ردي على الرافضين تصدير إناث الماشية: نعم لتصدير الإناث

  • 14 يوليو 2017
  • لا توجد تعليقات

نشرت مقالاً في “الراكوبة” وبعض الصحف الرقمية بتاريخ 17/8/2014 بعنوان: نعم لتصدير إناث الإبل والبقر والضأن. قرأت أخيراً مجموعة توقيعات رافضة لتصدير إناث الماشية بعد قرار وزير الثروة الحيوانية بتصدير الإناث. وهذا الرد ليس له علاقة بأي جهة، بل يأتي وفق الفكر العميق والتحليل العلمي المنهجي والاقتصادي بعيداً عن دوائر السلطة والفكر الجمعي السوداني.

في صغري كنت أبيع الخبز في مصانع الجبن في السبعينات، وساهم والدي مع اليوناني بنيوتي رابتيليس في توطين صناعة الجبن في “كازقيل” حتي أصبحت أفضل الجبن السودانية بمباركة منظمة الإيفاد. شرحت في مقال سابق نتائج الدراسة التي شاركت فيها في منتصف الثمانيات في مشروع تنمية البحوث الزراعية غرب السودان، حيث تنقلت مع “البقارة” ( قبيلة سودانية) من بحيرة كيلك إلي مشارف مدينة الأبيض علي مدي ثلاث سنوات. كانت أهم أهداف الدراسة تطوير سبل الرعي والزراعة المطرية والتنمية الاقتصادية  والاجتماعية وبسط أساس متين لرسم سياسات التنمية فى كردفان ودارفورعن طريق البحوث العلمية الميدانية والتطبيقية.

أبدأ بسؤال بديهي طرحته في مقال سابق: لماذا لا يكفى إنتاج أكثر من 100 مليون رأس من الماشية 40 مليون نسمة؟ إذ يستهلك الفرد السوداني فى العام  20 كيلوجرام من اللحوم و19 لتر من اللبن أقل من متوسط الاستهلاك الصحي المقدر ب30 كيلو و50 لتر علي التوالي وفق منظمة الصحة العالمية.  ويقفز السؤال الثاني لماذا نصدر إناثاً أم ذكوراً قبل الاكتفاء الذاتي؟ مثلاً، في السعودية يستهلك الفرد 54 كيلو جرام من اللحوم سنوياً.

ما هي الأسباب التي يبني عليها الرافضون لتصدير الإناث حجتهم؟

أولاً، الحفاظ على الصفات الوراثية والسلالات المحلية.  إن الصفات الوراثية الحيوانية والنباتية الطبيعية هي ملك مشاع للبشرية ما لم يتم فيها تغيير واضح ويتم تسجيله ملكية فكرية لأفراد او شركات. وفق هذا الفهم يحق لكل إنسان تربية وإكثار سلالات ابقار “الفريزيان” والضأن “الحمري السواكني” في أي بقاع الأرض بواسطة الذكور أو الإناث.  تبقي مهمة الدولة هي الحفاظ على السلالات المحلية ضد هجمة السلالات المستوردة ذات الإنتاج العالي مثل أبقار “الفريزيان والشاروليه” والماعز “الشامي والسعانين” علي سبيل المثال.

لكن هل تحل السلالات المستوردة مكان المحلية؟  نعم علي المدي البعيد والدليل علي ذلك احلال سلالات الدواجن المستوردة للمحلية في مزارع السودان. ونتج عن ذلك تكدس أسواق الأقاليم بالبيض ولحوم الدواجن المستوردة وأضحت في متناول غالبية الشعب.

ثانياً، تصدير الإناث يساعد الدول المستوردة في الإنتاج والاستغناء عن الماشية السودانية. هذا صحيح لدرجة ولكنك لن تستطع منع أي دولة من تربية الضأن “الكباشي السواكني” الذى تحكمت فيه بيئة شمال كردفان ومنحته هذه الخصائص المميزة علي مر العصور. الآن يتم إنتاج الضأن “السواكني” في مزارع السعودية والخليج بواسطة الإناث، أو الذكور لتهجين السلالات المحلية،  لكن هذه الدول لا تملك بيئة شمال كردفان لمنافسة الأصل، ولا الأراضي الشاسعة للمراعي والتربية الإنتشارية.  تكمن الخطورة حالياً في إنتاج العلف السوداني وتصديره بآلاف الأطنان للتربية المكثفة للماشية في دول الخليج والسعودية.

