من الذكريات 5

  • 10 أبريل 2020
  • لا توجد تعليقات

محمد احمد عمر ابو المعدوم


ابريل يا بشرى الخلاص وتحقق الحلم النبيل
قلت اننا هتفنا من داخل المعتقل فجر 6 ابربل عندما تسلل الى مسامعنا فجرا هتاف الشارع وزغاريد الكنداكات ودوي الطبول
ان قناعاتنا بقرب الخلاص ظلت ثابتة ما قبل الاعتقال واستمرت تتزايد بوتيرة متسارعة ولكن لم نكن نتخيل اننا سنكون هنا بالذات عند سقوط الصنم فكل الاحتمالات مفتوحة من الترحيل الى دبك او الثلاجات او شالا او الى اي مكان او الى اللامكان او الى محاكمات ثم سجون او افراج ثم عودة لاننا لن نتراجع عن مواصلة ثورتنا التي كادت تفجر اوردتنا وشرايننا منذ 1989 حيث سمعنا صوت موسيقى الانقلاب المشؤوم فظلننا نتحرق ليوم كهذا وقد اصبح بين ايدينا فحتما لن نتراجع وقد تيقنا اننا ان سقطنا بعد هذا فلا يهم لانه قد استلم الراية جيل راكز آمنا بقدرته على الصمود منذ زمن باكر وقد عبرنا عن فخرنا واعتزازنا به من وقت بعيد ايماننا راسخ باننا سنواصل حتى النصر واكاد اجزم ان هذا كان رأي كل المعتقلين وبالتأكيد كل من قابلتهم وهم بالمئات ومن كل الاعمار
نظام غادر حمل بعض احبتنا ارواحهم ودخلوا الاحراش لمنازلته وبعض اخر فقد الاطراف ومنا من فقد الوعي الابدي من التعذيب وعاش في غيبوبة سنين كبطلنا الشهيد الحي الامير عبد الرحمن نقد الله اخذ الله بيده ومنهم من دقت المسامير على رأسه كالشهيد علي فضل ومنهم من جز عنقه بالمشنقة فهل يجوز لحر الصمت على اجرام مثل هكذا نظام ؟
بعد 6 ابريل بدأت تطل افكار جديدة علينا ليس من بينها مطلقا تبدل ايماننا بالنصر الاكيد
ولكن افكار بخصوص وجودنا فهناك من يقول باحتمال تصفيتنا جميعا في حالة وصل النظام لحالة يأس تام فنحن نعرف طبيعته الدموية فشعاراتهم التي اصبجت عار عليهم ك أو ترق كل الدماء
فكم من اسرى تمت تصفيتهم في الاسر على قاعدة (اكسح امسح ما تجيبو حي)
اول على قاعدة ( shot to kill ) او المعتقلين في المعتقلات او الاصتياد في الساحات كشبابنا في هبة سبتمير 2013م او المسيرات في الجامعات او القرى والفرقان في دارفور والنيل الازرق وجنوب كردفان إن الدم السوداني واحد مهما اختلفت الجهات ونظام البطش واحد مهما ضم من مكونات كما هناك احتمال ان يعيد الشعب السوداني التاريخ فيحاصر كوبر ويهد اسوار السجن ويطرد السجانين وينتزعنا من براثن جلاوزة الامن من داخل الزنازين احرارا وهنا ايضا احتمالين اما خروجنا رافعين شارات النصر او يباغتنا رصاص الغدر والخيانة وهي شيمتهم اهل النظام المباد
لقد كانت هذه نقاشات علنية وفي كل الاحوال كانت بشائر انتصار الثورة السودانية تترى والفرح الممزوج بالعزة والفخار تملأ الصدور و يطغى على كل المعتقلين

