الطريق الصحيح

  • 28 يونيو 2020
  • لا توجد تعليقات

د.أحمد إسحاق يعقوب


 
يجمع معظم الفلاسفة والمفكرون، في حقيقة أن الوظيفة تخلق الأداة، وليس العكس، وفهم هذه القاعدة العلمية بهذه الكيفية أمر في غاية الأهمية، لأن ترتيب حياتنا على أساسها يجعلنا نقف عند بداية الطريق، وليتسنى لنا المضي قدما لبناء حياتنا، ولتكييف وجودنا، في هذ الكون. وقبل أن أمضي بعيدا  في هذا الشأن، عزيزي القاريء، لعلها من نافلة الحديث،الرجوع إلى منطوق نظريتنا، لنعرف كيف تخلق الوظية أداتها؟ فمثلا  ما الذي دعانا لنصنع السكين؟ والجواب هو حاجتنا إلى القطع. ولماذا نشييد المدارس؟ الجواب هو لحاجتنا إلى التعليم، ولماذا نشييد المستشفيات ؟ الجواب، هو أكيد لحاجتنا إلى العلاج. فبالرجوع إلى الأمثلة السابقة تتضح لنا أن وظيفة القطع حددت لنا إيجاد السكين، لأداء مهمة القطع. وكذلك الحاجة للتعليم كوظيفة، حددت لنا تشييد المدرسة كأداة لأداء وظيفة التعيلم، وقس على ذلك كل الأدوات التي نستفيد من مهامها، في أداء الوظائف المختلفة، فنحن لم نصنع السكين أولا، ثم  قمنا ببحث ما يمكن أن نفعل بالسكين، لنتفق أخيرا أن نستخدمه في القطع، ولكن منذ البداية عندما واجهتنا مشكلة القطع، عرفنا أن الأداة الوحيدة لأداء هكذا مهمة هو السكين، وقس على ذلك كل الأدوات التي تؤدي وظائفها على أكمل وجه. فالوظيفة التي ببررت خلق الله لنا كجن وإنس، كما وضح سبحانه في كتابه (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون* ما أريد منهم من رزق ولا أريد أن يطعمون*إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين)، سورة الزاريات، الأيات من56 الى 58.

  تقوم الأداة بالمهام التي أنيطت بها، والوظيفة التي وجدت من أجلها، والتجويد في أدائها، وهي المسؤلة عن جوانب القصور فيها. فإذا فشل الطبيب مثلا في علاج المرضى، فلا يمكن أن نلوم رجل الشرطة بالتقصيرفي المعالجة بدلا عن الطبيب، بل نلوم الطبيب. لأن مهمة العلاج، ليست وظيفة الشرطي أساسا، ولا الشرطي بالمسؤل عنها.  الطبيب هو المطلوب منه، أن يصل بمهنة الطب في البلد إلى أعلى مستويات الكفاءة، أن يكون السودان بلدا يقصده الناس للإستشفاء فية، لبراعة أطبائه، ولبلوغهم بمهنة الطب في البلد إلى أعلى درجات الكمال. ولو خرج أطباء السودان من المستشفيات، تاركين مهمتهم في علاج الناس، لمهنة أخرى، أيا كانت المهمة الأخرى، كأن  يذهبوا إلى الحدود دفاعا عن الوطن مثلا! فحتى لو أنهم أي الأطباء،حققوا الإنتصارات الباهرة، فإن ذلك المنهج يعتبر خطأ جسيما، وأنهم محاسبون لتركهم المشافي بلا أطباء، وإخفاقهم فيها،ولا يعفيهم ذهابهم للحرب، عن تقصيرهم في مهمتهم الأساسية، وهي علاج المرضى في المستشفيات.  

الحقيقة أن وظيفة الدفاع عن الوطن وحماية الشعب، هي مهمة قواتنا المسلحة وهذه هي الوظيفة التي وجدت لأجلها قواتنا الباسلة، فمجال إبداعاتها، هو صون الوطن والتفوق في العسكرية على الساحة الدولية في أن يكونوا أقوى جيش في العالم. لكن إذا ترك جنودنا البواسل، حدود البلاد نهبا للأعداء في حلايب، وشلاتين، والفشقة، وتركوا جزءا عزيزا من الوطن ينفصل (جنوب السودان)،ودخلوا القصر الجمهوري في الخرطوم، وأصبحوا قيادات – رؤساء، ووزراء  مرموقين-، ستظل الحقيقة الهامة، هي أنهم تركوا واجبهم الأساسي وهي أن الدولة أهلتهم لغير هذا الوظائف الجديدة والمناصب التي تقلدوها، والأفضل للجميع، أن يقوم كل فرد بالعمل الذي تأهل له. أما تولي السلطة في دولة محترمة، فعادة تكون بعد خلع البذة العسكرية بالنسبة للنظامي ومن خلال إنتخاب حر مباشر نزية بعد المنافسة الشريفة مع الآخرين، وفق برنامج سياسي أقنع الناخبين .
 
