جهاز الأمن في النظام المطاح به بمستشفي السلاح الطبي  كنوع من رد الجميل له ومؤانسته لساعات طوال حتي تم إطلاق سراحه فيما بعد.

تباشير الديمقراطية الثالثة

ما أن سقط نظام مايو في انتفاضة أبريل الشعبية الشهيرة  1985 حتى استشرفت البلاد مرحلة جديدة من الحرية فامتلأت الساحة تزامنا مع الحراك السياسي والثقافي والمدني بألوان من الصحف والمطبوعات حتى تجاوزت الستين مطبوعة يومية .

بدورها اتجهت القوي والأحزاب السياسية لترتيب أوضاعها في الفترة الانتقالية وفي هذا الإطار كلف السيد الصادق المهدي الأستاذ سيد أحمد خليفة الذي توثقت علاقته بقيادات حزب الامة ممن كانوا معه في سجن كوبر وفي مقدمتهم السادة الصادق المهدي والدكتور عمر نور الدائم ومبارك المهدي والعديد من الإخوة في سجن كوبر قبيل الانتفاضة الشعبية ، وتأكيدا لهذه الثقة وكصحافي له تاريخه المهني وخبرته كلف إعادة إصدار صحيفة الأمة التي توقفت لأكثر من ستة عشر عاما هي عمر نظام جعفر نميري.

وصحيفة الأمة تعتبر من أول وأعرق الصحف السودانية التي أنشئت في مرحلة  الاستقلال ضمن منظومة دار الصحف الاستقلالية التي كانت شاهدا علي العصر الذهبي للصحافة السودانية.

وصحيفة الأمة كانت إحدى مطبوعات دار الصحف الاستقلالية التي سبقت الاستقلال وقد  مثلت دار الصحف الاستقلالية في تلك الفترة منصة انطلاق للحركة الصحفية والثقافية  في البلاد حيث كانت تنتج عدة مطبوعات وصحف أهمها صحيفة النيل التي أسسها وترأس تحريرها رائد الصحافة السودانية الأستاذ زين العابدين حسين شريف وعدد من الصحف والدوريات الفكرية والثقافية .

كما حظيت صحيفة الأمة بعدد من الكتاب والصحافيين منهم الأساتذة حسن محجوب مصطفي ، ويوسف التني اللذان ترأسا تحرير صحيفة الأمة ثم تقلدا بعد ذلك عدة مناصب وزارية وإدارية . وضمت الأمة في عهدها الزاهر من المحررين والكتاب أيضا الأساتذة  أمين التوم ، محمد احمد محجوب ، ابراهيم أحمد ، وجيل آخر من الصحافيين منهم  محمد آدم ابن الخياط والشاعر مختار محمد مختار والصحافي الأديب السر قدور والشاعر فضل النور والناشط صديق نمر والصحافي المخضرم محمود إدريس،  وعدد من المحررين فضلا عن كتاب المقالات والاعمدة من قادة الحزب وأصدقائه والتيار الوطني العريض.

بعد أن تولي الأستاذ سيد أحمد خليفة مهمة إصدار العدد “0 ”   من مكتبه بمقر صحيفة المدينة السعودية التي كان يدير مكتبها في الخرطوم والذي كان يقبع علي ناصية سينما كوليزيوم في شارع القصر بالخرطوم كان هناك لقائي الثاني معه في رحاب صحيفة صوت الأمة ، خلال مرحلة الإعداد قبل ان أتولي إدارة تحريرها  لاحقا  لما يقارب العامين في مرحلة جديدة مع برفقة الأخ  صديق بولاد.

ورفدت الصحيفة في عهدها الجديد بعدد من محرري مكتب المدينة الذين انتقلوا مع الأستاذ خليفة كان من ابرزهم  الأستاذ المرحوم الأديب والقاص عثمان علي نور ،الذي تولى سكرتارية التحرير حتى  قيام انقلاب الإنقاذ ونور من الشخصيات المتفردة في النقاء الإنساني والإبداع المهني فقد كان عاشقا للموسيقي وهو من هواة روائع السيمفونيات العالمية ومن الشخصيات القليلة جدا من السودانيين من الذين يهتمون بكلاسيكيات الموسيقى العالمية ويمتلكون مكتبات موسيقية نادرة لأشهر الموسيقيين العالميين . كان عثمان نور أيضا من عشاق مدينة القاهرة أدبا وفنا وثقافة ويحرص ان يقضي إجازته في شقتة الخاصة في القاهرة وفيا لعلاقاته الإنسانية والأخوية تعلوا دائما وجهه ابتسامة هادئة تعيد الطمأنينة لكل من يظفر بها  شاب الوجدان غزير المعرفة قليل الكلام لا تكاد تسمع صوته من فرط تهذيبه وهو من المبدعين السودانيين الذين سيكتب عنهم كثيرا جدا.

