أفراح الخروج من مستنقع الإرهاب لا تلغي صوت الشارع وغضبه

  • 15 ديسمبر 2020
  • لا توجد تعليقات

محمد المكي أحمد


قرار الولايات المتحدة الأميركية بإخراج السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب – بعد 27 عاما من العزلة والحصار الشديد في المجالات الحياتية كافة – إيجابي وحيوي، ويفتح أبواب التواصل والتعاون على مصاريعها مع المجتمع الدولي.
القرار الذي صدر اليوم (14 ديسمبر 2020) جاء غداة تطورين أميركيين مهمين وحيويين، الأول تمثل في قرار واشنطن إخراج السودان من قائمة الرقابة على الحريات الدينية، إذ بات السودانيون (خصوصا اخوتنا المسيحيين) يتمتعون بحرية دينية مقننة ومن دون أية قيود، ويعد هذا من أبرز التطورات خلال هذه المرحلة.

أعتقد بأن حماية ورعاية حرية الاعتقاد لمعتنقي الأديان السماوية الثلاثة (الإسلام، المسيحية واليهودية) هي حق ديني نص عليه ديننا الإسلام، إذ قال تعالى في كتابه الكريم (لا إكراه في الدين….)، كما أنه حق إنساني في المجتمعات المتحضرة.

التطور الأميركي الثاني عشية رفع السودان من قائمة الارهاب يكمن في إقرار (الكونغرس) الأميركي يوم الجمعة الماضي (11 ديسمبر 2020) مشروع قانون بحثه (الكونغرس)، ويحمل اسم (قانون الانتقال الديمقراطي في السودان، والمساءلة والشفافية المالية لعام 2020).

القانون حظي بدعم الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وحمل رسائل لبريد بعض العسكريين، وخصوصا من يفكر في أية محاولة انقلابية عسكرية حمقاء، وهذا يعني أن المغامرين سيواجهون شعبا سودانيا ثوريا، ومحيطا اقليميا وأسرة دولية ودعت زمن الانقلابات وتفرض على مرتكبيها عقوبات صارمة.

هذا القانون يدعم الانتقال الديمقراطي في السودان ويطلب من الخارجية الأميركية تقديم استراتيجية دعم للعملية الانتقالية في السودان، وينص ضمن بنود عدة على السيطرة المدنية (الحكومة المدنية) على القوات المسلحة والأمنية، وتفكيك المليشيات المسلحة، والمحاسبة على انتهاكات حقوق الإنسان.

في سياق كل هذه التفاعلات والأجواء الحيوية، من حق شعبنا اليوم أن يفرح بخروج المواطن والوطن من القائمة الأميركية السوداء للإرهاب، وأرى – مع تقديري للجهود الدبلوماسية التي بذلت لتحقيق هذا الهدف مع تحياتي لمن ساهموا في ترتيبات هذا الحدث – أن هذا الإنجاز التاريخي لم يكن في مقدور أي حاكم أن يحققه من دون نجاح ثورة شعبنا السلمية الباهرة ( التي انطلقت من ديسمبر 2018 إلى 11 أبريل 2019 وهو تاريخ سقوط النظام (الديكتاتوري الظالم والفاسد).

أي أن التحية أولا وأخيرا، والدعاء بالرحمة لشهداء الثورة السودانية منذ 30 يونيو 1989 (تاريخ انقلاب الجبهة القومية الإسلامية ذات المرجعية الإخوانية) وحتى اليوم (إذ سقط شهداء في زمن الثورة، في أثناء تظاهرات سلمية!).
التحية لشباب ثورة ديسمبر السلمية من الجنسين، وفي الصدارة حواء السودانية بزغرودتها الجميلة، هؤلاء صنعوا تاريخيا جديدا، فاجأ وبهر الأصدقاء والأعداء، وفتح مناخ التواصل، وأبواب التعاون بأوسع مصاريعها مع العالم الحر.

خروج المواطن والوطن من قائمة الإرهاب، التي لا تشبه أخلاق السودانيين، الطيبين، والمسالمين توجه رسالة ساخنة موجعة يتلقاها اليوم الانقلابيون، الذين انقلبوا على نظام ديمقراطي منتخب، كما يتلقى الرسالة نفسها من آزروهم ظلما وبهتانا، من حكومات أو أحزاب أو شخصيات أو صحافيين أو دعاة (شر) في المنطقة والعالم.