وإلا فعلى من تقع مسؤلية تاهيل الجيش السوداني، ليصبح أقوى جيش في العالم، وهذا هو المبدأ الأساسي لإنشاء جيش وطني، يحمي الوطن بإقتدار ولا يفرط في شبر من أرضه ولا يتنازل عن ذرة من رمال صحاريه وأن يقف ندا لأي جيش في العالم، ولماذا يكون سقف طموحاتنا في كل مجال، أقل من منافسة  الكبار؟ ولماذا نرضى بالدون؟ بينما نحن واثقون بقدرات شعبنا، وبموارد بلدنا. نعلم يقينا أن هذا الموقع الذي نحن فيه الآن، أقل بكثير من إمكاناتنا، ودون قدراتنا المادية، والفكرية، وطموحاتنا في الوصول إلى أعلى الدرجات في كل شييء، لأن شبابنا يعرف تماما أن مكانه مع الكبار ولابد ان يقف ممثلهم مع ممثلي الدول العشرين الكبار في العالم على الأقل.

ترتيب أمورنا وفقا لنظرية الوظيفة تخلق الأداة، يجعلنا قادرين على تصحيح حالة السودان الراهنة، بوقوف قواتنا المسلحة أمام الحكومة المدنية بدلا من الوقوف خلفها، ما يجعلنا نبدو كمن وضع العربة أمام الحصان، وتوقف عن السير للأمام، هذه الحالة التي نعيشها الآن، لا بد أن تتغير لو أردنا أن نتقدم، ولا بد لنا من تحويل العربة من الأمام الى خلف الحصان، كي نتقدم، ولن نستطيع ولن نتمكن من التقدم، إلا إذا تركنا كل أداة تؤدي وظيفتها التي خلقت لأدائها، حسب الوظيفة التي أوجدته، لنمضي إلى الأمام، وحتى نستوعب جميعنا، أن  وضعيتنا التي نعيشها الآن، شاذة ونخدع أنفسنا، وستجعلنا نقبع في مكان واحد، ندور حول نفسنا، كأننا نحقد على أنفسنا، بينما شعوب العالم حولنا ( أثيوبيا وكينيا وغيرها)، هبت من غفوتها، وتسير بثبات نحو العلا.
 
بقي أن ندرك جميعا أن الحياة يجب أن تؤخذ بقوة، و علينا أن نتعامل مع الأشياء بجدية، فالتراخي في المهام، أو التردد في المواقف، وعدم الجدية، والمحدودية في الطموح، ووضع سقوف الكسالى في التطلعات، هي التي جعلتنا نرزح خلف أمم العالم، (يا يحى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبي) سورة مريم الآية 12. علينا حلحلة المشكلات التي تعترض أي قيادي وتمنعه من الوقوف في المكان الصحيح، بأعجل ما تيسر وبشجاعة الأبطال، وأن التلكؤ خوفا من الماضي لن يحل المشاكل بل يعقدها، وأن الزمن كفيل بحسم المتلكئين. الأبطال يضحون من أجل الوطن لكن بعض الأبطال في السودان، يختبئون خلف الأطفال، ومستعدون للتضحية بالوطن بحثا عن سلامتهم الشخصية. المطلوبين في الجنائية الدولية، خافوا من تسليم أنفسهم وإختطفوا الوطن بنسائها وأطفالها لأكثر من عشر سنين، دفعنا ثمن خورهم أرواح أطفالنا، ومعاناة شعبنا منبوذا بين الدول كالجمل الأجرب يعانى الحرمان.

 ما الذي جعل أوربا وأمريكا وحتي النمور الأسيوية تتقدم علينا. الهند والسودان كانتا تحت مستعمر واحد (بريطانيا)، متقاربتان في المساحة والمناخ، كونتا حزب المؤتمر في الهند، ومؤتمر الخريجين في السودان، لمقاومة نفس المستعمر؛ حزب المؤتمر الهندي، يحكم إلي اليوم في الهند، ومشى بسرعة الضوء بالنسبة لنا، ولكن أين مؤتمر الخريجين في السودان؟ أليس من الأصوب أن نراجع أنفسنا لنعلم أنه ما لم نصحح الأوصاع، بضمان حقوق الجميع، وتفادي النزاعات، ووضع كل شيء في مساره الصحيح، إن لم نفعل، فإن إهمالنا، الآخرين بالأنانية،  سيجعل الصراعات تستمر، ويستحيل إحداث تنمية في مكان فيه صراع، وبالتالي لن نتمكن من بناء دولة، والحفاظ على الأمة (فبأي حديث بعده يؤمنون) سورة المرسلات الآية 50.

(أحمد مدني)
Yagouba55@yahoo.com
الخرطوم   19يونيو 2020م

التعليقات مغلقة.