ولأن نور شخص متفرد في مجال الأدب فهو يمثل  مدرسة أدبية خاصة في مجال القصة القصيرة في السودان وليس أدل على ذلك من قول  البروفيسور على المك  أستاذ الأدب في جامعة الخرطوم فى إضاءة  نشرتها المجلة السودانية  حول سيرة نور  ”  إنه لم يكن مهموماً بالنشر لنفسه ، بقدر ما كان مهموماً بجنس القصة القصيرة ومستقبلها في السودان ، وإتاحة أكبر قدر ممكن من فرص النشر للمبدعين الآخرين في جنس القصة القصيرة أما الباحث في ذات المجال د مختار عجوبة  فيقول إذا كان موبسان  يعد أباً للقصة القصيرة الفرنسية ، و جوجول  أباً للقصة القصيرة الروسية و محمود تيمور  أباً للقصة القصيرة المصرية أو العربية ، فإن عثمان علي نور يعتبر بحق أبا للقصة القصيرة السودانية ، لا في مجال الإبداع الفني ، ولكن في مجال النشاط العملي إما بإصدار مجموعات من قصصه وأما بإتاحة الفرصة لغيره ليجد مجالاً لنشر أعماله . ومن مجموعات نور القصصية غادة القرية ،  البيت المسكون  ،الوجه الآخر للمدينة  وهي مجموعات صدرت له في الفترة من 1953 م – 1961 م .

ومن المحررين الذين عملوا مع نور  الزملاء  جعفر الريابي ، عبد الله الماحي ومحمد دفع الله  محمد السقدي والنور جادين والفنان بشير كندة سامية الصادق ، سعاد الوسيلة  والعديد من الفنيين والمصورين والمتعاونين والإداريين من اسرة الصحيفة .

لقد وطدت تلك الفترة التي قضيناها في صحيفة الأمة خلال حقبة الديمقراطية الثالثة على قصرها ، علاقات وصلات مثمرة مع الوسط الصحافي والإعلامي السوداني الذي كان معظم العاملين فيه في تلك المرحلة أبناء جيل وزملاء دراسة وأصدقاء بمختلف ميولهم وأهوائهم السياسية والفكرية من أقصي اليمين إلي أقصي اليسار.

غير أن تلك الفترة كانت مشحونة أيضا بالأحداث والمفاجآت السياسية لاسيما وأن السودان كان يمارس خلال تلك التجربة الديمقراطية أقصى درجة من ممارسة الحريات الأساسية في ظل النظام الحزبي الجديد  وهي ممارسة لم تكن تخلو من أخطاء وثغرات وعلات هنا وهناك رغم وصفه بأنه كان يمثل خيمة أكسجين تتنفس منها المنطقة حيث أصبحت الخرطوم مقرا لمؤتمرات النخب العربية دون رقابة او حجر أو تضييق أمني .

  اغتيال مهدي الحكيم  في الخرطوم

من أهم تلك الأحداث السياسية التي ركزت الأضواء الإعلامية على الخرطوم في تلك الفترة عملية اغتيال القيادي الشيعي العراقي مهدى الحكيم في بهو فندق هيلتون  الخرطوم من قبل عملاء النظام العراقي  وهو الحدث الذي شكل صدمة كبيرة للسودانيين بمختلف اتجاهاتهم .

كانت الخرطوم تشهد أيضا عقد مؤتمرات للأحزاب السودانية والنقابات التي بدأت في إعادة تنظيم نفسها،  وكان من بين تلك المؤتمرات مؤتمر الجبهة القومية الإسلامية وقد حرصت الجبهة القومية أن تدعوا له ممثلين عن كافة التنظيمات والحركات الإسلامية في العالم المعارضة والمتوافقة مع حكوماتها وقد تزامن انعقاد المؤتمر مع انعقاد مؤتمر آخر لوزراء الزراعة العرب في الخرطوم الذي كان بدوره أول مؤتمر تستضيفه الحكومة الديمقراطية بعد تشكيلها

مهدى الحكيم

تصادف في ظهر ذلك اليوم الذي شهد حدث اغتيال  مهدي الحكيم الذي كان قد حل ضيفا على السودان قادما من منفاه في لندن لحضور مؤتمر الجبهة القومية الإسلامية أن حطت بنا الطائرة علي مطار الخرطوم قادمين من طرابلس ضمن وفد شعبي  ، وقد تزامن وجودنا على أرض المطار مع استقبال  فوج من وزراء الزراعة العرب كانوا قادمين علي متن طائرة عراقية عن طريق جدة ويضم الفوج عدد من الوزراء الخليجيين بالإضافة لوزير الزراعة العراقي.

في تلك الأثناء كان فندق الهيلتون خارج المطار يشهد حركة دائبة عدد من وزراء الزراعة العرب بالإضافة إلى ضيوف مؤتمر الجبهة الإسلامية القومية ومن أبرزهم المعارض العراقي الشيعي مهدي الحكيم ، الذي تمكن من الحضور إلى السودان بعد أن مارست الجهات المنظمة لمؤتمر الجبهة الإسلامية ضغوطا كبيرة على وزارة الخارجية السودانية لمنحه تأشيرة دخول رغم تحفظ السفارة السودانية في لندن على منح التأشيرة له لأسباب أمنية وفق ما كشفت عن التحريات .

