منصف الحضارة النوبية هنري أوبين: تهارقا منقذ القدس من الآشوريين

هنري أوبين
  • 21 نوفمبر 2020
  • لا توجد تعليقات

الخرطوم - التحرير :

بحثت ثماني سنوات في أكثرمن 400 كتاب ومقال علمي قبل إنجاز كتابي عن إنقاذ القدس على يد تهارقا

تهارقا ابتكر إستراتيجية باغتت الآشوريين

رحلة جيشه للقدس عبر سيناء واحدة من أعظم الإنجازات في التأريخ العسكري

تهارقا كان مصدر إلهام لليهود في الهولوكوست

المستعمرون الغربيون شوهوا تاريخ السودان لأهداف إمبريالية

تشارلز بونيه يمثل النهج الجديد المنفتح على كوش

حوار : محمد يوسف وردي

غلاف كتاب “إنقاذ القدس”

في صيف701 ق م اجتاح جيش آشوري ضخم يهوذا، وشقّ طريقه نحو أبواب اورشليم بغرض تدمير المدينة مثلما يفعل أي شخص يقذف وعاءً فخارياً إلى الحائط على حدّ تعبير النبى أشعياء. بدلاً عن ذلك تقهقر الجيش الأشوري، وهرب بجلده .

وفى حين نسبت الروايات التاريخية ذلك للتدخل الإلهى (يقول الكتاب المقدس أن ملاكاً قاتل الاشوريين عند ابواب القدس (.

قدم الصحفي الاستقصائي الكندي هنري أوبين تفسيراً يقول: “إن كسر حصار الآشوريين جرى بوصول جيش من مصر الكوشية، وإن هؤلاء المحاربين الأفارقة – الذين ظهروا فى النصوص التاريخية حتى القرن التاسع عشر – قد شطبهم العلماء العنصريون من السجلات بالتزامن مع الاستعمار الأوروبى لأفريقيا”.

وفي عام ٢٠٠٢م، أصدر أوبين كتابه المثير للجدل حول إنقاذ القدس على يد القائد الكوشى تهارقا الذي قهر جيش آشور، الذي كان يوصف بالجيش الذي لا يقهر، كونه كان يمثل القوة العالمية العظمى الوحيدة آنذاك.

 أجبر تهارقا الآشوريين على الانسحاب من أسوار القدس، وأبقى حزقيال على عرش يهوذا…. استنجد العبرانيون بالكوشيين الذين كانوا يحكمون مصر إلى جانب كوش، وكانوا يسعون أصلاً إلى منع الاشوريين من التفكير في غزو مصر وكوش.

 وكان تدخل تهارقا عاملاً أساسياً في بقاء القدس وما عزز سمعة المدينة (كمباركة إلهية)، كما أن الحفاظ على الثقافة العبرية سمح بتطور التوحيد؛ لأن سحق القدس على يد الآشوريين لو تم ربما جعل تخيل الظهور اللاحق لليهودية مستحيلاً، وظهور المسيحية والاسلام -من غير اليهودية – شيء غير قابل للتصور تبعاً لذلك.

وكان كتاب أوبين الذي حمل عنوان “إنقاذ القدس في 701 ق م ..التحالف بين العبرانيين والأفارقة” قد حظى عند صدوره بترحيب منقطع النظير في الأوساط النوبية، وترحيب حذر لدى بعض الجهات، بما فيها مؤرخو القدس الذين رأوا ان اعتماد أوبين على الروايات التوراتية والآشورية غير المكتملة وحدها يضعف أطروحته!

 وبعد مرور 17 عاماً على صدور الكتاب لجأت مجلة رصينة مثل (كتابات عبرية) إلى حسم الخلاف حول بقاء القدس عن طريق جهة محايدة، وطلبت من ثمانية أكاديميين بارزين متخصصين في تاريخ تلك الفترة الزمنية تقييم أطروحة أوبين ثم الإجابة عن السؤال المطروح من زمن طويل: من الذي أنقذ القدس في عام 701ق م؟

وقد راى مراقبون أن إنشاء لجنة التحكيم هذه – كخطوة نادرة – في الأوساط الاكاديمية دليل على أهمية ما يطرحه أوبين.

