منظمة الدعوة الإسلامية: ولماذا كنا دولة مقرها أصلاً؟ (2-2)

  • 15 أبريل 2020
  • لا توجد تعليقات

د. عبد الله علي إبراهيم

(تسابقت الدوائر المعارضة للثورة في التلويح بأن تفكيك منظمة الدعوة الإسلامية باطل لأن السودان دولة مقر لها فلا سلطان لها عليها. ولي قول عن هذا الزعم بعيداً عن الحجة القائمة على أن المنظمة لم توقر سياسة أو سياسات دولة المقر وركبتنا عري. وقولي نظرة جذرية كتبتها قبل 32 عاما لندوة للشباب العربي انعقدت في الخرطوم في نوفمبر 1987. وكان عنوانها “العروبة والإسلام في السودان بين الرعاة والدعاة” نشرتها في كتابي “الثقافة والديمقراطية) (1996). وكانت مسألتي في الورقة عن مخاطر اختيارنا كدولة مقر لعديد من المنظمات العربية والإسلامية الجامعة (منظمة الدعوة الإسلامية، منظمة الإغاثة الإسلامية، المركز الإسلامي الأفريقي، ومعهد تعليم العربية لغير الناطقين بها سابقاً). ورددت السبب في اختيارنا لا لسماحة وجهنا بل إلى عقيدة إسلامية وعربية في أن السودان هو ثغر الإسلام والعروبة وجسرها إلى افريقيا. بل لربما سعت أطراف منا لتسويق هذه الصفة للسودان للتربح.

وأنشر هنا الجزء الأخير من المقال القديم وسترى أنني تنبأت في 1987 بدولة يحكمها كادر منظمات الدعوات الإسلامية والعربية. ولم يقع كلامي أرضاً. وكانت الإنقاذ التي سجلت ميلادها نفسه في استوديو منظمة للدعوة. ولم تنفطم. ونوالي في هذا الجزء ضروب الخراب التي حلت بالوطن نتيجة تكييفنا ك “ثغر” للإسلام في أفريقيا نحن فيه ب”الوكالة” لا “الأصالة” عن أنفسنا. ووجدت بعض العرب في مؤتمر في 2012، لما تخرب وطننا بانفصال الجنوب، يبكتوننا كتلاميذ خائبين في بناء الأوطان. وبالطبع سمعوا مني ما لا يرضيهم في ذلك المؤتمر نفسه على بينة من كلمتي هذه).

فإلى الجزء الثاني من المقال
يجب الإقرار أن الجماعة العربية الإسلامية، بفضل مهمة الدعوة الموكلة إليها، قد انتهت إلى منهج خاطئ حيال ديمقراطية التساكن القومي بالسودان. وفيما يلي أُجمل أنواع الكساد والبوار التي ترتبت على ذلك:
1-أدت وظيفة الدعوة موضع النقاش إلى تشويهين كبيرين في بناء الدولة السودانية:
(أ) في أكثر الأحوال لا ينبثق المطلب لإرساء الدولة المسلمة في السودان من حاجة باطنية للمسلمين تجسد أشواقهم للتقوى والعدل الاجتماعي. فقد كان، ودائماً، لحاجات الجهاد والتبشير الخارجية اعتبار عظيم في هذا المطلب.
1. لقد أصبح من الصعب عند الكثيرين ممن تشرَّبوا منا وظيفة الدعوة القومية العربية والإسلامية أن يوازنوا بين مهمتهم كرجال دولة مسئولين عن جماعات وطنية متباينة الثقافات، وبين مهمتهم كدعاة دعوة مخصوصة. وكثيرًا ما تغلَّب الداعية على رجل الدولة وهذا ما يفسر التوتر بل الإخفاق الذي لازم بناء الدولة السودانية لعقود ثلاثة. وقد لمس السيد جون قرنق، زعيم ما يسمى بجيش وحركة تحرير شعب السودان (الذي اتفق معه في مظالمه واختلف معه في جملة تكتيكاته)، هذه المفارقة بفطرة سليمة. فقد قال قرنق: إن رجال المجلس العسكري الذين حكموا البلاد بعد سقوط نميري بفضل ثورة أبريل 1985، أرادوا استرداد مدينتين وكان جيشه قد سبق واستولى عليهما. وقد أراد المجلس العسكري، في زعم قرنق، أن يسترد المدينتين قبل بدء مفاوضات (كوكا دام) الشهيرة التي دارت بين أحزاب وجماعات من شمال السودان وجنوبه، وبين حركة قرنق لإحلال السلام في جنوب السودان. ولغاية هذا الاسترداد زعم قرنق أن رجال المجلس العسكري توجهوا إلى أقطار (عربية) مجاورة ليقولوا: إن العروبة والإسلام في خطر من جراء نشاط حركته. وأضاف قرنق: “انتبهوا فليس السودان هو الذي في خطر إن الذي في خطر هو الإسلام والعروبة”. أراد قرنق أن يقول: إن العروبة والإسلام هما بعض فعاليات السودان، لا الفعالية الوحيدة في السودان. فالذي خرج يستنفر القوم إلى نصرة العروبة والإسلام في الذي اقترحه قرنق، هو الداعية لا رجل الدولة: والذي نخشاه أن يأتي مستقبلاً للحكم في السودان أفراد من الطاقم الذي تدرج وتربى في مؤسسات الدعوة القومية العربية والإسلامية (بشروط خدمتها الميسرة فأجرها بالدولار وضرائبها معفاة وعلاقاتها المهنية تتسع إقليمياً وعالمياً) الذي تعمق عنده أن الجماعة العربية الإسلامية في السودان موجودة حيث هي بالوكالة عن العرب، والمسلمين، لا بالأصالة عن نفسها. فما نخشى عليه، في هذا الباب، أن تتدهور أكثر فأكثر العلاقة بين الدولة والدعوة إذا قاد كادر الدعوة هذه سدة الحكم.
1. موقفنا في الجماعة العربية السودانية في اشتراط التعريب والإسلام للتساكن القومي في السودان أدى، ويؤدي، إلى إفقار فكري شديد للخبرة العربية الإسلامية. فقد كان المأمول أن يثير تباين اللغات والثقافات في السودان شغف الجماعة العربية الإسلامية للتعرف على إشكالات وجماليات وسياسات هذا التباين. وهو شغف من شأنه أن يولد علماً عربياً إسلامياً رصيناً في السياسة واللغة والاجتماع وغيرها. فقد كان المنظور أن يتأمل هذا العلم، من معطيات عربية إسلامية، هذه الظواهر الإنسانية الرصينة التي لامستها هذه الجماعة العربية المسلمة في أفريقيا. فمن آيات كسادنا الفكري البليغة انقطاعنا عن هذا الفحص الصعب، واكتفينا بملاحقة الجماعات الأفريقية لتبديل جلدتها الثقافية أو ليقبلوا صاغرين درجة ثانية من المواطنة في بلدهم.
2. أصبح حتى القدر الذي ترضى أن تأخذ به الجماعة الأفريقية من الثقافة العربية متهماً في نظرها. فأعداد متزايدة من الجنوبيين في بلدنا تميل حالياً نحو قبول اللغة العربية كلغة للتفاهم القومي العام في السودان. فقد جاء عند جون قرنق مثلاً: “لا يصح القول: إن العربية هي لغة العرب، لا. فالعربية هي لغة السودان”. ولكن التاريخ الخاص الذي ربط فيه الدعاة ربطاً وثيقاً بين نشر العربية ونشر الإسلام أدى إلى ما أدى إليه من تشكيك. يقول د. عشاري، عن هذا التاريخ الخاص لتلازم عمليتي التعريب والأسلمة ما يلي:

