السودان..بين مفترق الطرق ..التطبيع.. أم قائمة الإرهاب

  • 15 أكتوبر 2020
  • لا توجد تعليقات

الخرطوم- التحرير - تقرير:سعاد عبدالله

وفقاً لما رشح من أخبار فقد امهلت الولايات المتحدة الأمريكية الحكومة الانتقالية 24ساعة فقط للتطبيع مع اسرائيل مقابل رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.والذي كان متوقعاً أن يتم رفع الاسم من القائمة اليوم الخميس 5اكتوبر 2020 م بعد أن اوفت الحكومة بكل الشروط الأمريكية التعجيزية بما فيها توفير مبلغ 335 مليون دولار تعويضات الضحايا…

التحرير شرعت في نبش ملف التطبيع مع اسرائيل وسبر غوره مستصحبة عناصر شتى جعلت الملف يتسيد المشهد السوداني.حيث ظل الشعب متلهف لبزوغ فجر اليوم منتصف أكتوبر ليتحرر السودان من اصفاد قائمة الارهاب التي ظل مكبلا بها منذ العام 1993م.

كرت الضغط الرابح…..

ظلت الولايات المتحدة الأمريكية تمارس الابتزاز السياسي المجحف والمساومة الرخيصة حتى يرضخ السودان راكعا خانعا منصاعا لشرط التطبيع مع اسرائيل تنفيذا لرغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصهره
كوشنير من أجل تحقيق كسب انتخابي لترامب الذي تؤشر الدلائل على قلة حظوظه في الظفر بولاية رئاسية ثانية.. لذا يتشبث بكرت التطبيع كي يلحق السودان بركب الدول العربية التي أقامت علاقات مع إسرائيل..ولتحقيق هذا سبق أن بعث بوزير خارجيته بومبيو للخرطوم متابطا شرط التطبيع بيد والجزرة بالأخري… ولكنه عاد حانقا لعزوف رئيس الوزراء د. حمدوك عن تلبية شرط التطبيع وتزرعه بعدم امتلاك حكومته الانتقالية تفويضا بالتطبيع قاذفا بالكرة في ملعب الحكومة المنتخبة بعد ثلاث سنوات. وشدد حمدوك بأن بقاء السودان على قائمة الإرهاب يهدد المسار نحو الديمقراطية ويغوض كل ما بذل من جهد..

العلاقات السودانية الإسرائيلية……..

بالبحث والتنقيب في ملف العلاقة بين الدولتين كشفت الوثائق عن أول لقاء سري رسمي تم بين رئيس وزراء السودان آنذاك عبدالله خليل و وزيرة خارجية اسرائيل جولدا مائير في العام 1957م بأحد فنادق باريس…
رغم أن قانون مقاطعة إسرائيل عام 1958م قد نص على منع التبادل التجاري بين الدولتين ولكنه لم ينص على أي مادة تمنع تطبيع العلاقات الدبلوماسية أو السياسية بين السودان واسرائيل….واستمرت المقاطعة حتي تواصلت العلاقة في العام 1984م بموافقة الرئيس جعفر نميري بتنفيذ عملية ترحيل يهود الفلاشا من موطنهم باثيوبيا مباشرة جوا إلى مخيمات للاجئين الاثيوبيين بشرق السودان وتهجيرهم إلى اسرائيل ورغم سرية الصفقة التي عرفت بعملية موسى فقد انكشف أمرها.. و بعدهاظلت العلاقة في حالة ركود حتى انعقاد مؤتمر الحوار الوطني حيث ضم جدول أعمال لجنة العلاقات الخارجية مسألة التطبيع مع اسرائيل.. وكشف حينها والي ولاية القضارف السابق كرم الله عباس عن وجود تيار داخل حزب المؤتمر الوطني الحاكم يوافق على التطبيع.. كما صرح والي النيل الأبيض السابق عبدالحميد موسي كاشا قائلا.. ما دمنا قبلنا بأمريكا فلنقبل باسرائيل …وفي يناير 2016م قال وزير الخارجية بروفيسور إبراهيم غندور يمكن أن ندرس التطبيع مع اسرائيل بشرط أن ترفع أمريكا العقوبات عن السودان.. وبعد سقوط النظام البائد وَتولي الحكومة الانتقالية الحالية مقاليد السلطة طرأ تغيير مفاجئ في ملف العلاقة مع اسرائيل…حيث الجمت الدهشة الجميع باللقاء غير المتوقع بين رئيس مجلس السيادة الفريق اول ركن عبدالفتاح البرهان ورئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو بدولة أوغندا في فبراير 2020م…والذي أعقبه فتح المجال الجوي السوداني لعبور الطائرات الاسرائيلية… ومؤخرا كشف التلفزيون الفرنسي الاسرائيلي الذي يبث من يافا عن لقاء ثاني مرتقب بين البرهان ونتنياهو أيضا باوغندا. ويتردد بأن زيارتي البرهان وحميدتي للإمارات تأتي في هذا الإطار..