وقد أيد ستة من العلماء أطروحة أوبين، ثم نشرت مقالاتهم في كتاب حمل عنوان “بقاء القدس ورحيل سنحاريب ودور الكوشيين “صدر الكتاب في شهر يونيو الماضي، قامت أليس اوغدن بيليس أستاذة الكتاب المقدس في كلية اللاهوت بجامعة هاوارد بتحرير الكتاب، فكتبت فى مقدمته: “لقد كانت مسألة إنقاذ القدس موضع خلاف في السنوات ال 150 الماضية، ولذلك كان من الضروري اضطلاع مجموعة محايدة، أو حتى متشككة بمهمة تقييم أطروحة الصحفي الكندي هنري أوبين القائلة إن تدخل الكوشيين كان مفتاح بقاء القدس؛ مؤكدة أن تحقيق توافق في الآراء بشأن الدور الأفريقي يرسي الأساس لفهم جديد لتطور المدينة في قلب الديانات الإبراهيمية الثلاث.

ويتضمن الكتاب آراء أولئك الأكاديميين، وهم متخصصون في المصريات والنوبيات والآشوريات والتوراة، وهي في مجملها تدعم نظرية أوبين، وتقرّ بأن “تدخل جيش من الكوشيين الأفارقة الذين ينتمون إلى بلاد النوبة المعروفة باسم السودان اليوم كان عاملاً حاسماً أبقى القدس، وأوقف فناء المجتمع العبري”.

اتصلت بأوبين مهنئاً، وهو الذي ظل طوال سنوات الإسلاميين الكالحة يتابع معي أخبار المقاومة الشعبية ضد سدود كجبار ودال على النيل النوبي، بوصفهما مؤامرة ضد الحضارة النوبية الكوشية، ثم تشعب الحديث بيننا إلى كتابه الآخر “صعود الكوبرا الذهبية”، وهي رواية تاريخية عن الجيش النوبي بطلها العملاق بعانخي، حيث نقلت إليه غشادة العلامة الراحل وليام آدامز بها، وكان ذلك شيئاً مبهجاً جديداً يسمعه لأول مرة، علاوة على سؤالي الدائم عما إن كان هناك جديد من الجهات الهوليودية التي كانت تريد ان تحوله لفيلم!!

قلت له إن الظروف باتت مواتية في السودان بعد الثورة، وإن مساحات الحوار والنقاش يجب تغذيتها وتوسيعها لتشمل ما يمكّن شعبنا من الحفاظ على ذاكرته.

في هذا الحوار يتحدث أوبين لأول مرة لأحفاد القائد التاريخي تهارقا عن أمجاد ماضيهم التي يحاول بعضهم طمسها، ويحاول بعض الآخر تزييفها بدواعٍ قبلية وعشائرية!!

تهارقا

كيف انجذبت لتاريخ الكوشيين ومعاركهم؟

أنا وزوجتي لدينا أربعة أطفال. اثنان منهم بالتبني، وأحد الأطفال المتبنين أسود. عندما كان ابني نيك يبلغ من العمرسبع سنوات، أردت أن أخبره عن التاريخ الأفريقي القديم الذي لم أكن أعرف عنه إلا القليل. صادفت غزو الكوشيين لمصر تحت قيادة بعانخي الشهم، وذهلت على الفور

عندما نُشر كتابك في عام2002 ، لفت الانتباه إلى قضية تكاد تكون غير معروفة لقرون، هل واجهت أطروحتك شكوكًا لأنك كنت صحفيًا ولست أكاديميًا؟

نعم.  العالم الأكاديمي لا يثق في البحث التاريخي الذي لا يقوم به الأكاديميون. لديّ درجة جامعية فقط من جامعة هارفارد، وليس لديّ درجة دراسات عليا.  من السهل معرفة سبب تشكك الأكاديميين في البحث الذي يقوم به غيرالأكاديميين – فقد كتب غير الأكاديميين كثيراً من الهراء عن مصر القديمة. أحد الكتب الأكثر مبيعًا، على سبيل المثال، يؤكد أن الفضائيين في الفضاء قاموا ببناء الأهرامات العظيمة، ومع ذلك، يمكن للصحافة الاستقصائية – مجال عملي الخاص – أن توفر تدريبًا جيدًا لاستكشاف التاريخ القديم.

