الدولة الظالمة لثقافاتها والمُنتج الثقافي الظالم لنفسه

  • 24 مارس 2021
  • لا توجد تعليقات

د. وجدي كامل



ستظل نسبة كبيرة من شريحة العاملين على الثقافة، والممارسين الممتهنين لمجال من مجالات الفنون غارقة في العوز والفقر وسوء الحال أسوة بمن سبقوهم في التاريخ الاجتماعي اذا ما استمرت السياسات المالية للدولة على صيغتها التاريخية المركزية القابضة على مدخلات الإنتاج دون استثناء لبعضها وتمييزه عن البقية. ومن ذلك البعض تكون الثقافة، والفنون، والسياحة كقطاعات متقدمة في تشكيلة المدخلات.

لقد قادت السياسات المالية القابضة وعلى مر ستة عقود ونيف الى خنق التطور الثقافي والفني في مجالات الإنتاج الثقافي التراثي والشعبي وكذلك التشكيل، والمسرح، والسينما، والعروض الموسيقية، والأدائية البحتة بحسبان بنى على باطل، وحسابات خاطئة ربما. فقطاع الثقافة ومنذ تاريخ بعيد تم النظر له كقطاع طلبي غير منتج، أي ان الدولة تصرف عليه ولا يصرف عليها.

وتعود الظاهرة الى زاوية النظر التي رأت منها الدولة الثقافة في الآداب والفنون كمجالين غير معنيين بمدخلات الاقتصاد الاستراتيجية، وهو ما يتناقض مع الحقيقة ويفضح مباشرة القاعدة النظرية التي تنطلق منها الدولة والحكومات في نظرها ونظرتها للقطاعيين. فأصل النظرة، والمنظور سياسي يعود الى وحدة النظرية السياسية الخائبة التي شملت وتعاملت بها كافة الأحزاب السياسية مع الثقافة عندما رأت لها كأنشطة مساندة للبروباغاندا والعمل السياسي وليست حقول انتاج اقتصادي موازي ورديف.

أدى ذلك السلوك النفعي، المنفعي، ويؤدي حتى اللحظة الى حدوث انقسامات هائلة في العلاقة بين العاملين الثقافيين، والممارسين الفنيين وبين السياسة وكياناتها التقليدية وقواها الحية عندما يجد الكثير من الفاعلين الثقافيين والفنيين أنفسهم خارج معايير الضبط السياسي والتعريف بجلال الخدمة التي يقدموها للمجتمعات.

فالأحزاب السياسية وهي خارج السلطة تنشئ علاقات أقرب الى العلاقة الانتهازية الاستغلالية بالثقافة وبحيث يجد التعبير عن ذلك وضعها في مصاف الأدوات المهيجة للإثارة السياسية وتغليب كفة الصراع لصالحها عند التنافس على السلطة في الفترات الانتخابية، وكذلك عند فتح بلاغات الانتهاكات السياسية للنظم الحاكمة فتستعير بها كوسيلة لفتح البلاغات في نيابة الرأي العام بواسطة القصائد، والاغاني، والرسومات الكاريكاتورية احيانا، ولكن الثقافة كمصدر للمدخلات المالية وإعطاء الأحزاب المنعة والصحة الاقتصادية امر يقع خارج التفكير وهو ما يقودها فيما بعد لأنشاء وزارة لها (تضمن غالبا مع الاعلام) وتحديد أقل وأضعف الميزانيات لها واعتبار ما تخصصه للثقافة والفنون بمثابة عطية مزين.
وأيا كانت الأحزاب والقوى السياسية في السلطة وجزء من الدولة او خارجها فإنها تعمل على تحريض المجتمعات على النظر غير المنتج لثقافاتها بواسطة بذر عدم الثقة وتعميقها بين المجتمعات والثقافة بالرغم من أنها أداة فاعلة في نضالاتها لأجل إيصال أصواتها ومطالباتها بحقوقها الحية الحيوية.

ولكن اين يكمن مركز المشكلة؟
يكمن مركز المشكلة في قصور ومحدودية التعريف التاريخي لدى المؤسسات السياسية للثقافة بحيث يقع التعريف لها باعتبارها الفنون والآداب بينما التعريف المعاصر المعتمد المتفق عليه من قبل اليونسكو يشرح ذلك بالقول: (تعرّف اليونسكو الثقافة على أنها مجموعة متنوعة من الخصوصيات الدينية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميّز مجتمعاً معيناً أو مجموعة معينة، لا تشمل الفن والأدب فقط، بل أنماط الحياة وطرق العيش المشترك، ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات (اليونسكو، 2001 .) في حين أنه من غير الممكن دائماً قياس تلك المعتقدات والقيم بصورة مباشرة، يمكن في المقابل قياس التصرفات والممارسات المرتبطة بها. من هذا المنطلق، يعرّف إطار اليونسكو للإحصاءات الثقافية الثقافة من خلال تحديد وقياس التصرفات والممارسات الناتجة عن معتقدات وقيم مجتمع معيّن أو مجموعة معينة).