اسرائيل والدول العربية…..

في العام 1967م عقب النكسة انعقد مؤتمر للقمة العربية بالخرطوم الذي عرف بمؤتمر الآ ااات الثلاث لا تفاوض.. لا تصالح.. لا اعتراف باسرائيل.وبعد المؤتمر تفاقمت القطيعة مع إسرائيل
واتسمت بالعدوانية حتى 13سبتمبر 1978م توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين الرئيس المصري الراحل أنور السادات ومناحيم بيغن. لتنسف لااات الخرطوم الثلاث وتبعثرها لتذهب مع رياح التغيير بتوقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل في العام 1979م ثم ما لبثت أن تقفت أثرها اتفاقية أوسلو في 23سبتمبر 1993م التي تم توقيعها بين الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورئيس وزراء إسرائيل إسحق رابين الذي اغتيل جراء توقيعه الاتفاقية مع. فلسطين. واعقبها الاتفاق الأردني الإسرائيلي الذي أبرم في 26اكتوبر 1994م بين العاهل الأردني الملك حسين واسحق رابين. ثم تلتهااتفاقية القمة العربية ببيروت في العام 2002م والتي نادت بشعار الأرض مقابل السلام. ومن حينهالم تنقطع العلاقة الخجولة التي كانت تتم في الخفاء..بين إسرائيل وبعض الدول العربية. إلى ان برزت إلى العلن في عهد الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب الذي سخر كل جبروته في التسويق والترويج لجعل التطبيع واقعا حتى توج في 13اغسطس 2020 م بالاتفاق بين دولة الإمارات العربية المتحدة واسرائيل وسرعان ما لحقت بها جارتها دولة البحرين في 11 سبتمبر 2020. علما بأن نتنياهو زار سلطنة عمان في العام 2018م وتوقعات انضمامها لركب التطبيع تلوح في الأفق.. كما أن هنالك مناورات تؤشر لالحاق سوريا بقطار التطبيع.

العلاقة بين فلسطين واسرائيل…..

رغم أن العزف على نغمة القضية الفلسطينية ظل يلهب الحماس ويؤجج المشاعر ويجلب التعاطف ويجعل البعض يتمترس في رفضه التطبيع ويشطت في عدوانه مع اسرائيل . نجد أن كثير من الشعب الفلسطيني يمارس العمل يوميا داخل إسرائيل وجسور من التواصل تمتد بينهما حتى على مستوى قمة القيادة. فقد سبق أن صرح الرئيس الفلسطيني محمود عباس قائلا. نريد السلام مع اسرائيل اولا.. اسرائيل جارتنا.. نريد أن نعمل سلام معها ونعيش معها في سلام… وقال لاحقا. المسلم الذي يقول أنني ضد اليهود فقد كفر…كما صرح قائلا. اريد ان التقي مع جيل الشباب في إسرائيل.. الجيل الذي نعمل هذه الأيام من أجل مستقبله… من أجل أن يعيش بأمن واستقرار في هذه المنطقة.. كما اعترف عباس بأنه يستمع لاغاني مطربين إسرائيلين منهم المغني ميشيل ياهو… والمدهش أن المسؤول الفلسطيني البارز صائب عريقات وصف لقاء البرهان نتنياهو بالطعنة في ظهر الشعب الفلسطيني وأنه انسحاب صارخ من مبادرة السلام العربية.. ويبدو أن عريقات نسي أو تناسى ذرفه الدموع أثناء مجاملته بتقديمه للعزاء في موتى من إسرائيل……

.الرهان الأمريكي….
..