قد ينقب علماء الآثار في الأرض لاكتشاف حقائق جديدة عن الماضي، لكن الصحفيين يبحثون أيضًا. بحثت في أكثر من400كتاب ومقال علمي على مدى ثماني سنوات قبل كتابة الكتاب.

 استندت أطروحتك على الروايات التوراتية والآشورية. الآن وقد تم اعتماد الأطروحة ودعمها، ماذا تقول لمن رفض تصديقها قبل 18 عامًا؟

أود أن أقول لهم إنهم بحاجة إلى إعادة فحص مفاهيمهم المسبقة عن أفريقيا القديمة. يفترض معظم المؤرخين الذين كتبوا عن الصراع بين آشور وكوش عام 701 قبل الميلاد يعرفون أن الكوشيين كانوا شعبًا ريفيًا متخلفًا غير قادرين على تنظيم جيش عالي الكفاءة، وإرساله عبر صحراء سيناء إلى الشرق الأدنى. لا يوجد هذا الموقف الرافض في كثير من الأحيان بين العلماء المتخصصين في النوبة -فهم يعرفون أفضل – لكنه شائع بين المؤرخين الآخرين.

إلى أي مدى ساهمت جهودك في إيجاد فهم جديد للحضارة الكوشية؟

 من السابق لأوانه معرفة ذلك. ربما تم نشر “إنقاذ القدس” منذ 18 عامًا، لكنه بدأ فقط في الظهور. هناك كثير مما يمكن قوله حول تأثير الحضارة الكوشية في العالم. لقد كنت أبحث عن كتاب آخر عن كوش على مدى السنوات الخمس الماضية، وإن شاء الله -لا يزال أمامي عدة سنوات أخرى لأقوم به.

سيظهر أن الثقافة الكوشية كانت غنية بشكل لا يصدق في مجالات أخرى غير الحرب فقط. سيستغرق تغيير المواقف العامة حول التاريخ بعض الوقت؛ أعتقد أن الأطفال في كثير من البلدان قد يتعلمون عن كوش في المدرسة في 15-25 عامًا

 هل لديك تفسير جديد لكيفية وصول جيش تهارقا إلى القدس؟ هل دعاه الملك العبري لمواجهة الغازي الآشوري؟

نعم، لقد ناشد الملك العبري حزقيا فرعون كوش أن يرسل مساعدة عسكرية للدفاع عن مملكة يهوذا، وعاصمتها القدس من الغزاة الآشوريين. آشور، الواقعة في العراق الحالي، كانت تمتلك أكبر إمبراطورية عرفها العالم في ذلك الوقت، وكان يُنظر إلى جيشها غالبًا على أنه لا يقهر. كتب النبي إشعياء، الذي عاش في أورشليم في ذلك الوقت، أن حزقيا سعى إلى إقناع فرعون بإرسال “ثروات على ظهور الحمير والكنوز على سنام الجمال”. إشعياء: 30

 قبل الفرعون طلب المساعدة: كان خائفاً من أن الآشوريين بعد غزو يهوذا سيغزون مصر وكوش، لذلك ابتكر استراتيجية ذات شقين لصدهم. كان الشق الأول قوة من سلاح الفرسان والمركبات الحربية التي سافرت عبر صحراء سيناء، وقاتلت الآشوريين في موقع جنوب تل أبيب اليوم. أدت هذه المعركة إلى إبطاء الغزو الآشوري، مما أعطى الشق الثاني – قوة كبيرة مؤلفة بشكل أساسي من المشاة الكوشيين والمصريين – الوقت للتقدم إلى يهوذا.  كان تهارقا قائد هذه القوة الثانية التي قطعت آلاف الكيلومترات لتصل إلى يهوذا. افترض أن هذه القوة الثانية ربما فاجأت الآشوريين. وصف سترابو، المؤرخ اليوناني الذي عاش بعد سبعة قرون، رحلة تهارقا لمسافات طويلة بأنها واحدة من أعظم الإنجازات في التاريخالعسكري.  أصبح تهارقا فرعونًا بعد 11 عاماً.