أما المجالات الثقافية التي يتم تعريفها حسب اليونسكو فهي: الاقتصادية (مثل إنتاج السلع والخدمات)، والاجتماعية (مثل المشاركة في الأنشطة الثقافية) التي جرت العادة على اعتبارها «ثقافية». بالإضافة إلى ذلك، تتكون المجالات ذات الصلة من الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية الأخرى التي يمكن النظر إليها كنشاطات «ثقافية جزئياً»، أو التي تعتبر في أغلب الأحيان على أنها «ترفيهية أو للتسلية» وليست «ثقافية محض».

وتتشارك الثقافة والفنون بهذا التعريف بما نسبته ال 60 في المائة وأكثر من الميزانيات العامة لبلدان كأميركا وروسيا وانجلترا والهند وغيرها وبحيث تستفيد هذه البلدان منها في دعم وتغذية اقتصاداتها على نحو يساهم في تطبيق خارطة التنمية العامة بها وتطوير الخدمات ورفد الحياة بالتطورات المتعددة. فعلى سبيل المثال لا الحصر ساهمت الثقافة والفنون بما قينته ال 18 مليار جنيه إسترليني في ميزانية إنجلترا للعام 2018.

وبما سبق نجد ان العلة تقوم في النظرة الدونية لمؤسساتنا السياسية وبالتالي (الدولة المتكونة منها) للثقافة والفنون على الرغم من ان تلك النظرة تعد المدخل المسبب لكافة مشكلات الدولة تاريخيا من قتال اثني وقبلي وحروب أدت الى انفصال جزء عزيز منه هو الجنوب.

اعادة تعريف الثقافة في علاقتها بالاقتصاد والدولة تغدو وبعد ثورة ديسمبر المجيدة ذات الطابع، والطبيعة الثقافية مهمة متقدمة يجب على الجميع مناقشتها بكل وضوح مع صانعي القرار السياسي وتوضيح الخطل والخطأ التاريخي الذي يسبب ويتسبب في انتاج مشكلات لا حد لها فيما يتصل بمنظومة الوعي العام الذي تعول عليه الدولة في الانتقال من حقبة مظلمة من الشمولية والاستهتار بمعايير الثقافة والعلم الى حقبة جديدة تحترم تلك المعايير وتعمل على أساسها.
دون ذلك سوف تظل الدولة كقاطع طريق للتطور، وسوف يدفع الناس ثمن خداعها لهم بشعارات العدالة والحرية والسلام – تلك الشعارات التي هي قيم ثقافية عملية تطبيقية بالأساس يخلقها الناس ويروجون لها عبر حرية التعبير الثقافي وجعل منتجاته متاحة للمساهمة في دورة الاقتصاد القومي وبحيث يصبح العائد من تلك المساهمة صالحا لتطوير المنتج الثقافي وبنياته ولا يذهب الى البند الأول المتعلق بمصروفات وزارة المالية على رواتب العاملين بالدولة.

وكمثال عملي على ذلك نجد ان ثمة اتهام ظل يلاحق السينمائيين السودانيين منذ الاستقلال وهو لماذا لم نشاهد أفلاما روائية تفي و الغرض أو المعنى الشائع من السينما كونها روائية اسوة ببقية البلدانن وهو سؤال مشروع، ولكن لا احد يدري من السائلين او الناس ان ذلك كان ممكنا بعد تأسيس مؤسسة الدولة للسينما عام 70 وبحيث كانت الإيرادات من عائدات الفرجة السينمائية بالبلاد قادرة على إعادة تدوير جزءا منها ا لصالح تمويل الأفلام الروائية بدون ان يحدث ذلك بسبب اندماج العائدات ضمن الدورة الكلية للموازنة وعدم تخصيص الجزء اليسير منها لمصلحة تنمية السينما وبالتالي الثقافة كلها-

لماذا؟ لان السينما وخاصة الروائي منها هي سوق تنمية وعرض لبقية الفنون الأخرى من تشكيل ومعمار وموسيقى ورقص وكتابة وهي أنواع فنية تغتني وتتغذي بثراء خدمة الإنتاج السينمائي من الأفلام الروائية خاصة وليست التسجيلية الوثائقية.