إلا قدر الحكيم كان نافذا حيث أحكم عدد من عناصر المخابرات العراقية في الخرطوم خطتهم لاستغلال انشغال السلطات الأمنية بالأعداد الكبيرة من ضيوف مؤتمر وزراء الزراعة العرب ليتمكن أحد عناصر المخابرات العراقية من النفاذ إلى بهو الفندق ويصوب مسدسه عليه صدر الحكيم ويرديه قتيلا ثم يلوذ بالفرار عبر سيارة تحمل لوحة دبلوماسية انتظرته في خارج الفندق .

كنت أتجاذب في تلك الأثناء أطراف الحديث أمام قاعة كبار الزوار في مطار الخرطوم مع المقيم الراحل الدكتور عمر نور الدائم وزير الزراعة والذي كان حاضرا في إلى جانب عدد من المسؤولين والدبلوماسيين الذين حضروا لاستقبال الوزراء العرب وبينما كانت الطائرة العراقية تتجه لنقطة التوقف،  لفت انتباهي أحد الأصدقاء من موظفي السفارة العراقية يعمل تحت مظلة العمل الإعلامي وهو يأتي مسرعا ومندفعا حيث يقف السفير العراقي طارق يحي وهو  يحمل مسبحة صغيرة في يده  يقلب حباتها وعيناه  علي الطائرة .

كان ذلك الموظف واسمه ” مثني ” نائبا للملحق الإعلامي في السفارة العراقية وكثيرا ما كنا نلتقي في تغطية المؤتمرات والمناسبات السياسية والإعلامية التي تشهدها  الخرطوم.

ألقى علينا مثنى التحية مسرعا وكان يبدو عليه الارتباك و التوتر واتجه الي حيث يقف السفير العراقي لثواني قبل أن يتجه نحو الطائرة العراقية التي كانت توقف محركاتها واختفى .

ولم تتكشف الحقيقة الإ بعد خروجنا من المطار ونحن في طريقنا إلى مدينة أم درمان حيث فوجئنا  ببعض الحواجز الأمنية وارتباك ملحوظ في أوساط الشرطة ورجال الأمن الذين يطوقون مداخل ومخارج الفندق مع تسرب خبر عن عملية اغتيال تمت في بهو الفندق بعد أن أفرق مجهول طلقات مسدس كاتم للصوت علي صدر مهدي الحكيم وأرداه قتيلا ثم تمكن من الإفلات بعد أن سيطرت حالة من الذهول على المكان الذي كان يهم باستقبال عدد من الوزراء العرب.

وتكشف لاحقا بعد إجراء التحقيقات الأمنية حول ملابسات الحادث أن  أصابع الاتهام الأول قد اتجهت نحو ” مثني” الذي قام بتنفيذ عملية  الاغتيال كما أثبتت التحريات أن المتهم قد صعد إلى الطائرة العراقية التي حملت وزراء الزراعة العرب إلى الخرطوم . وقد اثرت هذه العملية على مستوى العلاقات مع العراق في تلك الفترة المشحونة بالتوتر .

ودار بعد ذلك جدل كبير في الخرطوم حول الوضع الأمني ووجود أجهزة عديدة للمخابرات تمارس مهامها في وضح النهار . وقد أفسدت عملية الاغتيال بهجة مؤتمر الجبهة القومية وأصابتها بالحرج البالغ .

أما الرواية العراقية التي تطابقت مع المشهد عن تفاصيل تلك الحادثة في تلك الفترة كشفت أن قصة عملية اغتيال مهدي الحكيم ، بدأت باستلام السيد الحكيم يوم الجمعة 7/1/88 19من السيد سعيد محمد رئيس تحرير جريدة العالم دعوة لحضور المؤتمر الإسلامي في الخرطوم المنعقد برعاية الجبهة الإسلامية القومية في السودان واستلم هذا الشخص جواز السيد الحكيم للحصول على  تأشيرة الدخول للسودان، بعدها اكتشف السيد مهدي بأنه لم يحصل على تأشيرة الدخول لفقدان الجواز من القنصلية السودانية في لندن وعلى اثر ذلك أرسل السيد الحكيم السيد عبد الوهاب الحكيم الذي كان يرافقه إلى سعيد محمد للاستفسار عن الجواز وهنالك تعرف على شخص يدعى التيجاني، باعتباره مضيف لهما في السودان.

