لماذا على السودان الاهتمام بحماية البيئة؟

  • 31 ديسمبر 2020
  • لا توجد تعليقات

د. محمد أحمد عبدالله

سفر الدخول

تصدرت صورة لعاصفة ترابية مهولة “هبوب” فوق سماء الخرطوم ، خبر محطة السي ان ان التلفزيونية الأمريكية المعروفة المنشور في ديسمبر 2016 عن التغير المناخي في السودان. جاء الخبر تحت عنوان ” التغيير المناخي قد يحول السودان الى دولة غير قابلة للحياة” .

محررة الخبر بيانكا بريتون تحدثت عن تاثر السودان بالحروب الداخلية لعقود طوال. كما انه يعد من اكثر الدول هشاشة في العالم ، نسبة لنظمه البيئية المتاكلة وموارده الطبيعية المتناقصة. فدرجات الحرارة في ازدياد، ومصادر المياه في تناقص، وخصوبة الأرض تقل باضطراد، والجفاف الماحق اصبح شيئا لافتا للنظر.
وإضافت ان الخبراء يؤكدون انه ما لم يتم تدخل سريع يغطي اجزاء واسعة من البلاد، فإن بعض ربوعه ، قد تصبح الحياة فيها أثرا بعد عين. ذلك عندما يهجرها سكانها فرارا من الرمال الزاحفة ومعدلات التصحر المتزايدة . بالطبع يقود كل ذلك الى تدهور مساحات الانتاج الزراعي والحيواني حتما.

مدخل

في اكتوبر الماضي، صدر عن حكومة السودان وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة أول تقرير من نوعه مشترك عن حالة البيئة والتوقعات البيئية لجمهورية السودان تحت شعار البيئة من أجل السلام والتنمية المستدامة. مما يعد التزاما سياسيا جادا ومسؤلا من قبل الحكومة ازاء مجابهة قضايا البيئة والتغير المناخي.

أتي إطلاق هذا التقرير في الوقت الذي يعمل فيه السودان على تحسين أنظمته السياسية والاقتصادية في أعقاب الثورة التاريخية التي اندلعت في البلاد والتوقيع الرسمي الأخير لإتفاقية السلام في ٣ أكتوبر ٢٠٢٠ بين الحكومة وجزء من تحالف حركات الكفاح المسلح. تمثل جهود السودان لإعادة البناء فرص جديدة لضمان مراعاة القضايا البيئية في مرحلة انتقال البلاد إلى الحرية والسلام والعدالة. والواقع ان شعارات الثورة المجيدة تبدو مقاربتها مع جهود الحفاظ على البيئة وتحقيق التنمية المستدامة واقعاً ملموسا. فالعدالة تتمثل في توزيع الثروات الطبيعية وكسب منافعها بالقسط والميزان؛ والسلام الشامل مدعاة للاستقرار وتناغم العلاقة بين الانسان وبيئته نماءا وازدهارا بدلا عن تحطيما وتدميرا. كما ان الحرية قيمة اساسية فى سعي الانسان لتحقيق العمران وفق مبدا الاستخلاف في الأرض تنمية ورخاءا وحبورا.

يتألف تقرير حالة البيئة والتوقعات البيئية من عشرة فصول تحتوي على حقائق وأرقام عن حالة واتجاه البيئة في السودان في الفترة من ٢٠١١ إلى ٢٠٢٠. وتأتي التوقعات مع الرؤية البيئية التي تطمح البلاد إلى تحقيقها بحلول عام ٢٠٣٠. ويسلط التقرير الضوء على الاحتياجات التالية:
_ تحول التركيز نحو التنمية الريفية والاستثمار والابتعاد عن التنمية التي يغلب عليها التوجه الحضري مما يساعد على تقليل الهجرة من الريف إلى الحضر.
_ مواءمة أنظمة وقوانين الأراضي وإدماج الحقوق العرفية في القانون التشريعي وفقـاً لأفضل التجارب والممارسات الدولية.
_ تسريع و تكثيف إجراءات التكيف مع تغير المناخ والمرونة وتعزيز التقنيات الواعدة وتحسين خدمات الإرشاد الزراعي.
_ وضع إطار تنظيمي لقطاع التعدين لتشجيع الاستخدام الحكيم للموارد المعدنية في البلاد وفي الوقت نفسه تعزيز تقنيات التعدين الصديقة للبيئة.