بما ان التطبيع مع إسرائيل هدف لن يحيد عنه ترامب ودولته فإنه لن ييأس من شحذ كل الأدوات لتحقيقه.. لذا سبق أن وعد منتشيا بأن هنالك دول عربية أخرى ستنضم قريبا إلى الإمارات والبحرين وتطبع مع اسرائيل… وكانت السفيرة الأمريكية الدائمة في الأمم المتحدة كيلي كرافق صرحت لقناة العربية بأن دولا عربية أخرى يتوقع أن تبرم اتفاق سلام مع الدولة العبرية وقالت إن بلادها تخطط لانضمام المزيد من الدول العربية التي سيعلن عنها قريبآ…. أما المستشار الأمريكي الأسبق لشؤون الأمن القومي في إدارة ترامب. جون بولتون قال إن الدول العربية تدرك اليوم أن مصلحتها تقتضي تشكيل تحالف ضد إيران التي تهدد مصالحهم وليس لديها من حليف في المنطقة افضل من إسرائيل والمصلحة تحتم إقامة تعاون وتطبيع مع اسرائيل لكبح جماح إيران…. وقالت صحيفة النيويورك تايمز أن رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب سيمهد الطريق للسودان للتطبيع وخلق علاقات دبلوماسية مع اسرائيل عبر اتفاق مماثل لتلك الدول التي ساعدت فيها إدارة ترامب الدولة اليهودية َ. في إشارة لاتفاق الإمارات والبحرين… بينما كشفت صحيفة الديلي نيوز الأمريكية عن شروط حمدوك للتطبيع متمثلة في تقديم مساعدات مالية لفترة الثلاث سنوات المتبقية من عمر الحكومة الإنتقالية وتقديم منحة فورية بمبلغ 2مليار دولار للموازنة وتوفير أكثر من مليار دولار لتوفير القمح والوقود..