وفي يوم الأربعاء 13/1/1988 وهو اليوم المقرر للسفر راجعا القنصلية وحصلاً على الجوازين لكنهما لم يحملا تأشيرة الدخول، الأمر الذي استنكره السيد مهدي الحكيم، وهذا ما دفع القنصلية إلى انجاز ذلك ليسافرا إلى السودان، ألا أنهم غادروا يوم الجمعة 15/1/1988 بتأشيرات الدخول الرسمية، ومع ذلك لم يستطيع السيد الحكيم حضور جلسات المؤتمر لأسباب غير معروفة مما سبب امتعاضه من هذه التصرفات، وفي اليوم نفسه استقبل السيد الحكيم في مقر إقامته في فندق الهيلتون، الكابتن النور زروف ومعه محمد يوسف من قيادات الجبهة القومية الإسلامية معتذرين عن ما حصل من ملابسات، وقد حذراه من عناصر حزب البعث السوداني بقولهم “هؤلاء مجرمون قتلة وقد يتعرضون لكم” كما استقبل خلال اليوم الثاني السيد احمد الإمام الذي نقل له رغبة السيد حسن الترابي بلقائه، فلبى السيد الحكيم الدعوة في اليوم التالي، حيث زاره وعقد اجتماع موسع بينهما تم خلاله مناقشة بعضاً القضايا التي تهم العالمين العربي والإسلامي، ومنها دور الحركة الإسلامية في العراق وكيفية إقامة حكومة إسلامية، وعرض السيد الحكيم مبادرة مصالحة بين الترابي والصادق المهدي فرحب بها، واتصل بالصادق المهدي فرحب بها كذلك، واستمر الاجتماع حتى الساعة الثامنة وعشر دقائق، ليعود السيد الحكيم ومرافقه إلى الفندق الذي وصلوه بعد ربع ساعة.

بعد عبورهما بوابة الفندق لاحظا في نهاية البهو شخصين يبدو أنهم عراقيين- يظهر إنهما من جهاز المخابرات التابع للسفارة العراقية في الخرطوم- عندما طلبا من موظف الاستعلامات مفاتيح غرفهما، وما هي إلا لحظات حتى صوب الرجلان مسدسيهما إلى الضيفان واطلقا النار عليهما لتصيب الطلقات السيد مهدي الحكيم وترديه قتيلا  وأصيب مرافقه في ساقه، ألا انه حاول الاقتراب من السيد مهدي بطريقة التدحرج مشاهدا الجناة متوجهين صوب باب الفندق، ورغم ذلك لم يتم إسعافه لمدة ساعتين، فيما شوهد اثنان من الجناة يغادران الفندق بسيارتين الأولى حمراء مرسيدس والأخرى مرسيدس بيضاء مسجلات برقم دبلوماسي وبعد مرور ساعات على الحدث حضر وزير الداخلية السوداني إلى مكان الحادث، موكدا  أن السيد مهدي الحكيم ضيف السودان وسوف تأخذ العدالة مجراها.

صحافة الخرطوم

أكثر من 40 صحيفة كانت تصدر في الخرطوم في تلك الفترة ومئات المراسلين الصحافيين من العرب والأجانب الذين عرفتهم الخرطوم في تلك الفترة تجدهم في كل مناسبة او حدث،  منهم الصحافي الروسي النشط الكساندر توبيلوف مراسل وكالة تاس السوفيتية حينها وقد نجح اليكساندر في إقامة علاقات جيدة مع قطاع واسع من السودانيين، وقد تعود اليكساندر على دعوة عدد من أصدقائه من الصحفيين السودانيين في منزله بشارع 15 في حي العمارات بينما كانت زوجته نتاشا تجيد إعداد بعض الوجبات السودانية والروسية لضيوفها وتشاركهم تناولها ويجيد اليكساندر العربية مخاطبة وقراءة وكتابة كمعظم الصحفيين والدبلوماسيين الروس الذين يعملون في البلدان العربية .

أما من الزملاء الصحافيين المصريين الذين كان لهم حضور إبان تلك التجربة الديمقراطية الثالثة الأستاذ صلاح عبد اللطيف مراسل وكالة أنباء الشرق الأوسط في الخرطوم والذي تميز بمثابرته وحرصه على بناء علاقات وثيقة مع جميع الأطراف السياسية . وخلال فترته في السودان تمكن صلاح من إعداد كتاب عن الصحافة السودانية كان موضوع دراسته لنيل درجة الدكتوراه تحت عنوان( الصحافة السودانية في 50 عاما ).

بذل الأستاذ صلاح عبد اللطيف جهدا مقدرا في جمع مادة الرسالة التي ركز فيها علي جذور الارتباط الكامل بين المدرستين الصحافيتين في كل من مصر والسودان . وذلك باعتبارهما من أصل مدرسة واحدة ذات جذور وأرضية ثقافية مشتركة وقد ظل صلاح على وفائه وحبه للسودان حتى بعد نقله إلى القاهرة حيث حافظ على صلاته واهتماماته السودانية عبر حلقات التواصل في القاهرة لاسيما من متابعات سياسية وثقافية . أيضا فقد كان من الناشطين الأخوين محمد علي يوسف من السفارة المصرية ،وصلاح علام من وكالة الأنباء .

ومن الإعلاميين الليبيين الأستاذين محمد أبو عائشة ، وعلي شعيب من وكالة الجماهيرية للأنباء (جانا) وعين شعيب بعد عودته إلى طرابلس  مديرا لوكالة جانا الليبية للأنباء .  تميز شعيب كونه من العناصر الحركية في حركة اللجان الثورية الليبية بكثرة السفر والتنقل والأنشطة المتشعبة وهو من شباب الثورة الليبية في عنفوانها الثوري التقيته في أديس أبابا في مطلع التسعينات ، وقد حكى لي أن وجوده في أديس أبابا   يثير قلق طاقم السفارة الإسرائيلية  التي تصنفه كأحد عناصر المخابرات الليبية في العاصمة الأثيوبية وهو سعيد بهذا القلق .