ويتناول التقرير التحديات البيئية المحددة في السودان بالتفصيل، ويغطي جميع القضايا البيئية بدءاً من إزالة الغابات وتدهور الأراضي وصولاً إلى إدارة النفايات والأمن الغذائي. ويقدم التقرير حقائق وأرقام مفصلة تم جمعها من مجموعة واسعة من المؤسسات والمسؤولين والخبراء وأصحاب المصلحة.

ويستكشف الفصل الأخير من التقرير خيارات السياسات لمستقبل مستدام وسلمي للسودان. ويظهر سـيناريوهان محتملان في المستقبل موصوفان في التقرير: العمل على النحو المعتاد وتغيير الاتجاه السلبي، واتباع مسار التنمية الحالي للبلد دون تدخل، والآخر يتبع المزيد من الحفاظ على البيئة وإدارة أفضل للموارد الطبيعية.

تتضمن بعض خيارات السياسات الواردة في التقرير ما يلي:

١- تلوث الهواء: على السودان أن يستجيب بشكل فعال لتغير المناخ وتلوث الهواء من خلال تبني سياسات راشدة، وتحديداً في مجال الطاقة المتجددة.

٢- الأراضي: يجب على الحكومة أن تنسق أنظمة حيازة الأراضي في الدولة وتنفذ التزامها بإنشاء لجان للأراضي على المستوى الإتحادي ومستوى الولايات.

٣- المياه: يجب على السودان تطبيق الإدارة المتكاملة للموارد المائية وتعزيز تقنيات حصاد المياه.

٤- التنوع الأحيائي: ينبغي تطوير سياسات وطنية فعالة لضمان قيام المؤسسات على جميع المستويات بإعطاء الأولوية للتنوع الأحيائي في خطط التنمية للبلد بالتنسيق مع الاستراتيجية وخطة العمل الوطنية للتنوع الأحيائي.

٥- القضايا المستمرة: ينبغي أن يقوم السودان بإعادة تقويم سياساته الحالية لمعالجة المشاكل البيئية الرئيسية المستمرة في السودان بشكل أفضل، وأهمها التصحر ومبيدات الآفات والنفايات.

سفر الخروج

عند عودة الامام الراحل الصادق المهدي في 19 ديسمبر 2018 ، من منفاه القسري خارج البلاد، القى خطابا سلط الضوء فيه على قضية الاحتباس الحراري. في خضم الانزلاق السياسي والدعاية الصفراء اُخرجت تلك الاضاءة الباهرة من سياقها الموضوعي والذي يعكس اهتماما غير معهود من الساسة وقادة المجتمع، كما انها رؤية نيرة وخارطة عمل مستقبلية مكتملة الاركان :

” هناك موضوع أريد أن تتابعوه جيداً لأن كثير من الناس لا يقدرون حقيقته، موضوع الاحتباس الحراري؛ فموضوع الاحتباس الحراري هذا إذا سمح له أن يستمر كما هو سوف يشوي العالم، ولدينا فيه إمكانية كبيرة. كنا وما زلنا مهتمين بتدهور البيئة الطبيعية، ونحن من ضحايا الاحتباس الحراري، وتابعنا قرارات دولية تلزم الدول الملوثة للبيئة بدفع أموال لتعويض الضحايا ‘نحن’ بصورة تواجه الأضرار المناخية التي سوف يواجهونها. في يوم السبت الماضي 15/12/18 عقد مؤتمر في بولندا قال فيه خبراء الهيئة العلمية التابعة للأمم المتحدة بضرورة أن ينخفض إنتاج المواد الأحفورية مثل البترول وغيرها إلى النصف في فترة 12 عاماً. ولكن الدول المنتجة رفضت هذا الكلام. علينا أن نقترح أنه بدلاً عن هذا الحل يمكن القيام بحل عن طريق آخر وهو تخضير المناطق الممطرة والمناطق شبه الجافة، والسودان يملك أراض بملايين الأفدنة، فإذا دُعمنا عن طريق مشروع العدالة المناخية يمكن أن يزرع السودان ترليون شجرة في المناطق المختلفة، وكذلك الاهتمام بالطاقة المتجددة خصوصاً الشمسية. هذا يمكن أن يعالج المسألة بطريقة غير الطريقة الفاشلة الحالية، هذه المسائل فيها مصلحة كبيرة”

*باحث في مجال البيئة والتنمية المستدامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*