ثالثاً، ما الناقل الرئيسي للصفات الوراثية الذكور أم الإناث؟ ذكرت فى مقال سابق “في العالم الحديث وحتى في البادية السودانية يتم نقل الصفات الوراثية المرغوبة عن طريق ذكور الماشية (الفحول) وليس عن طريق الإناث، وهكذا الحال في التلقيح الاصطناعي العابر للبلدان والقارات”. وفي ثلاثة أجيال فقط يمكن لذكور الماشية تغيير السلالة بنسب تفوق 75%.  والجميع يدرك دور مركز التلقيح الاصطناعي في حلة كوكو، الخرطوم بحري، في تغيير السلالات المحلية في المزارع حول العاصمة التي قادت لوفرة الألبان ومنتجاتها.

وعندما تستهلك أياً من منتجات الألبان في العاصمة، تذكر بأنك لم تدعم السلالات المحلية التي تدعي النخبة في الخرطوم حمايتها بالتوقيع علي القرطاس. يحق لهذه النخبة التوقيع لإظهار احتجاجهم  على سياسة الحكومة، لكنهم في نفس الوقت يشترون منتجات السلالات المستوردة من لبن وزبادي وجبن وبيض ولحوم دجاج.  ولكننا في وسط هذا الجدال لم نسمع رأي صاحب الماشية أو الراعي الذي تتساوى لديه كُلفة تربية الإناث والذكور ويطمح في سعر متساو في سوق المواشي ولا يهمه أن تذهب ماشيته بعد الشراء للمسلخ أم جزر “الواق واق”.

رابعاً، من الذي يحدد أعداد الثروة الحيوانية ودخول الإناث للسوق؟  ينتج القطيع نسب متساوية من الذكور والإناث ويحتفظ صاحب الماشية لتجديد القطيع بحوالي 10 -20% ويرسل الباقي للسوق أملاً في الحصول علي عائد مجز من الجنسين، تخيل هنالك 80% من الإناث التي تنتجها نحو 60 مليون أنثى سنوياً، هل يعقل إدخالها في دورة الإنتاج؟ أين المراعي والعلف والأرض لاستيعاب هذا الكم الهائل؟ ولا توجد سياسات واضحة تحدد أعداد الثروة الحيوانية وفق القدرة الاستيعابية للمراعي.  وفي الحقيقة يحدد الرعاة الذين تبلغ نسبة الأمية فيهم أكثر من 90% سياسات أعداد الماشية في سودان القرن الحادي والعشرون.

أكاد أجزم بأنك لو تجولت إلي ان تحفي قدميك في أسواق كردفان ودارفور لن تحصل علي حزمة علف برسيم واحدة معروضة للبيع طوال العام.  في الحقيقة أن الماشية في تلك البقاع في حالة مجاعة مستمرة باستثناء شهور الخريف الأربعة، خاصة بعد إغلاق حدود المراعي الخضراء في جنوب السودان. إن الزيادة المتتالية في إدخال الإناث إلي الدورة الإنتاجية ساهمت بصورة مباشرة في تقلص المراعي وتسريع الزحف الصحراوي والحرب الدائرة في دارفور والإحتراب المستمر بين القبائل في كردفان.

خامساً، ذكرنا في مقال سابق أن ” الثروة الحيوانية في السودان على الرغم من أعدادها الهائلة عجزت عن توفير الاكتفاء الذاتي من اللحوم والألبان للإنسان وفق معيار منظمة الصحة العالمية، وذلك لأسباب أساسية أهمها تدنى صفاتها الوراثية في إنتاج الألبان واللحوم ونهج نظم إنتاج بالية قادت إلى التنافس الحاد على الموارد الطبيعية المتناقصة بين البدو الرحل والمزارعين المستقرين”.

