تهجير

  • 17 ديسمبر 2020
  • لا توجد تعليقات

مي عبدالحميد

وضعت ريشتها بعد أن أنهت آخر رتوش في اللوحة الأهم للمعرض، لم تكن تهتم كثيراً بكم ستقدر لوحاتها، بقدر اهتمامها وشغفها بماذا سيكون رأيه إن رأها يوماً!!
هل سيدرك ما تبوح به من رسائل ترسمها خصيصا له؟
هل سيقدر كم ليلة سهرتها لتنقش نقطة تشير إلى شيء ما في قرارة نفسها!!

وبقعة الضوء تلك، أضافتها لتفتح بها الأفق إلى ذهنه، أو ذلك الخط عبّدته بريشتها ممراً، مابين قلبيهما، لتمر من خلاله كفراشة، مضمخة بالعطر، فتحط على وسادته قرب أنفاسه لتعلن استسلامها فوق شفتيه، ثم تغيب ويبقى عطرها.
رسمت معابر في كل لوحة، وكأنها تتمنى الوصول إليه في عالم لم يوجد بعد.

صبغت لوحاتها بألوان الربيع كلها، وزهور الليلك تفتحت ليولد الصيف داخل براويزها، وغاب تماماً الشتاء، تركته عندما عرفت دفء العشق والتحفت به في غربتها.
وجل ما بقي لها من شعور هو أنها حتماً ستلقاه يوماً بشعره البندقي، وعنقه الأجيد، وأنامله الدقيقة.

أما هو فكان بدوره أيضاً لا يمل من عزف الألحان لها، مرة ينشد حنينه، ومرة يبكي غيابها.

وصف بنغماته ليل غرتها وبريق النجم في مقلتيها، صوتها ظل يرن كأنغام كمان على أوتار قلبه، وعبيرها لم يفتأ أن يغيب عن رئتيه.

يرن هاتفه فيضطرب باحثاً عنه!!

الوو نعم: حتماً سأكون على الموعد، أنا في انتظار مساعدي.
تأنق رغم أن الألوان كلها باتت رمادية، لكن رغبته في لقائها ككل مرة يزور فيها دار الأوبرا المصرية لا تكتفي من الإصرار عليه أبداً، يتمنى لو أنها تسمع ما يعزفه لها منذ افترقا بعد آخر إنفجار لم يرها بعده.

ها هي هناك، تشير للعامل أن يرفع براويزها بهوادة ورقة، لكنها أمسكت يده عن آخر لوحة.
نظرت إليها في تردد، وظلت تنظر إلى تلك السماء باستغراب، وكأنها ليست من صبغها.

غلبت عليها الوان باريس.

سألت نفسها يا ترى أبدأت أنسى آخر أيام الحرب؟!ا

اعتصرت قلبها خوفا من فقدان ذكراه.

هناك على مقعده بدأ يعزف سيمفونيته الحزينة عن أنين الوداع، عن شتاتٍ حلَّ بقلبه، عن عتمة الأيام حوله، فرجّ القاعة صدى الشتاء النابع من الصقيع في صدره.

أما هي ظلت تتذكر وجوه كل من فقدتهم وحين أكملت رص لوحاتها، عبرت من خلال تلك السماء الأرجوانية وغابت في زمان ماقبل الفراق.

فما استطاعت أن تسمع صدى احتياجه واشتياقه بعد أن فقدت سمعها مع آخر دوي انفجار.

ولا هو استطاع قراءة رسائلها بعد أن كفنت عينيه بالرماد.
وعاد كل واحد منهما لعالمه بعد فيض من التصفيق.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*