قبل هذه الايام كان الصرف الصحي في كوبر قد طفح وحاصرت مياهه النتنة العنابر واغرقت بعضها تماما وتبقت فقط ثلاثة عنابر هي النخلة والاوسط والكرنتينة بالاضافة لقليل من المعتقلين في الشرقيات
فقد افرج عن الصحفيين وحملة الجوازات الاجنبية وكثير من كبار السن والمرضى وبعض الشباب الذين جرت محاولات لتجنيدهم لحوار شبابي مزعوم باغراءات كبيرة رفضه اغلب الشباب علنا و قبله القليل تكتيكا ثم تراجعوا فور الافراج عنهم ولم اعرف احدا ذهب فيه الى النهاية والمؤكد ان مؤامرة شق صف الشباب قد فشلت نهائيا وهو ما زاد درجة احباط قادة جهاز الامن وزادنا قناعة بتطور درجة الوعي لدى شبابنا من الجنسين
لقد كانت مؤشرات سقوط النظام قد صارت واضحة بالنسبة الينا فمن بداية مارس كان اهم الاسئلة في التحقيقات : (اها لو هسي النظام دا اتغير نحن حتعملوا لينا شنو )
كانت الاجابات تختلف فمنا من يقول سنصفي من الجهاز كل الفاسدين وعضوية المؤتمر الوطني ونحوله الى جهازا لجمع المعلومات ورفع التقارير للسلطة التنفيذية ومنا من يقول نحل الجهاز ونحيلكم جميعا للمحاكمات ونحيل البشير للجنائية كمان
كما ان وتيرة المقاومة والرفض لسلوك جهاز الامن من المعتقلين داخل المعتقلات والاحتجاجات العلنية وبتضامن كل المعتقلين صارت اكثر وضوحا و انتشار اخبارها يخيف الجهاز وعناصره واذكر من الحوادث الكثيرة المثيرة والملفتة حادثة محاولة احد ضباط الامن تعذيب رفيقنا في العنبر منذ حين بروفيسور مهدي شكاك وهو في الخامسة والسبعين من العمر تقريبا حيث اخرجه الضابط من غرفة التحقيق الى وسط عمارة الثلاجات وهو مكان التعذيب الاساسي هنا وامسكه قلما بكلتا يديه وامره برفع يديه الى اقصى ارتفاع وان ينظر الى القلم وفي الشمس ولمدة طويلة واثناء هذا الوضع المهين راي احد المعتقلين من الطابق الثالث وهو المناضل صدقي كبلو المنظر وكان المعتقلين فيما بعد الرابعة خارج الزنازين في فترة الرياضة فهتف صدقي باعلى صوته ( لا لتعذيب الشرفاء ) فهتفت معه جموع المعتقلين في كل الطوابق مرددين نفس الهتاف حتى اهتزت اركان المبنى ذي الثلاثة طوابق من جلجلة الصوت فهرب الضابط تاركا عم مهدي في الساحة واختفي الضابط نهائيا وقد ذاع الخبر وعم القرى والحضر واذكر عندما عاد الينا بروف مهدي وقد سبقته القصة وروى لنا ما حدث قلت له هذه الحادثة ستكون وصلت الى الخارج وستنتشر في الميديا انتشار النار في الهشيم وستسبب لك في زيارة عاجلة من اسرتك لانها ستنشر فقط كحالة تعذيب وفعلا قد تم الاتصال باسرته ليلا كما يبدو لانه قد رتبت له زيارة صباح اليوم ىالتالي ….. ان كل هذا مؤشر على ان جهاز الامن بدأ يخشى انتشار اي خبر عن تعذيب في المعتقلات وهذا تغير كبير لاننا في فبراير مثلا قد غنى فرحا و هتف معتقلي عنبر الزواية احتفاء بذيوع خبر براءة الطالب عاصم عمر فتم عقابهم عقابا جماعيا بغمر الارض بالمياه وجعل المعتقلين يزحفون عليها ببطونهم مع الضرب الشديد بالخراطيش مما تسبب في جراح واذى جسيم لهم كما تم ترحيل بعضهم الى سجن دبك وقوبلوا هناك بحفل ضرب وكانت حفلات التعذيب تتم عادة في الثلاجات مع كل موجة اعتقالات ولكن كثير من مثل هذه المعاملة قد تغير مما أشر فعلا لمحاولة الجهاز تحسين صورته وبالتأكيد هذه اوامر من رئيس الجهاز ولعله كان يمهد لنفسه قيادة تغيير سواء لصالح نفسه وغالبا بتنسيق مع بعض قيادات الجيش فقد زار هو والمخلوع ابنعوف المعتقلات بعد تغييرات مارس في هرم السلطة ….