بين الرفض والقبول……

بما ان المشهد السياسى يضج بارهاصات التطبيع. و تتأرجح المواقف بين الرفض والقبول
استصحبنا بعض الآراء المؤيدة والمعارضة فماذا قالوا…… العقلاء في السودان يعتقدون أن الأمر يحتاج للمزيد من الفحص والتمحيص والموازنة بين الربح والخسارة وتقديم المصلحة فوق كل..شيء .بينمايلمح .تباين الرؤى أن المكون العسكري في السلطة يجنح لخيار التطبيع ربما لمؤازرة البرهان أو لقناعة ذاتيةويعضد ذلك موقف نائب رئيس مجلس السيادة الإنتقالي الفريق أول محمد حمدان دقلو حميدتي بقوله تأييدنا للقضية الفلسطينية لا يعني أن نضع السودان تحت الحصار. فمصلحة شعبنا فوق كل اعتبار والسودان اولا واخيرا.. وشدد في لقاء اجتماعي بوجوب البحث عن مصلحة البلد في أي اتجاه و طالب الشعب أن يتحدث ويعبر عن آرائه وان لا يظل صامتا وكشف أن بعض مشايخ الدين يدعمون التطبيع ولا يعارضونه. ويشارك في هذا الرأي القيادي بحزب المؤتمر السوداني إبراهيم الشيخ معلقا بتغريدة علي صفحته بالفيس بوك. قال فيها.. ان المؤتمر السوداني ليس لديه موقف ايدلوجي مسبق كما أن سياسته تقوم على المصالح واذاكانت هنالك مصلحة حقيقية مع اسرائيل فلا مانع من التطبيع وان مصلحة البلاد هي الأهم بالرغم من وقوفنا مع القضية الفلسطينية فالتطبيع لا يعني التخلى عن حقوق الشعب الفلسطيني وانها غير قابلة للمساومة…أما رئيس هيئة الأركان الأسبق الفريق أول ركن محمد عبدالقادر في افادته للتحرير قال قبل الخوض في التفاصيل لا بد أن نسأل أنفسنا هل التطبيع يصب في مصلحة السودان ام لا… إذا كانت الإجابة بنعم..نخطو مباشرة نحوالتطبيع لأن مصلحة السودان اولا وثانيا وثالثاً واخيرا… أما رئيس حركة جيش تحرير السودان عبد الواحد محمد نور رغم عدم مشاركته في اتفاقية السلام لكنه كتب مغردا. إذا وصلنا للسلطة سنطبع مع اسرائيل. وكان الناطق الرسمي باسم الخارجية السفير حيدر بدوي اول من جهر بحتمية العلاقة مع اسرائيل داعيا للتطبيع الفوري.. ويوافقه في الموقف . الناطق الرسمي السابق السفير جمال محمد إبراهيم الذي عبر للتحرير باعتقاده أن التطبيع يصب في مصلحة السودان لأنه في عالم اليوم السلام الخارجي مع المجتمع الدولي يمر عبر طريق التطبيع مع كل الدول ومن المصلحة أن نتصالح مع المجتمع الدولي وعزا الزخم الذي كان يحظى به الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إبان فترة التكتلات و الحرب الباردة هو الذي دفع الجامعة العربية للسير في ذلك التوجه الذي جعل القضية الفلسطينية قضية عربية لم يعد موجودا لان . المرحلة الان ليست مرحلة تكتلات وإنما تحكمها فقط لغة المصالح.. وقطعا التطبيع من مصلحة السودان لكن ينبغي أن تنفذه حكومة منتخبة وليست الحكومة الانتقالية….فى الجانب الآخر ظهر . رجال الدين على الخط أيضا. فقد أفتى رئيس دائرة الفتوى بهيئة علماء السودان د.الشيخ عبدالرحمن حسن حامد عبر فديو احتفت به اسرائيل أفتى بجواز التطبيع مع إسرائيل بالأدلة الشرعية من القرآن والسنة… وسانده الرأى شيخ الطريقة القادرية المكاشفية بامدرمان الشهير شيخ الأمين الذي دعا الحكومة بالإسراع في تطبيع العلاقات مع اسرائيل حتى يتم شطب السودان من قائمة الدول الإرهاب وقال إن الأديان جميعها تدعو إلى تعميق أواصر التفاهم والتعاون والثقة لما فيه خير البشرية…. مناخ التطبيع هذا اغري مجموعة من المؤيدين الإسراع لتكوين جمعية للصداقة السودانية الاسرائيلية ودعوا لمؤتمر صحافي لتدشين الجمعية التي وؤدات في مهدها لحرمانها من شهادة ميلادها.وانفض سامرها ..

أصوات ضد التطببع….

رغم هذا الإجماع و التباين المؤيد للتطبيع الا ان هنالك أصوات رافضة.تماما له.. على رأسهم الإمام الصادق المهدي الذي اقترح إضافة مادة للقانون الجنائي تجرم وتدين كل من يدعو لإقامة علاقة مع اسرائيل أو التطبيع.معها.. أيضا يقف الحزب الشيوعي في خانة الرفض وفق تصريح القيادي بالحزب صديق يوسف للتحرير..الذي قال فيه.. موقفنا ضد التطبيع واضح لا لبس فيه. اسرائيل عبارة عن قاعدة امريكية وليست دولة.. ولن نرهن أو نبيع قرارنا السياسي من أجل فوز ترامب ولا من أجل قروش… مضيفا حتى لو تم طرح مسألة التطبيع وفق قناعة من حكومة منتخبة فالشعب من حقه اتخاذ القرار بالتطبيع أو عدمه.. والتطببع ليس في مصلحة السودان ونحن ضده..وهذا موقف أعلنه الحزب الشيوعي من قبل… . كما أعلن اعضاء مجمع الفقه الإسلامي بالإجماع رفضهم التطبيع مع إسرائيل…. ختاما هل يقرر السودان قضم الجذرة ليمتطي صهوة حصان التطبيع أسوة بشقيقاته من الدول العربية ام يظل الشعب السوداني رهينا للمزاج الأمريكي في انتظار ما تخباه له الايام….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*