قلت إن جيش الأسرة الخامسة والعشرين هو الأقوى في تاريخ مصر حتى ذلك الحين، ما دليلك على ذلك؟

كان رمسيس الكبير وبعض الفراعنة الآخرين في “العصر الذهبي” لمصر – قبل قرون من الأسرة الخامسة والعشرين – جيوشًا مشهورة قاتلت في الشرق الأدنى. لكن لم يواجه أي من تلك الجيوش عدوًا بنفس قوة الجيش الآشوري.  كان لجيش الأسرة الخامسة والعشرين ثلاثة أصول مهمة تفتقر إليها هذه القوات السابقة.

 أولاً: كانت تحتوي على سيوف وفؤوس قتال وأسلحة أخرى مصنوعة من الحديد. كانت الجيوش السابقة تمتلك أسلحة برونزية فقط، وهي أقل حدة وأقل متانة.

ثانيًا: كان سلاح المركبات “الذراع الضاربة” للجيوش القديمة -وهو ما يعادل الطائرات المقاتلة الحالية – وكانت عربات الأسرة الخامسة والعشرين أكبر وأكثر قوة من العربات السابقة. تم سحب هذه المركبات السابقة بواسطة حصانين وكانا يحملان جنديين، لكن عربات الأسرة الخامسة والعشرين كانت تحتوي على ثلاثة خيول وثلاثة جنود.  كانت العربات الكبيرة أكثر قدرة على الانغماس في كتائب العدو، وإحداث الفوضى.

ثالثًا: وهو أمر مهم للغاية، كانت الأسرة الخامسة والعشرون تمتلك ما لم يكن يمتلكه جيش مصري ساب: سلاح الفرسان، وقد برهن الجنود راكبو الخيول على تفوقهم علي جنود مركبات العجلات، بسبب قدرتهم على السفر في طرق وعرة، وصعود جبال عالية، والهجوم السريع، والهجوم المفاجئ.

وفي نهاية المطاف، قضوا على فعالية مركبات العجلات في الحروب.

 تذكر بعض المصادر التاريخية أن الكوشيين شنّوا غارات على مملكة يهوذا في وقت سابق قبل حملتهم لإنقاذ القدس، كيف تفسر تلك الهجمات؟

 لا أعلم بوجود غارات كوشية على يهوذا.

هل تتفقون مع الرأي القائل إن بعانخي غزا مصر أصلاً بهدف دمج جيشه مع نظيره المصر، وبالتالي حماية مصر وكوش من الغزو الآشوري ؟؟

 نعم. من الجدير بالذكر أن بعانخي لم يكن لديه دافع إمبريالي لغزو مصر. أراد تعزيز قدرة مصر على الدفاع عن وادي النيل من الغزو الآشوري. قبل فتحه، كانت مصر في حالة تدهور سياسي وعسكري لمدة قرنين من الزمان، وكانت مقسمة إلى نحو اثنتي عشرة إقطاعية تقاتل بعضها بعضاً. بعد هزيمة الإقطاعيات في المعركة، سمح بعانخي لحكام الإقطاعيات بالبقاء في السلطة مقابل ولائهم له، وهو ولاء يعني أنهم سيضطرون إلى إمداد جنودهم بأي عمل مستقبلي ضد آشور. لقد وحد بعانخي مصر سياسيًا لأول مرة منذ 250 عامًا – وهو إنجاز رائع – وأكد أن القوات الكوشية والمصرية ستعمل على أنها حليفة ضد آشور.

