أيام مع فاطمة أحمد ابراهيم.. أم المناضلين

أثناء الحوار مع فاطمة
  • 15 أغسطس 2017
  • لا توجد تعليقات

عواطف عبداللطيف

نشأت فى اسرة متعلمة سياسية ومتدينة ،جدها لإمها أول ناظر لاول مدرسة بنين اولية بمدينة الخرطوم بميدان ابي جنزير، فألحق أمها واخواتها بمدرسة البنين لعدم وجود مدرسة بنات بالعاصمة، فالوحيدة انشاها صديقه الشيخ بابكر بدري بمدينة رفاعة .

قالت بعد ان اكملت أمي المدرسة الاولية الحقها بالارسالية الانجليزية الوسطى للبنات وهكذا اصبحت أول فتاة سودانية تتعلم اللغة الإنجليزية،  وكان والدي وأمي يديران نقاشا بينهما حول الاستعمار وسياساته ونحن من حولهما نسمع.. وفي صباح يوم اقتحم رجال الأمن منزلنا واجروا تفتيشا مكثفا واعتقلوا شقيقي صلاح الذي كان تلميذا في المدرسة الوسطى بتهمة توزيع منشورات تدعو للنضال ضد المستعمر، واطلق سراحه لصغر سنه.. وفيما بعد علمنا ان شقيقي الاكبر مرتضى عضوا بالحزب الشيوعي وهذا ما دفعني للاهتمام بالحزب خاصة انني كنت معجبة بالدكتورة خالدة زاهر اول فتاة تدخل الطب واول من انتمت للحزب ولمنظمة السلام، بالاضافة الى ان تجارة الرقيق واختطاف الامهات من بين اطفالهن اثرت علي نفسي ومشاعري منذ طفولتي فادركت ان العمل السياسي هو الطريق الوحيد للقضاء علي الاضهاد العنصري والجنسي ضد النساء ..

خرجت من السودان الى بريطانيا العام 1990 م لاجراء عملية جراحية رتبها  “اخوي”  مرتضى وصلاح .. وبقيت فاطمة في بلاد الضباب لاكثر من اربعة عشر عاما كنت اتردد عليها بشقتها المتواضعة لطالبي اللجوء السياسي بلندن كلما حللت هناك .. عاشت لوحدها تعانى آ لام الغربة رغم التفاف الكثيرين  حولها  وابنها الوحيد المقيم بعيدا في احد المدن  البريطانية يزورها من وقت لاخر بحكم عمله كطبيب . كنا نحادثها عن هموم الوطن وضرورة عودتها  فى ظل مبادرة الرئيس البشير ودعوته بعودة المعارضة للسودان واجراء محادثات  مع القوى السياسية  فى الداخل والخارج ، و رحبت وقتها المناضله بهذه الاطروحات وبمناخ الحوار السياسي الذى اعلنته الحكومة انذاك.
قالت خلال حوار صحافي اجريناه معها لصحيفة الشرق “القطرية ” انها ترحب بهذه الدعوة  لنعود لوطننا لنمارس نشاطاتنا  من هناك ” ونفت بشدة نيتها اعتزال العمل السياسى قالت :هذا  هو الاختبار العملي لمصداقية الحكومة مضيفة   ” ما اصعب الغربة  والبعاد عن الوطن والاهل  خاصة عندما يكون مفروضا عليك  وليس اختياريا وان غالبية الشباب السودانى المقيمين فى بريطانيا هم من الجيل المثقف والمتعلم والمؤهل يريدون العوده للسودان وهم لا ينوون  البقاء فى بريطانيا طويلا اذا تحسنت الاوضاع السياسية والاقتصادية فى الوطن ..  ومن خلال وجودنا في لندن  التقينا السفير الشهم المثقف الدكتور حسن عابدين سفير السودان فى لندن  فى تلك الفترة  وفاتحناه فى المسالة مبديا سعادته الكبيرة بعودتها للسودان  وكافة ابناء الوطن مؤكدا  بانه سيوفر كل التسهيلات لعودتها معززة مكرمة .

قالت فاطمة :اهل السودان بطبيعتهم  متعتهم الحديث فى السياسة يتداولون سيرتها في لقاءاتهم يختلفون حولها كثيرا حتى داخل البيت والاسرة الواحدة  ولكنهم يتواددون ويلتقون  بمحبة  فى مناسباتهم الاجتماعية وذكرت ان اسرتها بامدرمان (وكنت جارة لهم في بداية حياتي الزوجية)  كلما اتصلوا يقولون  يا فاطمة امسكي دموعك وهم يحكون لي احد فصول محبة السودانيين بعضهم بعضا رغم الاختلافات السياسية البغيضة، قالوا لها ان دكتورة مريم الصادق المهدي جاءتهم بالدار وطلبت ان تكون عضوا في  لجنة تنظيم الاحتفاء بعودتها للوطن .. فبكت فاطمة وكفكفت  دموعها باطراف طرحتها المطرزة ” بفن الكروشيلي الذي تتقنه نساء ام در ” والتي كانت حريصة على ارتدائها مع شنطة  ” تشبه المخلايا .. تدرعها على عنقها ” وهي متحركة من مكتبة لمكتبة وسط زحام لندن ..