هؤلاء ساهموا بشكل أو بآخر في أوجاع شعبنا، ويتحملون مسؤوليات تاريخية بسبب مناصرتهم للظالمين، الطاغين، لأنهم سايروا أو غضوا الطرف، أو دعموا من مارس الإرهاب على شعبه، وفتح السودان لمتطرفين وإرهابيين من دول عدة.
الخروج من قائمة الإرهاب استحقاق عن جدارة، وليس منحة من أحد، فالثورة السودانية أنهت عهد التطرف والإرهاب، لكن لا يمكن في هذا السياق أن نتجاوز الحقيقة القائلة أن أساليب إدارة السلطة الانتقالية (مجلس السيادة والحكومة المدنية) لملف الخروج من القائمة السوداء الأميركية اتسم أيضا بخضوع لابتزاز الرئيس الأميركي دونالد ترمب (المنتهية ولايته في يناير المقبل).

لم يكتف ترمب بأن تدفع الحكومة السودانية 335 مليون دولار تعويضا لضحايا تفجيري السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998 (في زمن المخلوع عمر البشير) بناء على حكم أصدرته المحكمة العليا الأميركية ، بل فرض ( ابتزازا ) ملموسا بشأن قضية (التطبيع)، وهي قضية يمكن أن تناقشها حكومة منتخبة أو برلمان الشعب المنتخب في فترة لاحقة، إذ أن من حق شعبنا أن يناقش بناء علاقات جديدة مع كل دول العالم، وبينها إسرائيل .

قلت في فضائيات ومقالات وأكرر أن إسرائيل دولة موجودة في المنطقة والعالم، لكن التطبيع ليس أولوية سودانية في هذه المرحلة، وكنت قلت في حينه في قناة (فرنسا 24) أن طرح هذا الموضوع يخلق خلافات على الساحة السياسية في مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، وهذا ما حدث.

قلت وأكرر أن الأولوية لتحقيق العيش الكريم للسودانيين، وتحقيق العدالة ودولة المواطنة للجميع، واستكمال السلام الذي بدأ في جوبا بتوافق مع القائدين عبد العزيز الحلو رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان، وعبد الواحد محمد النور رئيس حركة وجيش تحرير السودان، أو أية جهة ترى أن لديها حقا منقوصا، مغبونا.

يلاحظ في هذا الاطار أن الفترة الماضية شهدت انتهاكات متعددة الأشكال والألوان للوثيقة الدستورية، وهي أصلا تعاني من جوانب قصور، وكان على رأس منتهكي الوثيقة رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وجاءت آخر الانتهاكات في صلاحيات ( فضفاضة) بشأن دور (مجلس شركاء الفترة الانتقالية) قبل أيام، ما أثار غضب حمدوك رئيس الحكومة و(قوى الحرية والتغيير) التي تعاني من أوضاع تمزق وحال تشتت، وضعف، أضاف لضعف الحكومة ضعفا على ضعفها.

رئيس الحكومة الانتقالية دكتور حمدوك الذي وجد دعما غير مسبوق في تاريخ السودان (وكنت دعمته بتعليقاتي وكتابات دعما قويا وبقناعة) لم يمارس في رأيي أعلى درجات الشفافية مع شعبه الذي وضعه في حدقات العيون.

صدقيته أصيبت كما حال رئيس مجلس السيادة إصابات خطيرة بعدما تضاربت تصريحاته بشأن (التطبيع) مع واقع الحال، وهو لم يكاشف الشعب بالحقائق حول قضايا عدة بشأن ما يسميه (تحديات) تواجه الفترة الانتقالية، وبينها الوضع الاقتصادي الذي يزداد تعقيدا وتدهورا بعد مرور أكثر من عام على أدائه اليمين الدستورية رئيسا لحكومة (الثورة) في 21 أغسطس 2019.

مشهد تفاعلات الأوضاع في السودان (قبل وبعد) رفع أسم السودانيين من قائمة الإرهاب يثير قلق الشعب، والحريصين على نجاح الفترة الانتقالية.