قدم بعض المؤرخين تفسيرات شتى لفشل الآشوريين وتراجعهم عن القدس. واقترحوا أن السبب ربما كان وباء أصاب الآشوريين، أو أن الآشوريين اضطروا إلى المغادرة من أجل الاهتمام بالمتاعب التي تواجههم في أماكن أخرى من إمبراطوريتهم، أو أن القدس استسلمت ببساطة.

 لقد ازدهرت مثل هذه النظريات لأن الكتاب المقدس، الذي يتحدث عن حصار القدس، يقول إن الله أرسل ملاكًا ليذبح آلاف الجنود الآشوريين. سعى المؤرخون إلى تفسير غير خارق للطبيعة.

تتمثل إحدى مشكلات نظرية الأوبئة للعلماء في أن الكتاب المقدس يؤكد في كثير من الأحيان في مكان آخر أن الله دمر أعداءه عن طريق المرض، ولا يوجد سبب واضح لعدم التصريح بأن المرض تسبب أيضًا في تراجع الأشوريين.

إحدى مشكلات نظرية المشكلات في أماكن أخرى هي أن السجلات الآشورية –  الكثيرة المفصلة – لا تخبرنا عن أزمة أخرى في تلك السنة.

 أما بالنسبة إلى نظرية الاستسلام، فقد ظل الملك العبراني حزقيا على العرش بعد الصراع، وعاش بسعادة لسنوات كثيرة.  إذا استسلم، فلن يكون من الممكن تصور ذلك المصير اللطيف. كانت السياسة الصارمة للإمبراطورية الآشورية هي خلع قادة الأعداء بعد استسلامهم، واستبدالهم بمن تعينهم الإمبراطورية.

 باختصار، لا تصمد أي من هذه   النظريات أمام التمحيص.

 كيف تلقيت نتائج تقييم كتابك، وتأييد أطروحتك بالإجماع؟

أنا سعيد بالنتيجة. القضاة الثمانية متخصصون ومعترف بهم في النوبة القديمة ومصر وآشور وإسرائيل. في الواقع، ستة فقط من الثمانية يدعمون الأطروحة؛ عالم واحد عارض والآخر لم يقرر. لكن إليك ما هو مذهل: على عكس القضاة الستة الآخرين، لم يتحد أي من الباحثين الأخيرين الجدل الكامن وراء الأطروحة. غريب: كيف يمكن للمرء أن يستكشف أطروحة ما إذا لم يدرس الأسباب التي تستند إليها الأطروحة بالكامل؟  تمسك العالمان ببساطة بمفاهيمهما المسبقة حول الكفاءة العسكرية الكوشية المنخفضة؛ لذا، نعم، أنت على حق، من بين هؤلاء القضاة الستة الذين فعلوا ما طُلب منهم القيام به وحكموا على الجدل، كان الدعم بالإجماع.

 ما السيناريوهات التي كان يمكن تخيلها بخصوص القدس بشكل عام لو كان الملك الآشوري سنحاريب قد نجح في تدميرها؟

قبل جيل من أزمة 701 قبل الميلاد، كانت هناك مملكتان عبرانيتان تابعتان للإمبراطورية الآشورية.  تمردت المملكة الأكبر، إسرائيل، على الإمبراطورية، وبالتالي استعادها آشور، وتم تدميرها بشكل عقابي عام 721 قبل الميلاد. تم ترحيل عشرات الآلاف من الناجين، وتشتتوا في زوايا بعيدة من الإمبراطورية، حيث تم استيعابهم في السكان المحليين، وفقدوا في نهاية المطاف هويتهم كعبرانيين. بعد سنوات، تمردت المملكة العبرية الأخرى، يهوذا، ورد الآشوريون في عام 701 قبل الميلاد، بقصد معاقبة يهوذا بالانقراض كما فعلوا مع إسرائيل. تظهر السجلات الآشورية أن الجيش دمر  46  بلدة في يهوذا وبدأ في إبعاد الناس. أخيرًا ، لم يتبق للغزاة سوى مدينة واحدة للاحتلال: القدس ، العاصمة. في ذلك الوقت، كان الآلاف من الأشخاص الذين كانوا محتشدين داخل أسوار القدس كل ما تبقى من المجتمع العبري. على مدى المائة عام الماضية، اتفق العلماء على أنه إذا نجح الآشوريون في الاستيلاء على القدس -تدميرها وترحيل شعبها – لكان المجتمع العبري قد هلك تمامًا. وهذا يعني أن اليهودية التي يطلق عليها غالبًا أول ديانة توحيدية طويلة الأمد في العالم لم يكن من الممكن أن تظهر بعد عدة قرون.  وهذا يعني أيضًا أن المسيحية – التي نشأت من اليهودية – لا يمكن أن تكون موجودة. والإسلام كان سيتأثر أيضاً، ولصار عالم اليوم مكاناً مختلفاً جداً جداً.

