الشيخ الجيلي.. لماذا يحبونه؟

  • 14 أغسطس 2017
  • لا توجد تعليقات

محمد المكي أحمد – رئيس تحرير صحيفة التحرير الالكترونية

السودانيون بطبعهم وسطيون، يحبون الاعتدال، والمعتدلين، والبسطاء، ويكرهون التطرف والمتطرفين، ويبغضون الأدعياء، الذين ينتهكون قيم الإسلام السمحة، ويهينون كرامة الإنسان.

هذا الموقف السوداني النفسي، والعقلي، والوجداني، نابع من وعي بأن الدين، أي دين، وخصوصاً الإسلام، يحُض على العدل والمساواة، ويرفض الظلم، ولا يبيح ارتماء الدعاة والشيوخ في أحضان الساسة الظالمين، واستخدامهم أدوات للبطش بالإنسان، وتبرير القمع والعدوان، وأكل قوت الناس بالباطل.

هذه القناعات والمعايير التي يتفق في شأنها أغلبية أهل السودان، هي التي تفسر سبب الحزن على رحيل الشيخ الدكتور الجيلي الشيخ عبد المحمود الحفيان، خليفة الطريقة السمانية الطيبية بمدينة طابت، وسط قطاعات شعبية عريضة، وجماهير أحبته حياً، وتحبه في ساعة الرحيل.

هذه الجماهير عبرت عن حزنها، بعدما سمعت أنه انتقل إلى رحمة الله، في تركيا اليوم 14 أغسطس، لكنه ترك تراثاً، وسجلات عطاء، حيوية و مهمة، تستحق أن ننوه بها، تقديراُ للفقيد الكبير، واستناداً إلى شهادات من نثق في شهادتهم.

من عرفوا الشيخ الجيلي وتفاعلوا معه، من أحبابه وزملائه وأصدقائه، يجمعون على أن الرجل المتعلم، المستنير، الذي تخرج في جامعة الخرطوم في السبعينيات، بعدما درس اللغة الإنجليزية، دخل قلوب عدد من السودانيين،وأحبابه؛ لأنه وظًف علمه في تعليم الناس، وربط شؤون الدنيا بالدين، بسماحة نابعة من الدين نفسه، ومن وعي الشيخ الجيلي بمقتضيات العصر، وضرورات المواكبة لتحدياته، ومستجداته.

في هذا الشأن، استمعنا لرواية الباحث المهتم بالتاريخ والطرق الصوفية الأستاذ عبد الرسول النور عن الراحل الجليل، وشهادته مهمة، لأنه ” صديقه وزميله في الجامعة، حدثنا عن سمات الشيخ، وقال: إنه “سلك دروب التربية وتعليم  الناس عبر المحاضرات”، و تميز بـ” الزهد، والبعد عن أي دور يوظف الدين توظيفاً سياسياً، كما ابتعد بإرادة ورؤية ثاقبة عن ” الاستقطاب السياسي” البغيض.

نرى أن من أهم سمات الراحل الكريم، التي أشار إليها  أنه انتقل من ” الجامعة إلى الجامع”، ويضيف عبد الرسول أن الشيخ الجيلي “ابتعد عن أي موقف سياسي صارخ”، ونرى في شهادة محدثنا بُعداً أكثر أهمية، إذ قال إن ” الراحل عُرف بابتعاده عن التودد للمسؤولين”.

نقول إن الابتعاد عن الارتماء في أحضان المسؤولين، خصوصاً الطغاة، تكشف نضج الشخصية، وتبرهن على وعيه، وإدراكه مكانته، وقبل كل هذا فان الابتعاد عن الظالم يعكس خوفا حقيقياً من الله، في وقت يبدو أن هناك من يتحدث عن الدين، وباسمه،  ولا يهمه الظلم، والشقاء، الذي يكابده الناس ويقاسونه.