سالتها كيف تتغلبين على هذه الاوجاع العاطفية قالت ” انني منهمكة في نشاط متواصل داخل بريطانيا وخارجها بحيث لا اترك لنفسي فرصة اجترار الأسى وآلام الغربة ومعاناة الشعب السوداني وبخاصة الاطفال والنساء ” الغربة مرة ” واطفال الجنوب بالذات الذين نراهم في نشرات الاخبار كالهياكل العظمية ” وفي كثير من الاوقات وانا راجعة من احدى المكتبات الكبيرة اتوه فيصادفني احد الشباب السوداني ” زي وليدي عامر وليد شامة دي ” ويوصلني للسكن ..

في بدايات ثورة الإنقاذ ( نظام البشير) جاءت  فاطمة لدار الصحافة بشارع علي عبداللطيف وكان احد المحررين يجلس بالاستقبال وحينما دلفت طلب منها بطاقتها الشخصية فقالت له ” هم الزيكم ديل لسع قاعدين في بوابات الاعلام ” كناية عن ما كان يطلق عليهم ” سدنة مايو ” وتصادف ذلك ووصول الصحافيين للدار بالترحيل الجماعي .. ضمنهم طيب الذكر توفيق صالح جاويش رئيس قسم الاخبار الداخلية فقال له ” انت فعلا مكانك ليس الاعلام كيف توقف هذه الشامخة بل تتجرأ بسؤال بطاقتها ففاطمة هي السودان وهي الوطن .. ومن يومها كان ذلك المحرر يخجل ان يأتي زملاؤه بهذه السيرة ولجهله لهذه الشخصية الثورية المناضلة لاجل انسان الوطن .. ويبدو انني وقعت ايضا في المحظور فخلال لقائي بها بصالة الترانزيت بمطار الدوحة وهى عائدة للسودان قلت لها يا فاطمة لماذا لا تحولين منزل الأسرة بامدرمان لجمعية خيرية تنخرطين فيها بعيدا عن السياسة التي ارهقت كاهلك فاكتفت بقول ” دي كلام شنو يا عواطف ” فسكت عن اكمال قصة اثنائها ولو قيد انملة عن قناعاتها الراسخة فهي كجبل الطود تنوم لتصحوا علي قناعتها ومبادئها حتى فارقت هذه الزائلة.

وفي ردها علي سؤال ابدت اعجابها  الكبير بجهود سمو  الشيخة موزا بنت ناصر حرم سمو امير قطر  وقالت انها تقود حراكا ملموسا في الداخل والخارج لتطوير التعليم وتعزيز دور المراة قالت ” انني اشيد بمجهودات الشيخة موزا لتطوير التعليم وتعزيز دور المراة في بلادها وبالتاكيد هي مؤهلة لوضع القوانين وتوفير الامكانيات لنشر التعليم وتطوير مستواه ومنح المراة حقوقها وتمكين  استحقاقاتها في اقصر مدة .. وتضحك .. أما نحن فلنا الله كلما حققنا مكاسب بالجهد والعرق تاتي حكومة عسكرية وتطيح بكل ما حققناه .(نشر الحوار بتاريخ 10 ديسمبر 2003 م كتبت تفاصيله بخط يدها الانيق بورق فلسكاب ما زلت احتفظ به ) .

في شقتها بلندن كانت تحتفظ بصندوق انيق قالت لي ان علي بن علي في كل رمضان يرسل لها رطب تونسي ذو رائحة وطعم ذاكي يكفي كل صديقاتي وجاراتي وزواري لفطور رمضان .. وفي ذلك اللقاء اهديتها كتابي الاول ( احب عطر امي ) وقد وعدت بتلخيصه لاحقا والححت عليها لزيارتنا بالدوحة في طريقها للخرطوم لقضاء ايام كاطلالة على نهضة قطر وتنميتها البشرية وعمرانها وربما لتري بأم عينها النهضة التعليمية وما كانت تحلم به للسودان والدول العربية والافريقية خلال رحلة كفاحها كاول سيدة من افريقيا والشرق الاوسط تدخل البرلمان بل اول من انتخبت كرئيسة للاتحاد النسائي الديمقراطي العالم عام 1991م.