أخيراً، كل العالم باستثناء السودان يصدر الإناث والذكور، ولا ننسي أن السودان يستورد سنوياً آلاف الإناث من أبقار “الفريزيان” والماعز “الشامي والسعانين”.  والحل الجذري لسد الفجوة الغذائية المستمرة في اللحوم والألبان ومنتجاتها ليست في تصدير الإناث لكن في الإحلال التدريجي للسلالات المحلية وفق متطلبات السوق.  يجب أن نصل إلي القناعة التالية، لا يمكن توفير اللحوم والألبان للشعب السوداني بأسعار تتوافق مع الدخل بالسلالات المحلية ذات الإنتاج الضئيل.  ولا بد من تحسينها عبر التهجين الاصطناعي (الذكور) والتحول إلي الرعي المستقر والتربية المكثفة مثلما فعلت الدول النامية التي رفعت من معدلات استهلاك الفرد من البروتين والسعرات الحرارية ومستوي المعيشة.

للأسف ظل السودان يستورد السلالات الحديثة دون المعرفة العلمية التي أنتجتها وتطبيقها محلياً. يجب أن يفهم السودانيون هذه الحقيقة، سوف يتضاءل عدد السلالات المحلية بتصدير الإناث أو المنافسة لزيادة الإنتاج وفق نظرية التنمية والحداثة ومتطلبات السوق والزيادة المستمرة للسكان مثلما حدث للدجاج السوداني وسوف يزول الرعي المتنقل والبداوة مثلما حدث في شمال أفريقيا.

لكي تتطور الثروة الحيوانية في السودان يتطلب هذا أولاً توفير المراعي والعلف وزراعة الأراضي الشاسعة الممتدة من غرب النيل الأبيض والنيل إلي بحيرة تشاد باستغلال المخزون الهائل من المياه الجوفية التي أكدتها دراسة الكلية الجامعية لندن في عام 2013، والتي أظهرت بأن أفريقيا تطفو فوق كميات ضخمة من المياه الجوفية تعادل 100 مرة كمية موارد المياه العذبة الموجودة على السطح، وأن أكثر احتياطات هذه المياه يوجد في المناطق الأكثر جفافاً في شمال أفريقيا: ليبيا، الجزائر، السودان، مصر وتشاد.

وفي الختام، رفض تصدير إناث الماشية يقود إلي زيادة هائلة في أعداد الثروة الحيوانية واختلال في التوازن البيئي مثلما حدث بعد جفاف عام 1984 والذى قاد تدريجياً إلي اندلاع الحروب والصراع من أجل الموارد الطبيعية المتناقصة تبعاً للزيادة السنوية في اعداد البشر والماشية. وفي غرب السودان أضحى الصراع من أجل الموارد الطبيعية قضية حياة أو موت منذ عام 2003. يكمن الحل المستقبلي لتربية الماشية المتنقلة  باستقرار الرعي وتقليص أعداد الماشية من أكثر من  100 مليون رأس وإحلالها بالسلالات الهجين و المستوردة وفق قدرة المراعي الطبيعية.  لعبت زيادة الثروة الحيوانية دوراً محورياً في التدهور البيئي والزحف الصحراوي المتواصل ولا يمكن التوصل الي السلام والاستقرار في غرب السودان (دار فور وكردفان) مع الزيادة المستمرة في أعداد الماشية.

ما ندعوا له هنا هو الحفاظ علي 20% من الإناث لتجديد القطيع وفق الدراسات العلمية والتخلص من بقية الإناث بالاستهلاك المحلي والتصدير. إن الذى قاد لهذه الضجة في تصدير أو عدم تصدير الإناث هو الفكر النمطي البدوي المتأصل الذي لم يواكب الحداثة، وغياب الصحافة العلمية والصحافيين العلميين الذين يفكرون بطرق علمية ومنهجية وفق تجارب العالم، بعيداً عن الفكر الجمعي العاطفي السوداني.

  • ( الكاتب) باحث وأكاديمي ومفكر (الفكر العميق) وسكرتير مؤسسة كردفان للتنمية

*المراجع في موقع منبر كردفان: نعم لتصدير إناث البقر والضأن والماعز

*لغز معادلة اللحوم: 100 مليون رأس من الماشية على 30 مليون نسمة

*علمياً وعملياً: الماء والأرض هما الداء والدواء للصراع فى غرب السودان

*النظرخلف حدود أبيى وكادوقلى: ما جدوى الرعى المتنقل؟

http://kurdofan.kordofan.co.uk/#post26

 

الوسوم د-أحمد-هاشم

التعليقات مغلقة.