توثقت علاقاتي أكثر بعلي شعيب من خلال زيارات متتالية إلى طرابلس في مناسبات مختلفة، كما كان لقاءنا في العاصمة التونسية عام 92 عند مشاركتنا في مؤتمر لاتحاد الصحافيين الأفارقة والذي أنعقد متزامنا مع مؤتمر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في ذات العاصمة.

ولم تكن العلاقة مع الأشقاء الليبيين قاصرة على الإعلاميين فقط بل كانت ممتدة عبر الزيارات والمناسبات المختلفة بين الخرطوم وطرابلس مع قيادات سياسية مرموقة من الصف الأول في القيادة الليبية بدءا بالدبلوماسي الأديب  جمعة الفزاني والعقيد سالم بوشريدة وصالح الدروقي ومسعود بلوط وزعول السنوسي وأحمد ابراهيم ، وسليمان الشحومي صعودا إلى العقيد ابوبكر يونس.

وقد ساهمت تلك النشاطات المشتركة والمناسبات والزيارات المتتالية في خلق علاقات وثيقة مع شرائح مختلفة من الناشطين الليبيين ثقافيا وسياسيا قبل أن تشهد بعض تلك القيادات الليبية نهايات مأساوية مع اندلاع ثورة ليبيا ضد نظام العقيد القذافي في موجة ثورة الربيع العربي  .

طرابلس الغرب

من الزيارات الهامة التي حملتني إلى ليبيا إبان الفترة الانتقالية  زيارة قصيرة و لم تكن معلنة رافقت فيها السيد الصادق المهدي إلى طرابلس في  تلك الأيام التي  أعقبت الانتفاضة الشعبية في أبريل عام 1985 .

الصادق المهدي

وقد كان دافع تلك الزيارة تزايد هجمات متمردي الحركة الشعبية في جنوب السودان على مواقع القوات المسلحة في الجنوب لتصل حد السيطرة علي منطقة الرنك وطرد المزارعين وبث الرعب في أوساط المواطنين ، رغم دعوات السياسيين وأعضاء الحكومة الانتقالية إلى الحركة لوقف الحرب والجلوس إلي طاولة المفاوضات.

وفي ضوء تلك الهجمات طلب المجلس العسكري الحاكم من القوى السياسية المساعدة في حشد الدعم السياسي والعسكري لمساندة القوات المسلحة وردع التمرد حيث  شرع المجلس العسكري والقيادة العامة للقوات المسلحة في استعادة التوازن العسكري بطلب مساعدات عسكرية من الدول الشقيقة والصديقة لصد العدوان عن قري النيل الأبيض التي قامت فيها قوات الحركة بمجازر وعمليات عنف  استهدفت قري الأزرق والقردود في النيل الأبيض راح ضحيتها عشرات المواطنين .

وقد برر بعض ضباط القوات المسلحة عدم قدرة الجيش على صد تهديدات الحركة بعدم وجود الإمكانيات والمعدات والأسلحة اللازمة لإعادة تأهيل القوات المسلحة بما يمكنها من أداء واجبها في تحقيق الأمن.

ولسد هذا العجز جاء طلب المجلس العسكري لبعض زعماء الأحزاب استثمار علاقاتهم العربية في جلب الدعم للقوات المسلحة وبلغت قيمة احتياجات القوات المسلحة من الأسلحة أكثر من مليار دولار فتقرر أن يتوجه السيد محمد عثمان الميرغني إلى العراق لطلب دعم عسكري لخصوصية علاقته بصدام حسين بينما  يتوجه السيد الصادق المهدي إلى ليبيا لصداقته بالعقيد القذافي لجلب الأسلحة والعتاد بحكم علاقات الرجلين بقيادة تلك الدول بالإضافة إلى عدد من الدول الشقيقة الأخرى ولم يتردد الزعيمان صدام حسين ومعمر القذافي في الاستجابة لمطالب الدعم وتقديم المساعدة المطلوبة حيث تمكنت القوات المسلحة بما تلقته من دعم عسكري ولوجستي من استعادة مدينة الكرمك على الحدود الشرقية في ولاية النيل الأزرق كما نجحت في استعادة مدينة الرنك وتأمين مناطق النيل الأبيض وجنوب كردفان بعد الاعتداءات المتكررة من قبل الحركة على المزارعين في تلك المناطق .

في تلك الرحلة  جاءت مرافقتي  للسيد الصادق المهدي لزيارة ليبيا، كانت الرحلة  ذات صباح باكر في في شتاء عام  1986 عبر طائرة عسكرية ليبية من طراز أنتينوف أقلعت بنا من مطار القاعدة الجوية بوادي سيدنا شمال ام درمان لتهبط بنا بعد ثلاث ساعات ونصف علي أرض مطار قاعدة معيتيقة الجوي علي أطراف العاصمة الليبية طرابلس.

وسمي المطار ” بمعيتيقة ” تخليدا لذكرى فتاة ليبية اسمها معيتيقة قتلت في قصف للطيران الإيطالي إبان فترة الاحتلال في المنطقة التي شيد فيها المطار العسكري .