 هل تابعت اكتشافات تشارلز بونيه في معقل الكوشيين في كرمة، وهل ترى أن تاريخ الكوشيين كتب بشكل عادل؟

في القرن الثامن عشر وأغلب القرن التاسع عشر، كان الكتاب الأوروبيون يعاملون الكوشيين بموضوعية وكرم. لقد تعجبوا من آثارهم، ولاحظوا درجة ثقافتهم العالية؛ حتى إن بعض الكتاب نسبوا الفضل لتهارقا في صد الآشوريين. في نحو عام 1880م، توقفت هذه الصور الإيجابية إلى حد كبير.. لماذا ا؟  في ثمانينيات القرن التاسع عشر، دخلت سبع قوى أوروبية في أفريقيا وأخضعتها.لا يمكن إخضاع شعب ما واستغلاله إذا كان هناك من يقدر هذا الشعب، وبالتالي فإن الغربيين شوهوا تاريخ الشعب السوداني وأبطلوه. هذا الموقف العنصري آخذ في التلاشي الآن. تشارلز بونيه، الذي ذكرته، يجسد النهج الجديد المنفتح لكوش. يسعدني أن أقول إن هناك كثيراً من علماء النوبيين المنصفين مثله.

برأيك هل ساهم استمرار هالة التعظيم التي تحيط بالقدس بوصفها مدينة مقدسة في الديانات الثلاث في التوترات الجيوسياسية التي تواجهها اليوم؟

بالتأكيد. تساعد مكانة القدس بوصفها مدينة مقدسة في تفسير سبب اعتزازها كثيرًا من قبل كثير من أتباع الديانات الثلاث، وهذه الهالة الدينية تفسر كثيراً من البعد السياسي القوي للمدينة اليوم.  قلة من المقدسيين المعاصرين يفهمون الأصل الرائع لهذه المكانة الدينية.  توصل العبرانيون القدماء إلى الإيمان بأن الله سكن داخل تل المدينة، وأنه أثبت حبه للمدينة بحمايتها من الأشوريين الأقوياء.  عملياً لم تكن أي مدينة أخرى في الشرق الأدنى قادرة على إحباط الآشوريين، لذلك كان يُنظر إلى القدس على أنها فريدة من نوعها. في القرون اللاحقة، طورت ظروف أخرى فكرة قداسة القدس، لكن “معجزة” عام 701  قبل الميلاد هي الأساس.

 ماذا يعني ترديد قصة هذه «المعجزة» في العصر الحديث؟

لا تزال القصة قادرة على منح الناس الأمل في المواقف العصيبة.  خلال الهولوكوست، وجد السجناء اليهود في معسكرات الاعتقال مصدر إلهام في القصة التوراتية عن خلاص الله للقدس عام 701 قبل الميلاد، صلوا أن ينقذهم الله من النازيين، تمامًا كما أنقذ أسلافهم من الآشوريين.