الشهادة التاريخية تقول إن الشيخ الجيلي، كان “كثير الاعتكاف في مسيده” (مكان في السودان لحفظ القرآن ودراسته، وكان أول محطة تعليمية قبل دخول المدارس، ويتعلم فيه الأطفال  أيضاً اللغة العربية وغيرها ).

وفيما يلحظ الناس حالياً، أن عدداً من “المشايخ “،  أصبحوا “طوافين”، يدخلون مكاتب أهل السلطة، يتوددون، وينهمكون في خدمة أغراضهم الدنيوية “، كان للشيخ الجيلي موقف آخر، كان يرى أن يأتي المسؤولون إلى “مسيده”، إذا رغبوا في ذلك، لا أن يذهب إليهم”، هذا يعني العفة والزهد، والسماحة.

اللافت في تاريخ الرجل أيضا أنه “حفظ لأسرته، وسجادته وحدة الكلمة”، وهذا ما لم ينجح فيه آخرون، ممن ضربت الخلافات أسرهم، وتشتًت شملها”، هذا يكشف الكيفية التي يُفكر بها الراحل، الذي يسعى بالخير بين أهله، كما سعى بين الناس، يعلمهم في مسيده التعاون، والتسامح، والمحبة، وعمل الخير.

هذا أكبر زاد، وتراث تركه للناس، وهذا يُعبر أيضاً عن ” البعد الوطني في شخصية الراحل الذي كان يدعو إلى جمع شمل السودانيين”كما تقول الشهادة التاريخية، أي أنه يريد أن يكون الوطن، لجميع أهل السودان، باختلاف ألوانهم وثقافاتهم، وأديانهم.

الجوانب المضيئة في شخصية الشيخ الجيلي، التي يعرفها من عاصروه، وعايشوه، متعددة، و”بالمقارنة” يشاهد السودانيون أن عدداً من  “المشايخ والدعاة” اقتنى السيارات الفارهة، واكتنز المال، ولم يكن بين هؤلاء الشيخ الجيلي، كما تقول شهادة تاريخية نثق في دقتها، أي أنه كان شيخاً من طينة الناس، لا من طينة الحكام.

نشير نحن في “التحرير” إلى أن الراحل الكريم الشيخ الجيلي لم يتورط مع نظام الرئيس عمر البشير- وهو نظام ديكتاتوري-  بمواقف ضد شعبه، أو ضميره، كما فعل آخرون.

الراحل لم تكن أيضاً تستهويه وتُضلًله” المظاهر الدنيوية”، هناك من سقطوا في امتحان البساطة، والتواضع، والزهد، ولم يصعدوا، كما صعد الشيخ الجيلي إلى الآفاق باقترابه من الناس، بإعطاء الأولوية لدور تعليمي، إذ قام بمهمات المعلم في “المسيد،”.

كان يمكن – وهو خريج جامعة الخرطوم-  أن يبحث عن المال والسلطان والوظيفة، و كان يمكن أن ينال ذلك، وهو جالس في بيته، أي كان يمكن أن يتقاضى الراتب، والامتيازات، والعلاوات، كما يتقاضاها مستشارون من دون عمل، سوى  إجادة التطبيل، والنفاق، وغض الطرف عن المظالم.

الشيخ الجيلي نال ما هو أرفع، وأبقى وأسمى، حب الناس، واقتران الأقوال بالأفعال.

سمات الشيخ الجيلي، هي السمات  الجميلة، التي يحبها أهل السودان، في شيوخهم، وقادتهم، والسودانيون  متدينون بالفطرة، ومتسامحون بالسليقة، والسجيًة الإنسانية، ويحبون من  يشبههم بطبعه، وأخلاقه، وتواضعه.

نسأل الله أن يرحم الشيخ الجيلي رحمة واسعة، وعزاؤنا لأسرته، وأهله، وأحبابه، وشعب السودان.

modalmakki@hotmail.com

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*