كان في استقبالنا علي أرض مطار القاعدة العسكرية أعضاء من القيادة التاريخية للثورة الليبية وهم العقيد سالم بوشريدة والعقيد مسعود بلوط وكلاهما من المجموعة المعنية بالسودان التي تضم العقيد صالح الدروقي وجمعة الفزاني والسفير زعول السنوسي وغيرهم  وجميعهم يعملون تحت إشراف العقيد أبوبكر يونس وزير الدفاع .

تميزت المجموعة بعلاقات وثيقة بقيادات المعارضة السودانية وبقادة حزب الأمة على وجه الخصوص الذي كان يتخذ من ليبيا قاعدة لانطلاقة ضد نظام نميري بدعم ليبي عسكري ولوجستي مقدر واكتسبت تلك العلاقات أيضا طابعا اجتماعيا وتحولت إلى صداقات اسرية بين بعض القيادات لعبت دورها في الحفاظ على العلاقات بين البلدين في جميع الظروف الحرجة التي واجهت العلاقات اثناء تلك الفترة .

بعد جلسة قصيرة في المطار إنطلقت بنا السيارة إلي الفندق الكبير حيث تحدد اللقاء مع العقيد معمر القذافي مساء نفس ذلك اليوم .

ورغم برودة الطقس  فقد  كان اللقاء  دافئا  حال وصولنا إلي خيمة العقيد الشهيرة في باب العزيزية  .

مساحة شاسعة  حول المخيم تتهادي حول شجيراتها أعداد من النوق الضامرة بينما يجلس عدد من أفراد الحراسة الخاصة بالعقيد حول أعواد مشتعلة بملابس عسكرية غير نظامية كاجوال علي مقربة من مدخل الخيمة الواسعة .

بعد جلسة خاصة بين المهدي والعقيد كان موعدنا  صباح اليوم التالي مع العقيد أبوبكر يونس وزير الدفاع بمقره في وزارة الدفاع الليبية حيث دار حوار حول مجمل التطورات والأوضاع في السودان  الاحتمالات والمآلات  وتساءل العقيد ابوبكر يونس حول مدى استعدادات القوى السياسية لخوض الانتخابات العامة والتوقعات حول نتائج تلك الانتخابات .

كان من أهم نتائج تلك الرحلة  توفير  دعم عسكري ولوجستي للقوات المسلحة عبر جسر جوي بين طرابلس والخرطوم حيث أنجزت الرحلة مهمتها بتقدير ممتاز جدا من خلال تعاون متبادل مثمر انعكس علي خصوصية  العلاقات بين البلدين وهو ما أعان على تجاوز تلك الظروف الأمنية الصعبة التي مرت بها البلاد .

عدنا ظهر ذلك اليوم علي متن طائرة  العقيد الخاصة من طراز فالكون وهي طائرة مجهزة بكافة وسائل الراحة وتقوم على خدمتها مضيفة متخصصة من المراسم ليبدأ مشهد جديد من الدراما السياسية في السودان  .

ديمقراطية قصيرة الأجل

بعد انقضاء الفترة الانتقالية نظمت أول انتخابات ديمقراطية حرة كانت حديث المنطقة والعالم نال حزب الأمة فيها 101  مقعدا في الانتخابات ونال الاتحادي الديمقراطي 64 مقعدا ونالت الجبهة الإسلامية 51 مقعدا وكان كل من الاتحادي والجبهة القومية الاسلامية  يضمان بداخلهما عدد كبير من سدنة نظام مايو الذي اطاحته الثورة الشعبية .

وعشية إعلان نتائج الانتخابات اتفقت كل من الجبهة القومية والاسلامية والحزب الاتحادي الديمقراطي على مواجهة حزب الأمة من خلال الاتفاق على الآتي: لا لإلغاء قوانين سبتمبر 1983 ـ التي فرضها نميري والإخوان لا لإنشاء محكمة قصاص شعبي ـ لا لقرارات مؤتمر كوكادام المعلنة في مارس 1986 والتي شارك فيها حزب الأمة مع حركة التمرد بالجنوب (الحركة الشعبية لتحرير السودان) وعدد من أحزاب السودانية.

واتفق الحزبان أنهما يدخلان الحكومة الجديدة معا أو يعارضانها معا. وهي مناورة قصد بها إفراغ مباديء الميثاق من مضمونه  لأن إلغاء قوانين سبتمبر 1983، وتكوين محكمة قصاص شعبي، من تلك المبادئ وتكوين تحالف مضاد لحزب الامة  داخل البرلمان  الذي يتبنى شعارات الانتفاضة وإلغاء قوانين سبتمبر .

يقول الصادق المهدي إن هذه التطوارت وضعت حزب الأمة كحزب أغلبية أمام موقف حرج لأنه لا يستطيع تكوين حكومة وحده وإن استعان بالأحزاب الصغيرة. فأمامه إما أن يحاول جر الاتحادي الديمقراطي من التحالف مع الجبهة الإسلامية القومية وذلك بتنازل عن بعض مبادئ ميثاق الانتفاضة أو أن يقف في المعارضة.

