المعلمون ..عندما يبكى النبلاء

  • 27 مايو 2020
  • لا توجد تعليقات

حيدرمحمدعلي

  • قبل سنوات خلت كتبت مقالا في آخر لحظة عن معاناة المعلمين. وتأخير المرتب وقلت هو دريهمات لاتكفي المعلم لأيام معدودات فكيف يتأخر سداده رغم ذلك.. ولكني لأسبوع كامل ظللت أتعرض لهزات ارتدادية للمقال بدأت بإتصال قادة النقابة والحزب المحلول في التعليم ..(م .ح) ثم (م ـ ج)ثم (ش ـ م)وهم مازالوا موجودين بيننا …كلهم رددوا جملة واحدة. ( ناس الأمن بسألوا عنك وعن ماكتبته) ..وكان ردي للثلاثة واحد (أنا كتبت رأي في الصحيفة لا بورت الإعلانات في وزارة التربية.. وناس الأمن ملفي عندهم ولو عايزني عارفين مكاني)..وقد كان… فتم استدعائي.. واتهمني (الشافع) الذي استدعاني بأنني محرض للمعلمين.. فسألته وهل بقي بالتعليم معلمين احرضهم ..لقد ابتعد أغلب المعلمين عن المهنة ولم يبق إلا عدد قليل لاحول له ولاقوة ولا يجدون حق الصحف ليطلعوا عليها فيحرضهم مقالي…. والأكثرية باتوا في المهنة من اخواتنا المعلمات..ومعلوم أنهن مشغولات بأسرهن…وليس منهن خوف عليكم(وطبعا لم أكن اتخيل ماستفعله الكنداكات يوما مشهودا)…وبعد مجموعة من العبارات (البايخة وغير المهذبة)..تركني أغادر مكاتبهم البغيضة .. بعد تحذير شديد اللهجة.
  • مرت سنوات.. جرت مياه كثيرة من تحت الجسر ..كنا حين نضرب. عن العمل على قلتنا حسب جداول التصعيد التي كانت تمهد للثورة.. مثل الذي كان في نوفمبر قبل أعوام لثلاثة أيام.. ..كنت اعود للمدرسة بعدأيام الاضراب لأجد اسمي مسجلا حضورا مشرفا.. فقد كان مديرو المدارس يستبقون حضور أعضاء النقابة لتسجيل أسماء المضربين ويوقعون لنا حضورا.. محاولة حمايتنا من بطش النظام (هكذا أحسنت الظن بهم).
    لم يكن جل السودانيين يعلمون الكثير عن وضع المعلم.. وكنا نرى ذلك عندما ندخل في جدال الأسعار مع التجار في السوق…ففجأة يسألونك عن المرتب ..وتكون الدهشة في عيونهم. حين يسمعون أن معلما ظل يدرس لـ37 عاما لايتجاوز مرتبه 3500 جنيه.. وأذكر أنه قبل أشهر معدودة طلب مني أحد (الفريشة) الذي يبيع البصل أن أعمل معه وسيعطيني مرتب الشهر في أسبوع(تصدقوا).
    كان المعلمون قبل الإنقاذ من أفضل فئات الموظفين مكانة اقتصادية واجتماعية.. وكانت لهم امتيازات الإعارة والانتداب بعدالة. ..وكانت لهم وظيفة الملحق الثقافي في أي سفارة للبلاد في العالم الواسع ولهم تغنى الروائع …فجاءت الإنقاذ ..وجعلت الإعارة والانتداب بالولاء وحرمت الكثيرين من الانتداب وعمل الامتحانات في المدارس السودانية بقطر ومصر والسعودية وباكستان وإيران وتشاد وجعلتها حصرا على الكيزان وأهلهم…
    وجعلت المعلمين في الدرك الأسفل من سلم الخدمة المدنية….وكم إحزنني أن أجد من علموني (متعهم الله بالصحة والعافية) يمتطون الدراجات الهوائية (العجلات الواااحدة دي)بعد سن المعاش يبحثون عن العمل في المدارس الخاصة…في وقت يتمتع فيه الملايين من تلاميذهم بالحياة الرغدة والسيارات الفارهة ..لأنهم عملوا في وظائف ميزتها الإنقاذ على غيرها من المهن ..
    الآن وبعد أن استجاب الله العادل لدعوات المظلومين والمكلومين والأرامل والأيتام ونزع الملك من الظالم الجاهل وعصابته…بدأت حكومة الثورة في إعادة السودان للسودانيين.. وبعد العمل على تفكيك نظام الظلم وإعادة الحقوق لأهلها… بدأت الإنجازات العظيمة للثورة وحكومتها بإعادة العدالة للموظفين في الخدمة العامة والمساوة بينهم.. ومن أجمل ماترتب عليها أن المعلمين بين ليلة وضحاها تمت مساواتهم لأول مرة بعد ثلاثين سنة ببقية المهن في البلاد (مساواتهم لاتمييزهم)..وذلك بعد إشاعات وإشاعات مضادة أتعبت المعلمين والمعلمات..
    وتحكي النكتة المتداولة أن رجلا كان متخاصما مع أخيه فذهب للمحكمة شاكيا ووقف أمام. كاتب العرائض الذي سمع منه الحكاية وصاغها قانونية.. وعرضها عليه فما أن قرأها حتى بكى فسأله (العرضحالي) مالذي يبكيك? أجاب ماكنت مفتكر أخوي ظالمني قدر كده.
    الآن ما أن استلم المعلمون المرتبات التى قفزت من 3500 إلى18000حتى نزلت دموع بعضهم غالية ..عزيزة من كرام قوم لم يكونوا يعلمون أن الإنقاذ كانت ظالماهم. قدر ده…
    نزل دموعهم ليس حبا للمال ولكنهم لأنهم أحسوا بعودة إنسانيتهم. المنتهكة واحترامهم المسلوب لسنوات.. رأوا من حكومة الثورة المنقذ بعد الله من ذل الدين ..ومن انكسارهم أمام أطفالهم حينما كانوا يشتهون أن يتذوقوا طعم البيض أو لون المانجو ..وشكل اللحم المشوي..
    من لم يعمل في هذه المهنة لايعلم ماكان يعانيه اهلها في صمت نبيل دون شكوى ..ودون تذمر ..ودون أن ينعكس على تلاميذهم وأسرهم…
    والمؤلم حقا أولئك الذين ظلوا ينتهكون ادميتنا لسنوات وبعد أن نزع اللهم الملك منهم.. باتوا يسخرون من. الزيادة وأنها لن تفيدهم وأن الأسعار ستبتلعها
    ..وكأنهم يشفقون على المعلمين أو يرجون لهم الخير…جعل الله كيدهم في نحرهم
    معلمو بلادي الآن مقبلون على عهد جديد في عدالة التعامل وإعادة هيبة التعليم …وإعادة ميزانية المدارس ونثرياتها ومعيناتها…لينتهي عهد (شحدة) الطباشير..وأقلام التصحيح والكتب.. وعليهم أن يعودوا لمدارسهم بروح جديدة ونوايا صادقة للعمل بالإخلاص والصدق المطلوبين ..ولاأعتقد أنه سيكون هناك من يهلك نفسه في دروس خصوصية….أو عمل إضافي… وأرجو من المحبطين الذين أتعبتهم. الفطامة من المال المسفوح…أن يتقوا الله ويتركوا المعلمين في حالهم.. فإنهم بناة الأمة وأمل نهضة البلاد.. من أجل إنقاذ الوطن ورفعته …ألا هل بلغت اللهم فاشهد.
الوسوم حيدرمحمدعلي

التعليقات مغلقة.