المؤتمر العلمي للدولة والثورة

  • 01 يونيو 2020
  • لا توجد تعليقات

د. وجدي كامل

أطلت علينا سنوية الثورة في ظل إعصار عاتٍ تمثّل في مشكلات صحية، واقتصادية، وسياسية معقدة تكاد تطيح بمكتسبات حققتها الثورة هنا وهناك، من دون أن تكتب استقراراً يحولها الى رصيد ثابت يُعتدُّ به.

وقد ظللت أنادي عبر مقالات ومنشورات متنوعة إلى أهمية المراجعة النقدية لبنية الدولة، ووظائفها، في ظروف سياسية ثورية جديدة؛ بغية التوصل الى مفاهيم حديثة مبتكرة، وحداثة تطبيقية تتبع وصفات واقعية قابلة للتحقق والتنفيذ.

عبرت عن ذلك بنحو او آخر في ورقة بعنوان (الثقافة بين النكبة والنهضة)، نُشرت بالعدد الفائت من مجلة “كتابات سودانية”، وقدمتها محاضرةً باتحاد الكتاب السودانيين قبل أشهر، كما كتبت مقالات عن الموضوع نُشرت بصحف ومواقع أسفيرية متعددة تحت عدد من العناوين: (العقار الشرير) و(ممر الثقافة الموحش) و (اليتم الإعلامي للجهاز التنفيذي) و (شقاء العبور والنجاة) و(خزي التاريخ الحرج وفرص العبور) و(ما يجب أن يُقال لسلطة الانتقال) وغيرها.

في هذه السانحة، واعتماداً على راهن الأزمة المتفاقمة بمكونات الحرية والتغيير في إطار علاقاتها بالدولة، وعلاقة الدولة بالثورة وبالعكس، أود التقدم بمقترح قيام مؤتمر علمي مصغر للثورة عبر الحاضنة السياسية “قوى الحرية والتغيير”، والجهاز التنفيذي بمجلسيه ما بعد المصفوفة الأخيرة؛ لمراجعة الأداء العام بجميع القضايا، والعلاقات، والمتعلقات للتعرف إلى جوانب الإيجاب والسلب؛ بغية النجاة من الأخطاء، ومن ثم مراكمة الإنجازات المحققة، وتحويلها إلى خبرة ثورية وطنية، تفتح المستقبل على تطور أفضل ونوعي.

ماذا نعني بالمؤتمر؟

نعني به الجمع أو التجمع الذي يضم سائر الممثلين للقوى السياسية، والمدنية، والمنخرطين في العملية السياسية من أقسام الحكومة أو سلطة الانتقال، مثل: المختصين في الشؤون العلمية السياسية، وأصحاب المبادرات الحرة، ليتوافر لهم إطار من الحوار والنقاش المتبادل، بتحديد الموضوع الرئيس، الذي نقترح له أن يكون بعنوان: “عام على الدولة والثورة”.

ماذا نعني بالمؤتمر العلمي؟

تشير العلمية هنا إلى الرغبة في إخضاع العملية السياسية الجارية بعد الثورة للمعايير العلمية والقانونية من ناحية مقابلتها وموازنتها بواقع وحقائق الثقافة العلمية المعاصرة السائدة، كما في الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بمشكلات تطبيق المفاهيم والثقافة العلمية السياسية على العملية السياسية، على أن يجري تقديم أوراق علمية تشتغل على الأسئلة والموضوعات ذات الصلة.

إننا نحتاج – في مثل هذا الظرف الدقيق من تاريخ السودان – إلى إثارة النقد  العلمي العميق والمعمق  للعقل السياسي السوداني في مساراته وتطبيقاته المتعددة، ومن ثم التوافق على برنامج بالغ الوضوح لمعالجة الموروث من المشكلات، ووضع الحلول القصيرة، والمتوسطة، والطويلة الأمد، عبر تنظيم عمل مؤسسات الدولة، بمطالبتها بتقديم خطاب مفصل عن طريق وزرائها، ليقدم ويعكس تصوراتهم، وخططهم من خلال برامج  متخصصة تتأسس بالاستعانة من السودانيين الموجودين بالداخل، والخارج، كلٍ حسب مجاله.

ذلك ما سيساعد على الخروج بخطة عملية، تطبيقية، تفصيلية تفي بالاحتياج العظيم إلى الإصلاح والتطور، ومن ثم، كتابة ديمومة، أو استدامة الثورة، والقضاء على سائر المخلفات السالبة المعيقة لتطور العلاقة بين الدولة والثورة.

قد يستغرب بعضنا إذا قلت إن الانقاذ ليست سوى عقبة مرحلية يمكن تجاوز حواجزها بتضافر الجهود الوطنية الحالية، ولكن العدو الحقيقي الذي يواجهنا، ويستحق الدحر والطرد والإقالة، وبلا مراء، يتجسد في العقل السياسي السائد الذي كانت الإنقاذ نفسها واحدة من تحوراته الوراثية الارتدادية.