“إن تعريب جنوب السودان قد ارتبط في مسارات تنفيذه التاريخية وفي إرهاصاته الآنية ببعد إسلامي. كما أن أسلمة البشر والمؤسسات السياسية قد ارتبطت بطريقة مباشرة قاصدة أحياناً، وبطريقة ضمنية أحياناً أخرى، بالتعريب. وقد انعكست هذه العلاقة اللازمة بين الأسلمة والتعريب في أشكال ردود الفعل الجنوبية على الأسلمة وعلى التعريب كل على حدة أو كليهما مجتمعين. فأصبح رفض الجنوبيين للأسلمة عنصرًا من عناصر الرد على التعريب. كما أن الخطاب (أي القول والرأي) الجنوبي الذي تصدى لرفض الأسلمة والإسلام والدستور الإسلامي وحكم الشريعة الإسلامية قد اشتمل على بعض الرفض للتعريب”.

فالجماعة الجنوبية على حق حين ترى أن رضاءها بقبول العربية، كلسان مشترك للسودانيين، لا ينبغي أن يترتب عليه تحولهم إلى عقيدة أخرى.

هناك طريقتان مطروحتان لجدوى ومعنى مساهمة الجماعة العربية الإسلامية السودانية في السودان وأفريقيا. هناك طريقة الذين روجوا ليكون وطنهم موطن هذه الجماعة (السودان)، رأس جسر يقفز منه الإسلام والعربية إلى أفئدة ولسان الأفريقيين. وهذه طريقة الدعاة الذين فتحوا السودان لمؤسسات الدعوة العربية الإسلامية لتعينهم ويعينوها على دعوتها. وطريقة الدعاة هذه ترى أن الجماعة العربية موجودة في السودان بالوكالة عن العرب المسلمين لغاية نشر الإسلام والعروبة. وهناك طريقة أخرى ترى أن الجماعة العربية الإسلامية السودانية موجودة في السودان بالأصالة، أي أنها ليست بعثة تبشيرية موفدة إلى رباط في السودان. وهذه الطريقة ترى أن أفضل نهج لهذه الجماعة أن تستقي خبرة الإسلام والعروبة لتبني، بفراسة وفطرة، الوطن العربي الأفريقي المتباين الشائك في السودان. وترى هذه الطريقة أن نجاح هذا البناء يعطي الإسلام والعروبة مصداقية قليلاً ما وقعت لهما في تاريخنا الحديث. وهذه الطريقة اسمها طريق الرعاة في معنى أضيق مما أراده النبي صلى الله عليه وسلم في (كلكم راعٍ . . .) وسيحتاج الرعاة إلى هذه المصداقية حاجة كبيرة لأنها أساس كل دعوة ناجحة.

تجد أدناه مقالة عالية التوثيق من عام 2018 عن كيف تدامجت الإنقاذ ومنظمة الدعوة كيانين في لباس واحد.

http://www.sudanile.com/105140

IbrahimA@missouri.edu

التعليقات مغلقة.