مواقف من فيضان 2001م في محافظة وادي حلفا على بحيرة النوبة (الحلقة الثالثة)

  • 17 سبتمبر 2020
  • لا توجد تعليقات

د. عثمان أبوزيد


كنا في رتل من السيارات نسير في اتجاه الشمال بخط مستقيم. صحراء بطن الحجر تتميز بسهول منبسطة بعيدًا من النيل. لأول مرة بدأنا نستخدم في هذه الرحلة نظام تحديد المواقع GPS ومن قبل كم ضاعت أرواح في هذه الصحارى الممتدة!

فجأة وجدنا مؤشر جي بي أس ينقلب مما يدل على أننا فقدنا الاتجاه. وجهتنا إلى قرية (دال) ثم (كولب). سرنا في الاتجاه الصحيح نصعد التلال والجبال حتى تراءت لنا القرية من علٍ وقد غمرتها المياه.

هذه المنطقة هي آخر مكان يصل إليه تأثير مياه السد العالي، وقد تعرضت مرات عدة خلال العقدين الماضيين للفيضان، وغرقت أيضًا قرية سيدي عكاشة حيث الحمام التاريخي المشهور.

وجدنا في الانتظار على رأس المستقبلين الشيخ محمد أحمد عثمان عضو المجلس التشريعي بالولاية. آثرنا أن تكون جولتنا قصيرة، إلا أن الأهل تمسَّكوا ببقاء الوفد لتناول الطعام. قلت لأحدهم: هل تريدون أن تكرمونا حقًا؟ اقطفوا لضيوفكم شيئًا من الرطب. استنكر الرجل كلامي هذا، فهل معقول أن يُكرم الضيوف بالبلح؟! يا لشناعة ما تقول… كنت أعرف تشوق كثير من الضيوف للرطب ولهفتهم له.
اقتنع الرجل أخيرًا وعمد إلى نخلة من كرام النخل (القنديلة) وأتى بسبائط منها، فانبسطت أسارير الضيوف لهذه الهدية الكبيرة.

في الصغر أكلوه البسكوت
وفي الكبر عجوة السكوت
اتبعنا في العودة الطريق المحاذي للنيل، والمنطقة غير مأهولة هنا، إلا من قرية (السلم). لم يقع في خاطري اسم السلم الذي ورد في أغنية للفنان الكبير وردي… الغزالة الفوق في السلم. لقد أبهرتنا أسراب الغزلان وهي تتقافز أمامنا.

لم يكن مجرد شعر غنائي إذن… إنه حقيقة ماثلة للحياة الفطرية في هذه البيئة الغنية.

في وقت لاحق سأذكر غزال السلم في مرثية للشهيد فتحي همت يوم جاءنا خبر استشهاده في جنوب السودان:
يا ربا (فركة) هل مرّ مع الفجر غزال؟
من هنا يختال في (كوشة) أو في غرب (دال)؟
حدثينا يا رُباها عن شهيدٍ
أشعل العزة فينا والخيال
حدثينا كيف (أرنتَي) تناجي (ملكال)
وطن تضنيه حرب الأقربين …
مستعيضين سيوف الأبعدين
لم يراعوا في الورى عمّاً وخال
يا ربا فركة يا شمّ الجبال
في برمهات يعود الراحلون
ينضج القمح وفي الضفة يغفو السامرون
برطانٍ من لسان الجنّ كالسحر الحلال
عندما تحمرّ حبات (جريق)* كاللآل
يغمر (الدفّيق)* أرضي وينير البرتقال
عندما يلمع (نجم الضيف)* للمغرب مال
تزدهي فركة بالخصب وبالطلع الثقال
وأبوبكر يعود الآن محمولاً على صوت بلال
وطن نفديه بالروح وبالمال الحلال
وطن تفديه هامات الرجال
أيّهذا الشجرُ الشامخُ عزاً وجلال
هات من حضنك شيئاً واحتويني بالظلال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*