الآن يطرح السؤال لماذا لا تتقدم العروض الثقافية والفنية السياحية وكذلك لماذا لا تتطور منتجات التراث الشعبي؟ هل لإعاقات موروثة في الصانع والصانعين والصانعات من السودانيين ام لأسباب أخرى؟

الإجابة تكمن في الأسباب الأخرى بالطبع والمتصلة بغياب الاقتصاد الثقافي، واقتصاد الفنون، والسياحة والذي لا يجد التوصيف الوظيفي الفاعل والفعال ضمن الخطة والاستراتيجية الاقتصادية العامة لوزارة المالية والاقتصاد لعجز قديم مقيم في مفاهيم السياسة السودانية وإدارة العلاقة بالثقافة والفنون الوضع الذي يحتاج الى مراجعة عاجلة وحيوية لا تتحقق نتائجها الا بتبني وصناعة عقل سياسي جديد مؤهل لإدارة الموارد بصفة حديثة، منتجة، وخلاقة وبحيث يتم تشجيع ما تعرف بالصناعات الثقافية الإبداعية وفتح الطرق لعبورها بين الناس على نحو يقبل مفاهيما كالاستثمار، والتجارة والمنافسة فيما بينهم وبالتالي رفع درجة حساسية الناس بما ينتجون ثقافيا من مواد وأفكار قابلة للتحققوالتسويق، والترويج محليا وإقليميا ودوليا.
على ان في غمرة تلك الاخطاء لا تتمكن الغالبية من المنتجين الثقافيين من تعريف انفسهم خارج علاقة المخدومية للدولة او الحزب او القطاع الخاص ببيعهم لجهدهم الرخيص لتلك المؤسسات مما يزيد من درجة احتقارها لعمله ومكافأته بأقل الأجور او الحوافز.

المنتج الثقافي مسمى يختفي في الاعتمادات اللغوية المستهلكة وبالتالي الوظائف المقننة الشائعة بسبب الحضور الباهت، او العديم الاثر بالسوق الاقتصادي وهي ظاهرة باتت تتناقض مع مستوى التطور التقني، ودخول التقنية، والتقانة في تسليع الكثير من منتجاته وتحويلها الى مدخلات اقتصادية قيمة. فليست الأفلام او العروض المسرحية والمنتجات الادبية قد باتت في فوهة الاستهداف التكنولوجي بالتطوير، ولكن مجمل الفنون البصرية التى أضحت لها متوازيات تطبيقية وظيفية في المنتج التكنولوجي مما يسمح بتسويقها جنبا الى جنب مع البضائع والسلع التكنولوجية الالكترونية التي تشكل نسبة هائلة في المبيعات الحية المؤثرة في الاقتصاد المعاصر بما صارت تتيحه في فنون عديدة.
السودان بلد له من الصناعات الشعبية، واليدوية، والخامات القابلة للتشكيل الجاذب اذا ما تلقى ذلك مع المعالجة التكنولوجية الحصيفة في مجالات كالعمارة، والخزف، والنحت اليدوي. والعالم وبما تعرض له من تطور صاعد في مجالات التواصل فاق تعريفه التعريف الشائع لماكلوهان بأنه قد أصبح غرفة واحدة ليتحول ويصبح سوقا واحد قابل لاستقبال المساهمات من شتى العناوين الثقافية، وخاصة الثقافات ذات غير المكتشفة التي وبمرور الوقت تضحى مرشحة اكثر من غيرها في التأثير الجمالي على الخارطة العالمية أذا ما احسن الصناع الثقافيين في بلدان كبلداننا تجويد صناعاتهم الثقافية وتمكنوا من أعادة توجيه ما يسمى زورا بالغزو الثقافي الى تسويق هويات جمالية جديدة تقضي على غياب الفعل الثقافي الخلاق الحامل للبصمة المختلفة في حال ادراك المنتجين الثقافيين لقدرات موروثهم وتراثهم بتطوير قدراتهم، وعلاقاتهم بالتكنولوجيا مما سيكون له بالغ الاثر في سوق الثقافات العالمي الفريد في مدخلاته الاقتصادية وعائدات ذلك على اسواقهم المحلية وانعاش حركتها.

لا شك ان كل ذلك المؤمل والمامول من تطور في هذه المجالات يرتبط بنحو جوهري بحسن تصورات الدولة، و الراسمال المحلي والوطني، وقدرته على دعم المنتجات الثقافية ولكن بتشجيع من المنتجين الثقافيين وحراك متطور نوعي من جانبهم يثبت للرأسمال ان بأمكانه فعل الكثير المفيد للمدخل الاقتصادي بتحقيق الأرباح العالية غير المتوقعة منه.

دون ذلك ستستحق الدولة اكثر تسميتها بالدولة الظالمة لثقافتها ليس في وضع السياسات فقط ولكن في خلق التصورات الاقتصادية البديلة والقادرة على المنافسة. دون ذلك سيستحق المنتج الثقافي وصف أنه ظالم لنفسه كذلك.
wagdik@icloud.com
فيسبوك تويتر مشاركة عبر البريد طباعة

الوسوم د.-وجدي-كامل

التعليقات مغلقة.