لكن رغم تلك العراقيل انتظمت المرحلة الديمقراطية الثالثة ائتلافات استطاعت أن تمحو آثار النظام المايوي المدمرة، والمحافظة على استقلال القرار الوطني السوداني وتبني برنامج للحل السلمي لمشكلة الجنوب، وعلى الصعيد الاقتصادي انتقل مؤشر النمو من (-12) إلى (+12). ومضت في طريق أسلمه تحافظ على الوحدة الوطنية. كما احتوت الحكومة كل المزايدات على شعار السلام ودعم حوارات القصر التي أدت إلى توقيع 29 حزبا ونقابة على برنامج القصر المرحلي في فبراير 1989. كما دعم حزب الأمة لقاء قادة الأحزاب الثلاثة في القصر: الأمة ـ والاتحادي الديمقراطي ـ والجبهة الإسلامية القومية. الذي صدر عنه إعلان تأييدهم بضوابط معينة للمبادرة السودانية للسلام في 4 يناير 1989.

ورغم التحديات التي واجهت الديمقراطية الثالثة والتي أجملها  رئيس الوزراء المنتخب في كتابه  ” الديمقراطية عائدة وراجحة ”  والذي أبان فيه الايجابيات والسلبيات في تلك الفترة القصيرة التي وئدت بانقلاب الثلاثين من يونيو يرى بعض المراقبين أن النظام الديمقراطي رغم حداثته اثبت جدواه  وقدرته على التصدي للأزمات في إطار الشرعية الدستورية. والتي  تمثل أبرزها في الآتي :

+ مواجهة موجة الإضرابات الشاملة التي انطلقت لمعارضة زيادات أسعار السكر في ديسمبر 1988م .

ومواجهة محاولات  استبدال المؤسسة التشريعية بالشارع حيث توصلت الحكومة مع القيادات النقابية لمعادلة مرضية.

+ مواجهة مذكرة قادة القوات المسلحة التي اندفع فيها القادة العسكريون هروبا من المساءلة العسكرية التي واجههم بها رئيس الوزراء في فبراير 1989م والي هدف بعض الضاط من خلالها إلى تحويل المساءلة العسكرية المشروعة بعد انسحاب القوات المسلحة غير المبرر من موقع ليريا وتحويلها لمساءلة سياسية عبر مذكرة القوات المسلحة.

ووفقا للمقاييس المتبعة في البلدان حديثة التجربة الديمقراطية يمكن القول أن النجاح في إدارة الحكم بموجب المؤسسات الدستورية كان معقولا قياسا على عمر التجربة  رغم الأزمات التي أحاطت بالنظام الديمقراطي قصير الأجل والتحديات الإقليمية والتدخلات الخارجية التي نشطت لؤد التجربة حيث تمكنت الحكومة الائتلافية من زيادة سندها البرلماني في أيامها الأخيرة لتحظى بدعم كل القوى السياسية في الجمعية التأسيسية ماعدا الجبهة الإسلامية القومية التي قررت أن تعمل خارج الشرعية الدستورية واتجهت مباشرة للتآمر على الديمقراطية والبدء في تنفيذ سيناريو انقلاب 30يونيو1989م الذي دمرت به نفسها ودمرت به البلاد وأضاعت من خلاله فرصة ثمينة للبلاد لتراكم التجربة الديمقراطية وتطورها  .

بعد اندلاع الثورة المصرية وفي اول زيارة له للقاهرة سألت الإعلامية منى الشاذلي الدكتور حسن الترابي في برنامج تلفزيوني بثته قناة دريم في القاهرة حول ما إذا كان سيدعم فكرة الانقلاب على الديمقراطية إذا عاد الزمن مجددا إلى الوراء  فأجاب بالنفي بعد ان كال التهم لقادة الانقلاب من تلاميذه الاسلاميين الذين وصفهم بالفساد والارهاب والتعلق بكراسي الحكم التي وصفها بالمفسدة .

فور وقوع الانقلاب العسكري في يونيو 89 19 بادر الانقلابيون الإسلاميون بسياسات القمع والسجن والتعذيب والتنكيل بالمعارضين والإعدامات وبيوت الاشباح حيث واجهت البلاد أسوأ مرحلة لا تزال عالقة في ذاكرة السودانيين فانفتح  الباب لمرحلة جديدة على كافة المستويات بخيرها وشرها، وشهدت البلاد تجارب عديدة وذكريات مريرة ومشاعر متداخلة . وإزاء العنف الذي قابل به  قادة الانقلاب من ليس على هواهم في  مطلع التسعينات أضطر الآلاف  من السودانيين إلى النزوح والهجرة إلى معظم عواصم العالم غير ان القاهرة أصبحت ملاذا آمنا لأعداد كبيرة من السودانيين ومنبرا سياسيا وثقافيا ودبلوماسيا للمعارضين لما لها من خصوصية  منبر استمر في توهجه لعقد من الزمان تعددت فيه الوجوه والصور وتنوعت فيه المشاهد وتباينت فيه المواقف والآراء والاجتهادات .