 * كما تعلمون تعرض السودان لمحاولات من النظام الإسلامي المخلوع لمحو ذاكرته التاريخية والادعاء بأن تاريخ البلاد يبدأ بدخول العرب والإسلام.. بماذا تنصح أحفاد القائد العظيم تهارقا؟

أنا آسف، بصفتي غربيًا، لا أريد تقديم النصائح، سيكون ذلك من الوقاحة بمكان. وربما لن تكون نصيحة قابلة لتطبيق على أي حال.

 ثمة هجرات متتالية طالت كوش وخربت حضارتها، ما الذي يجب ان يفعله السودانيون لتعديل هذه الصورة؟

 أنا لا أعرف. تقتصر خبرتي في النوبة على فترة القرون: الثامن والسابع والسادس قبل الميلاد.

 هل أجرت أي جهات أكاديمية نوبية أو سودانية اتصالاً بكم، على الأقل من أجل ترجمة   أعمالك؟

  لا لم يحدث.

غلاف “صعود الكوبرا الذهبية”

 أخبرنا عن كتابك الآخر “صعود الكوبرا الذهبية ” الذي جسد سيرة الملك الكوشي بعانخي؟

 هو رواية تاريخية للشباب الذين تراوح أعمارهم بين 10 و14  سنة.  وهي تحكي قصة غزو مصر من الملك بعانخي، وكيف أصبح فرعونًا. تتبع الرواية عن كثب القصص التي تدور حول غزوه، ولكن يتم سردها من خلال عيون الصبي المصري الصغير، نيبي وصديقه اسيكبر بعانخي ابن شبيتكو في النهاية ليصبح فرعونًا.

 هل لديك رسالة محددة تود توجيهها إلى أحفاد القائد الكوشي بعانخي؟

كن فخوراً بأعظم إنجازات كوش. كان أحد هذه الإنجازات عسكريًا – فقد صد الكوشيون القوة العظمى الآشورية، ومنعوها من محاولة غزو مصر وكوش خلال العشرين عامًا المتبقية من حكم الملك سنحاريب.  ولكن هناك إنجاز أكبر – إنجاز فلسفي. لقد قاموا بتطبيق مفهوم يسمى ماعت. كما آمن المصريون بالمفهوم، لكن الكوشيين مارسوه بجدية كبيرة. يجمع المفهوم بين مُثُل الحقيقة والنظام والوئام والعدالة والإنصاف والنزاهة.  يعلم ماعت أنه إذا مارس كل شخص فيبلد ما ماعت، فستحدث أشياء جيدة.  إذا حكم الملك رعاياه بالعدل، وإذا لم يستغل مالك الأرض عماله، وإذا لم يخدعالتاجر زبائنه، وإذا كان الأبناء يحترمون الوالدين، فإن المجتمع سيحقق الانسجام الاجتماعي والسياسي.  هذا الانسجام هو ما سعى إليه ملوك كوش.  يمكننا أن نرى مفهوم ماعت يلعب بالطريقة الرائعة التي غزا بها بعانخي مصر: بعد هزيمة خصومه في ساحة المعركة، لم يعاقبهم بالاستيلاء على أراضيهم، وممارسة الاستغلال.  بدلاً من ذلك، عرف بعانخي أن المعاملة القاسية لن تؤدي إلا إلى الاستياء من كوش، ونشر التنافر في جميع أنحاء الأرض. وبدلاً من ذلك، أصدر عفواً عن خصومه السابقين، وسمح لهم بالاحتفاظ بممتلكاتهم وثرواتهم، مقابل ولائهم. لقد كانت إستراتيجية ناجحة: أعار الخصوم السابقون جنودهم للكوشيين، ومن خلال العمل معًا، تمكّن الكوشيون والمصريون من هزيمة آشور، وتحقيق الأمن ضد الغزو. قد يساعد هذا التطبيق الجاد لماعت في الشؤون الاجتماعية والسياسية في تفسير سبب ازدهار مملكة كوش لمدة 1100 عام، أطول من إمبراطوريات آشور أو بابل أو اليونان أو روما أو بلاد فارس أو بريطانيا.  لقد نسى العالم اليوم ماعت، مع أنه  يمكن استخدامه.