في 6 ابريل وما بعدها توقفت الزيارات تماما كما توقفت الاعتقالات او على الاقل لم يتم احضار معتقل جديد الينا بل المؤشر الاوضح لقرب نهاية النظام توقف الارساليات لعدوم وجود طريق مفتوحة الى كوبر و ان معظم الامنجية كانوا كأنهم قد وصلوا لقناعة ان النظام قد انتهى وان سقوطه اصبح مسألة ايام او ساعات فقط
وكانوا في ارتباك رهيب وقد كان بجوارنا دولايب ملابسهم فنراهم يأتون مسرعين يستبدلون ملابسهم أحيانا بزي الشرطة واحيانا بزي الشرطة العسكرية ونادرا ما يخرجون بالزي المدني المعتاد لدى افراد جهاز الامن بالاضافة لذلك كان واضح جدا ان بعض افراد الجهاز يتعاملون مع الامر كوظيفة وليس لهم علاقة عضوية بالنظام او قد تخلوا عن الولاء له وميزوا مواقفهم من خلال تعاملهم فاحيانا ينقلون لنا اخبار الشارع بكل دقة
و في تلك الايام الاخيرة كنا نسمع داخل المعتقل حركة الجماهير كما نسمع اصوات الرصاص بل حتى تبادل اطلاق النار بوضوح شديد من جهة كبري كوبر وبمرور الايام ما بعد 6 ابريل اصبحنا نتوقع في اي لحظة اعلان ما و قطعا سيكون تغيير ولكن بعضنا يقول ان الامر الطبيعي ان يعزل الجيش بالتنسيق مع قوش البشير وسلطته ويستولون عليها ويبدأ التفاوض مع الحرية والتغيير لكيفية انتقال السلطة كاملة لقوى الثورة ولكن القليل من الناس يقول بان ذلك غير مقبول فيجب على الجماهير مواصلة المسيرة حتى دخول القصر واستلام السلطة مباشرة …. كيف ذلك لا ادري ؟ واذكر اني قبل 6 ابريل بأيام زارنا احد القادة الكبار وكنت اناقشه في سيناريوهات التغيير وكان رأيي ان لابد من دفع الجيش لاستلام السلطة وعزل النظام ومن ثم التفاوض معه لاستلام السلطة ففي النهاية نظام البشير نظام انقلابي وليس نظاما مدنيا فكان مصرا ان ذلك مرفوض ورأيه النهائي و باصرار شديد ان الجماهير يجب ان تواصل مسيرها حتى تدخل القصر وتستلم السلطة فكانت دهشتي كبيرة و قلت في نفسي هل يعتقد هؤلاء ان هذه السلطة كيس ملاح لتستلمها الجماهير مباشرة من القصر؟ ورأيي انه لابد من قوة نظامية تمتلك القوة وتمارس سلطة القبض و الاعتقال والسيطرة وتطبيق القانون ثم التفاوض مع ممثلي الجماهير لاستلام السلطة ولكن للاسف اكتشفت ان لدى بعض قادة احزابنا افكارا غريبة وغير عقلانية تماما ولا تمت للواقع بصلة ويبدو انها ستقود الوطن الى كارثة محققة ان لم يتم التصدي لها بوعي وما لم تتغير هذه الذهنية فاننا سندور في حلقة مفرغة ….
في الاوسط حتى 10 ابريل تبقى من المعتقلين شخصي والاصم واحمد ربيع وعطا حسين و7 من شباب بورتسودان الذين اعتقلوا في منتصف مارس وتم ترحيلهم الى كوبر كما تبقى معنا من الاقتصاديين حوالي 5 حيث افرج عن معظمهم ونمنا ليلتنا الاخيرة ونحن نحلل الاوضاع ونتوقع كل شئ وفي كل لحظة واذكر اني اخذت احد الجلاليب الجديدة من التي احضرت لمعتقلي بورتسوان لانهم لم يحضروا معهم ملابس فأخذتها وقمت بتمزيقها وسط دهشة الجميع وكنت افكر ان اكتب فيها شعارات الثورة كلافتة نحملها عند خروجنا وفكرت ان اجد حقنة اسحب بها دما لاجل الكتابة توقعا للخروج في اي وقت منتصرين وكنت اقول للجميع ان الجماهير ستأتي وتحاصر كوبر وتخرجنا ولكن لم نجزم بانه غدا ولذلك لم تتم فكرة الافتة للنهاية فلم اجد في تلك الليلة حقنة ولا زلت احتفظ بتلك القطع من الجلابية