 مقاومة نظام الإنقاذ

البشير والترابي

بلغت التطورات درجة حادة من الاستقطاب خارج سجون ومعتقلات الانقاذ ومن داخل سجن كوبر حيث تم اعتقال معظم القيادات السياسية التي يشكل وجودها رمزا للديمقراطية وبادر  النظام الجديد بالقمع والقسوة المفرطة ضد خصومه السياسيين بعد انكشاف وافتضاح أكذوبة قوميته فبادر بنزع قناع القومية الذي ضلل به المواطنين في بداياته فأنكشف المستور واتضحت الرؤية داخليا وإقليميا ودوليا .

أما بالنسبة لحزب الأمة الذي كانت تتجه إليه أنظار الإنقلابيين  فقد حزم أمره علي مقاومة الانقلابيين الذين استخدموا كافة الأسلحة المشروعة وغير المشروعة ضد قادته وتعرض زعيمه لاستفزازات عديدة بلغت حد الإعدام الصوري بغية كسر شوكة حزب الأمة وإبطال مفعول قدرته على المقاومة التي أشتهر بها في مواجهة كافة الأنظمة الشمولية بدءا بنظام الجنرال عبود ومرورا بالجنرال نميري وهاهو واقع مماثل يطل بوجهه علي الساحة رغم كونه يختلف من حيث القدرات التنظيمية والتكتيكات السياسية والرؤية الايديولوجية  والسلوك البراغماتي الذي تغلب عليه الميكافيلية السياسية.

ثم عمد في فترة لاحقة إلى استهداف قيادات بعينها من حزب الأمة وإرهابها عبر تلفيق تهم الانقلاب عليه وفي مقدمتهم الحاج عبدالرحمن عبدالله نقد الله  بغية كسر شوكة تلك القيادات التي لم ينل من صمودها .

فبادر حزب الأمة كأول حزب معارض للانقلاب بالشروع في  تنظيم معارضته الخارجية التي كلف بتولي إدارتها القيادي البارز السيد مبارك المهدي بعد خروجه من البلاد فتم تكوين أول هيكل للعمل الخارجي تولي مهامة نخبة من كوادر الحزب القيادية التي ثم اختيارها ممن تسربوا إلي الخارج تباعا وبدأت تلك المجموعة نشاطا منظما عبر محطات منتشرة في عدد من العواصم العربية والأوربية والأفريقية حيث أضحت القاهرة بحكم خصوصيتها البؤرة التي تركز فيها ثقل المعارضة السودانية وحظي فيها حزب الامة بحضور منظم ومميز أدار دفة النشاط الاعلامي المضاد بالتنسيق مع المحطات الأخري بمهارة عالية إستطاع من خلالها أن يحمل إلى العالم نبض الشارع السوداني الذي يقاوم واقع القهر ويستنجد بمناصري الحرية وحقوق الأنسان في كل مكان في العالم كما إستطاع أن يغير كثيرا من المفاهيم السلبية عن الصورة التي فرضت عليه غيابيا في مصر لفترة طويلة شوشت علي جوهر علاقاته مع الأشقاء المصريين  وتمكن من خلق شبكة من الإصدقاء والمناصرين الذين استجابوا لعقلانية طرحه وجدية أداءه وأحاط نفسه بهالة من المعجبين من مختلف شرائح المجتمع المصري الذين عرفوه عن قرب بدد كل المزاعم السالبة عن حقيقة مشاعره تجاه مصر .

عبرهذه الخطوط انطلقت الخطى في مصر تؤرخ لصفحات مضيئة في سيرة العلاقات الشعبية بين شقي وادي النيل.

ولئن كانت السياسة محركها الأول إلا ان الاكتشافات الإنسانية علي مستوي المجتمع والوجدان المصري تجاه كل ماهو سوداني قد جعل الاهتمام بجوهر العلاقة أكبر من محنة سياسية طارئة كما عظم من نبل رسالة التواصل والوصال في عالم يسعي فيه الأشتات الي الوحدة والالتقاء علي أسس من المصالح الإستراتيجية والتعاون المشترك في كافة المجالات .

لقد هيأ وجود السودانيين في القاهرة في تلك الفترة فرصة نادرة للتعارف الشعبي بين السودانيين والمصريين عن قرب حيث تعددت الحلقات والمنتديات واللقاءات بين النخب السودانية والمصرية  واصبحت القاهرة ملاذا آمنا يلتقي فيه المعارضون من الداخل والخارج وتمكنت الأحزاب السودانية المعارضة من تنظيم صفوفها  كما تمكن حزب الامة في مرحلة من المراحل من عقد اجتماع لقياداته في القاهرة ضمت قيادييه في الداخل والخارج شارك فيه العديد من القيادات كما تمكن قبل ذلك من عقد مؤتمره العام بالعاصمة الاريترية اسمرا وتوسعت مدارك  المهتمين بالشأن السوداني ونال الإدراك المتبادل حظا كبيرا بعد أن كان غائبا ومشوشا وأصبحت القضايا السودانية في سلم أولويات المثقف والسياسي المصري الذي يؤمن بأهمية وإستراتيجية العلاقة الشعبية بين شعبي وادي النيل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*