الشارع يريد حكومة جديدة تعبر عن نبضه بقوة، وتلقى احترامه بأدائها، وتمارس أعلى مستويات الشفافية والصدقية، وتسعى لتحقيق أولويات الفترة الانتقالية المحددة في الوثيقة الدستورية، وبينها بناء علاقات خارجية متوازنة لا تسقط في مستنقع المحاور، وتبني علاقات مع كل دول الإقليم والعالم من دون خضوع لأحد، لأن الخضوع يعني اذلال الشعب وهو يتناقض مع كرامة وإرادة من صنعوا الثورة الشعبية بدمائهم ودموعهم.

أرى أن أمام كل القوى السياسية والمهنية تحديات كبيرة الآن، اذ أنه على الرغم من أفراحنا برفع اسم السودان من قائمة الإرهاب فان الشارع غاضب وهو يحتفي بذكرى اعلان استقلال السودان من داخل البرلمان في 19 ديسمبر 1955، وفي الوقت نفسه يستعيد تفاعلات ثورة ديسمبر 2018 التي ما تزال ايقاعاتها حية ، وستبقى راسخة في القلوب والعقول، لأنها نتاج دماء ودموع، وتضحيات بنات وأبناء السودان، داخل الوطن، وعلى امتداد خريطة العالم.

شعبنا غاضب على عدد من الجالسين على كراسي الحكم في مجلسي السيادة والوزراء، وحانق على (قوى الحرية والتغيير) التي وصفت نفسها ب (الحاضنة السياسية) لحكومة الثورة (المدنية).

التحالف الحزبي والمهني الحاكم (نظريا)، أضاع وقتا ثمينا في المناكفات والصراعات، وفشل حتى الآن في عقد مؤتمر تـأسيسي يضبط التوجهات والممارسات، كما فشلت قوى مهنية للأسف الشديد حتى الآن في تكوين نقابات مهنية مستقلة، وانخرط عدد من قادتها وأعضائها في صراعات ضارة، وبينهم صحافيون.

(قادة عدد من الأحزاب) ومهنيون أيضا لم يهتموا بفتح أبواب المشاركة والتدريب أمام الجيل الجديد، جيل الثورة والمستقبل (من الجنسين)، وتكالبوا على (لجان المقاومة) لشق صفوفها، وهي من أروع ابداعات الثورة ومن أجمل ثمارها.

ما يؤسف له في زمن نجاح الثورة الشعبية السلمية أن يكون اسماع صوت الشارع وغضبه (للحكام الجدد) بات ضرورة ملحة فرضتها وتفرضها أوضاع مأزومة و غير مقبولة شعبيا، في زمن وباء كورونا القاتلة، التي افقدتنا أرواحا عزيزة وغالية ومبدعة، ما يتطلب المزيد من الحذر واليقظة.

شعبنا لن يجامل بشأن حتمية نجاح مسارات ثورته الباهرة وتضحياته المتميزة.

السلمية كانت وستبقى أروع ابداعات الشعب السوداني، سواء للإطاحة بالديكتاتوريات، وهذا ما أكده الشعب في ثورات 1964و1985 و2018 أو لتصحيح المسار تصحيحا شاملا، وهذا ما أدعو الى التمسك به في أي وقت.

هذا معناه أيضا أن خروج السودان من قائمة الإرهاب أو حتى في حال الحصول على حصانة للحؤول دون ملاحقات مستقبلية للسودان أو لشخصيات بشأن تدمير برجي مركز التجارة الدولي بأميركا في أحداث 11سبتمبر الإرهابية في العام 2001 لا يغني عن المكاشفة، وأهمية الالتزام بالإدارة الرشيدة، الجماعية.

الادارة الرشيدة المطلوبة تلتزم المؤسسية عنوانا، والصدقية أسلوبا، والعمل الجماعي الميداني، لتجسيد شعارات ثورتنا وأولويات المرحلة الانتقالية على أرض الواقع، تمهيدا لانتخابات عامة حرة ونزيهة.

قلت في تلفزيون (بي بي سي) في أثناء تفاعلات ثورة ديسمبر في العام 2018 أنني مع صوت الشارع خلال الفترة الانتقالية وبعدها.. وما زلت وسأبقى بعون الله مقتنعا بدور وفاعلية صوت الشارع السوداني عندما ينبض نبضه.. المزلزل.. الرافض لأوضاع البؤس السياسي والاقتصادي.. أو القمع (في زمن الحرية)..

صوت الشارع كان وسيبقى مهما وحيويا.. اليوم وغدا.. برسائله الفصيحات.. والساخنة….

لندن- 14 ديسمبر 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*