فجر الخلاص وقد صليناه حاضر بحق
11 ابريل الاغر فجرا صحينا على اصوات الجماهير وكانها داخل السجن هتافات متصاعدة وطبول وموسيقى وزغاريد
الجماهير تحاصر كوبر
هدير المواكب
ابواغ السيارات يقترب …..
هتافات تتعالى ……
وقد اختفى الامنجية تماما عن اعيننا حتى صوت مجدي الامنجي الذي ينادي عادة …. الصلاة الصلاة (ركعتين ينفعنك بعدين قد غاب) ظللنا على الشبابيك نردد الهتافات …..
دموع تسيل وعناق حميم ويمر الوقت ثقيلا ثقيل وفي حوالي الثامنة والنصف جاء احد الامنجية واكد لنا ان الجماهير تحاصر كوبر وان هناك تغيير او بيان سيذاع
و بعد قليل جاء اخر بكشوفات باسماء بعض المعتقلين ثم ذهب وجاء بكشف اخر فيه اسماء اخري ولم يتبقى سوى الرفاق الاقتصاديين ال 5 لم تذكر اسماءهم ثم طلب منا كل زول يجهز كيسوا
وبعد قليل جاءوا وفتحوا البوابة وطلبوا منا الخروج ودعنا احبابنا الاقتصاديين بألم كبير واكدت لهم ان المسألة مسألة وقت فقط وبالتأكيد قد فسر الامنجية الامر خطأ فانا اكيد ان القرار بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين يشملكم فاعتقالكم اصلا سياسي من نظام بائد ذهب الى مذلة التاريخ فستكونون احرار قريبا
ودعناهم مع التطمينات والامنيات
وخرجنا من الاوسط وجاء معتقلوا الكرنتية والنخلة والشرقيات والتقينا جميعا وفي هذه اللحظة كان مع الامنجية عدد كبير من ضباط شرطة السجون وهو امر غير معتاد اصلا وقد استلمنا ضباط السجون من افراد الامن وقادونا الى بوابة كوبر ونحن نهتف بهتاف ثورتنا فاذا بالجماهير متراصلة تحاصر السجن من الجانبين الشرقي و الشمالي تماما وقادنا رجال الشرطة حتى الطريق الرئيس وتركونا وهناك التقينا بالجماهير وعانقنا الحرية والاحرار و الهتاف وحملتنا الجماهير على الاكتاف والموسيقى (واذا الفجر جناحان) و زغاريد الفرح ودموع الفرح
وصراخ لقاء الاحبة
حرية سلام وعدالة والثورة ثورة شعب
وهكذا انتصرت الارادة والعزيمة على القوة والجبروت وآلات القهر
وسقط نظام القتل والفساد ولازال امامنا طريق طويل لتحقيق شعارات واهداف ثورتنا لن تتحقق الا بوحدتنا وتلاحمنا كما كنا والترفع عن المكاسب الذاتية والحزبية الرخيصة فهذه ثورة عظيمة بذلت فيها دماء غزيرة تطاول عهدها 30 عام من التدمير والابادة والقمع وانتهاكات فظيعة لحقوق الانسان جاهد فيها المناضلون بالسلاح وبالكلمة والارواح وبالاعتصامات والتظاهرات والوقفات الاحتجاجية والعصيان ومسئولينا تضامنية تجاه هذه الاجيال والاجيال القادمة واي تفريط في اهداف هذه الثورة يشكل جريمة و سنكون جميعا شركاء فيها

المجد والخلود لشهداءنا الاماجد
الشفاء العاجل لجرحانا
و العودة الظافرة لفقدانا ……
و القصاص العادل و المحاسبة الرادعة لكل من اجرم في حق الشعب والوطن واسترداد اموال شعبنا المنهوبة واجب ثوري واخلاقي المتنازل او الساكت عنه خائن خائن خائن …..

10 /4 / 2020 م

التعليقات مغلقة.