وبمعنى آخر يؤكد عمق وأصالة احتياجنا إلى عمل دؤوب يستهدف تشريح العقل السياسي المتكون منذ بدايات الحركة الوطنية السودانية، وتربيته لثقافة سياسية متحيزة وأحادية ظللنا نتوكا عصاها، ونتسكع بها عبر دروب السياسة الشاقة والشقية بثقافتها، منذ نيل الاستقلال، فلا نجد وقتاً أو جرأة كافية لفحصها ومراجعتها نقديًا خارج أحوال، ومعادلات الحروب الحزبية، والصراعات الأيديولوجية، إلا فيما ندر، وأنجزه بعضنا من المثقفين النقديين الممتازين.

فأكثر ما يؤثر ويثير ملاحظة الباحث في كل ذلك هو عدم القراءة لمنتجات العقل العلمي النقدي، بمذاكرة مكونات المجتمع السياسي ذات الخصائص من التنوع النشط في الواقع السياسي، عبر جهوده الموثقة، التي أبرزتها المؤتمرات، والورش، والمحاضرات، والمطبوعات التي غطى فيها السودانيون الثغرات، ومشكلات دولة ما بعد الاستقلال، أو كوابح تطور الدولة الوطنية المدنية. 

في مقدمة ذلك نجد ما قام به مركز الدراسات السودانية طيلة سنوات حكم الإنقاذ من إصدارات مهمة لعدد من السودانيين النبهاء، وفي مقدمتة ذلك الإصدارة الخاصة بمرور ستين عاماً على الاستقلال، وكذلك مؤتمرا الازمة السودانية بالدوحة بتنظيم من معهد السياسات العربية، وكذلك مؤتمر الحداثة بالشارقة.

لا أحد من السياسيين الحركيين النشطاء، وشاغلى المناصب، والمسؤوليات السياسية يستدعي الآن، أو يعمل على قراءة ذلك العمل المخلص الجبارالذي قامت به حزمة من الباحثين السودانيين الكُثر، عبر مؤلفات لا تخطئها العين، وقد رفدت المكتبة السودانية بجملة من المؤلفات ذات الفائدة في تشريح المشكلات، أو المعوقات والإعاقات التي تواجه سؤال التطور الوطني.

إن ما يجوز قوله إن مرور نحو ثلاثين عاماً من الحكم الجائر كانت قد أنتجت – وفي تعبيرات المقاومة النقدية العلمية و الثقافية – مئات المقالات والأوراق والبحوث والمؤلفات، من كتب عملت على دراسة الخطأ السياسي، وانعكاساته على المسارات المتعددة للعمل.

كان بالإمكان تأسيس إدارات أو مكاتب تختص بالبحث السياسي العلمي، بتفعيل علاقاتها بأفسام وكليات العلوم السياسية، وبمراكز البحوث المحلية والإقليمية الأفريقية والعربية ذات الإسهام المتميز في مجال خلق وإنتاج الوصفات العلمية الدقيقة؛ لاستخلاص كل ذلك، مع عمل نقدي حفري شجاع في تنمية وترقية المؤسسات السياسية.

الآن وبعد الثورة، وبعد مضي عام على اندلاعها، وقرابة العام على تشكيل الحكومة الانتقالية، تتزايد أهمية ذلك الواجب الصامت، وبشكل خاص، حتى يكتب فصلاً جديداً في الفكر، والممارسة السياسية السودانية.

إن عدم القيام بذلك على النحو الصحيح والسريع لا يسهم فقط في الإصابة بالعمى السياسي، وإنغلاق المفاهيم العامة الموجهة، ولكن يساعد أكثر على قراءة نقدية ذاتية مفيدة تؤمن على اهمية المراجعة النقدية للتجارب المتنوعة، وتؤيد العمل بالنتائج العلمية، بانصراف فورى دون قيد أو شرط لمراجعة الأعمال والشؤون المؤجلة؛ أملاً في عدم إعادة صناعة الفشل السياسي أو إعادة اكتشاف بصمته. 

إثارة هذه المعضلة – وفي هذا التوقيت الحرج الدقيق – تغدو من الأهمية بمكان؛ لأجل تحقيق الدولة المدنية الديمقراطية، التي لا تتاسس دون الاعتراف الجمعي للمؤسسات السياسية بوجود أخطاء قاتلة وموحشة في تجربتها التطبيقية فيما بعد الاستقلال، وأن التوافق على المصطلحات، و الأسئلة، والروابط، والإشتباكات النظرية بينها وبين علاقة الدولة بالثورة مهمة لا فكاك منها، أو تنصل من أجل النهوض والتقدم.

الوسوم د.-وجدي-كامل

التعليقات مغلقة.