معظم المعلقين على أنباء التطبيع بين إسرائيل والسودان استشهدوا بكتابك لشرح العلاقة القديمة بين البلدين .. ما تعليقك؟

 لم أكن على علم بذلك قبل أن تخبرني به. سأكون سعيدًا جدًا إذا أصبح السودان وإسرائيل صديقين. أسفرت العلاقة الدافئة بين الكوشيين والعبرانيين عن نتائج ممتازة قبل 27 قرناً.  ربما يمكن فعل ذلك مرة أخرى.

السيرة الذاتية للكاتب هنري اوبين 

  • ولد هنري  تروسمي اوبين في ولاية نيوجيرسي في عام 1942م، والتحق بمدرسة متوشن  الثانوية هناك، ثم مدرسة  ليكول ديروشي في فرنسا. وتخرج في جامعة هارفارد في عام 1964 بدرجة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي. كما درس القانون في جامعة لافال، وحصل على زمالة نقابة المحامين الكندية.
  • عمل مراسلًا من البيت الأبيض لمصلحة صحيفة فيلادلفيا بولتين بين عامي 1965 و1970م، ثم أصبح مراسلًا لصحيفة الواشنطن بوست.
  • انتقل إلى مونتريال في عام 2973م لتأسيس أسرته، والعمل في صحيفة مونتريال جازيت، إذ كان صحفيًا استقصائيًا، وكاتبًا ومحررا   للشؤون الإقليمية.
  • –         في الجازيت حصل أوبين على ثلاث جوائز، واحدة عن تقاريره الاستقصائية، وجائزتان عن كتابة الأعمال الوطنية. وفائز مشارك في جائزة 

B’nai Brith Media Human Rights Media Award  

وحصل على جائزة الشؤون الحضرية من قبل Ordre des Urbanistes du Québec  

  • تقاعد عن العمل الصحفي عامفي عام 2013م.
  • –        أوبين هو أحد أربعة المؤسسين لمركز الصحافة الاستقصائية، أول منظمة للصحفيين الكنديين التي تطورت منذ ذلك الحين الى الرابطة الكندية للصحفيين.
  • مؤلف كتاب “إنقاذ القدس: التحالف بين العبرانيين والأفارقة عام 701 قبل الميلاد، وقد نُشر في عام 2002م، ونسب الفضل فيه إلى جيش استكشافي من النوبة، أو كوش) لإنقاذ القدس من الدمار على يد الجيش الآشوري. وتم تأييد الأطروحة من هيئة محلفين مكونة من ثمانية مؤرخين بتكليف من مجلة الكتاب المقدس العبرية، وهي مجلة أكاديمية قامت بجمع التقييمات التفصيلية للعلماء، ونشرتها في كتاب في عام 2020م، ويحمل عنوان: “بقاء القدس ورحيل سنحاريب ودور الكوشيين في عام 701 قبل الميلاد”، كما حصل فيلم إنقاذ القدس على جائزة الكتاب اليهودي الكندي للتاريخ، وجائزة اتحاد كتاب كيبيك للكتابة الواقعية. 
  • مؤلف كتاب “من يخاف من الانفصاليين” في عام 2004م، وهو فحص نقدي لعمليات الاندماج البلدية القسرية في كيبيك بكندا، و”مدينة البيع” في  1977م، وهو تحقيق تناول  المصالح  المالية العالمية وراء سياسة التنمية الحضرية خلال فترة ازدهار مونتريال 1976م.
  • –        كتابه الروائي الوحيد هو 

Rise of the Golden Cobra (2007)  

(صعود الكوبرا الذهبية) 

وهو رواية تاريخية عن الجيش النوبي مخصصة للشباب.

  •  حصل على جائزة نوتيلوس الفضية بالولايات المتحدة، وهو أيضًا كتاب شرف لجائزة 

Africanana Book 

الولايات المتحدة. وكتاب شرف لجائزة Skipping Stones Book 

الولايات المتحدة 

  • يعيش أوبين في مونتريال مع زوجته بينيلوب ولديهما أربعة أولاد كبار. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*