وكان هدفها الاساس دخول بوابة العمل السياسي حماية لحقوق المراة ومساواتها بالرجل  في كافة الحقوق والواجبات دون تمييز وقد تمكنت من تمرير قوانين وانظمة  حقوق النساء المساوية للرجال والحقوق الخاصة بالاحوال الشخصية، ما أهل الاتحاد النسائي السوداني لنيل جائزة الامم المتحدة لحقوق الانسان 1993 م وبذلك كان أول تنظيم نسائي في العالم ينال تلك الجائزة .. وفاطمة كانت اول سيدة سودانية تحاكم امام محكمة طواريء عسكرية ايام حكم مايو بعد اعدام زوجها المناضل الشفيع احمد الشيخ وقالت خلال ذلك الحوارالصحفي المطول معها ” انني مقتنعة منذ طفولتي بان العمل السياسي هو الطريق الوحيد للقضاء على الاضهاد والعنصرية ضد المراة وان الاسلام لا يمنع اشتغال النساء بالعمل السياسي ووالدها خريج كلية غردون وعمل اماما لمسجد بامدرمان .

وبعد ذلك اللقاء الذي كانت تستعد فيه للعودة للسودان بعد اكثر من اربعة عشر عاما قضتها بعاصمة الضباب بضغط من الاسرة خوفا على صحتها ولمعرفتهم انها لا تسكت عن الحق وتبحث عن الحقوق للاخرين كانت تقضي جله  بين المكتبات ومطالعة الصحف والمجلات وحضور الندوات السياسية والثقافية و ساعات طويلة بمكتبة الكونجرس عشقها الكبير للقراءة والتوثيق والاستزادة من كنوز  المعرفة التي لا تنضب ولتكسير ضبابيات الغربة والشجن للاهل.

وفي يوم عبورها اجواء قطر في طريقها للخرطوم بعد اقل  من شهر من ذلك اللقاء اخذت نسختين من جريدة الشرق وذهبنا لمطار الدوحة حوالي السادسة صباحا طلبنا مقابلة مدير المطار سعادة العميد  ناصر المالكي بمكتبه وقدمت له الجريدة وقلت نريد مقابلة هذه الشخصية بصالة الترانزيت .. وقبل ان اكمل تعريفي لشخصها  قال لي لا احتاج لوثيقة اثبات لطلبكم انتم السودانيين ثقة ونعرف اهتمامكم بالسياسة وكرمكم للضيوف وطلب من احد الضباط ايصالنا لصالة الترانزيت .

ذلك التصريح ربما كان اول تصريح وقتي وشفاهة وباريحية من سعادة  العميد ناصر، فان تقابل شخصاً بصالة الترانزيت ليس بالامر الهين إن لم تكن الثقة وقدرات صاحب القرار وتقديره لشخصنا الضعيف .. وفعلا قضينا معها ساعتين حتى موعد اقلاع الطائرة، متمنين لها رحلة للوطن دون عودة لمرابع اللجوء والاغتراب عن الحضن الدافيء الذي تعشقه وتربت على اصوله وترابه ..

ولكن يبدو ان روحها الشفيفة وايمانها القاطع بضرورات احترام الحريات وآدمية الانسان وتطلعها الوجداني النضالي ان تذوب الفوارق وتلتحم الشعوب وان يحل السلام الاجتماعي ربوع الوطن لم يتحقق لها كاملا رغم رحلتها الطويلة المرهقة ففاضت روحها والتي ارهقتها الهموم والامال بين جنبات بلاد تموت من البرد حيتانها وضبابها يحجب الرؤية الا من ولد بقلب سليم وطموحات تناطح السحاب وفكر متقد انحاز كاملا لحقوق النساء والاطفال حيث كان  حلمها ان ترى السودان بقعة ضوء يحقق امال شعبه المشتت في بقاع الارض ويلملم اطرافه من النزاعات ويرتاح من الحروب وتسير مقاديف التنمية للامام والتي وحدها تحقق الرفاهية والاستقرار.

” فاطمة ” صفحة حياتها مليئة بمحطات كثيرة وهي امراة عاطفية حنونة دمعتها علي اطراف مقلتيها رغم صرامتها وجديتها في رحلة الكفاح السياسي وقناعاتها الراسخة بحقوق الانسان وحريته .. لماحة لا يمل الانسان الحديث معها وذاكرتها متقدة وكثير من حكاويها فيها تلميح والهام بان ابن السودان بار باهله وعشيرته مهما تسنم المقاعد العليا ذكرت لي والدموع في اعينها انها حبست في احد السجون في عهد الرئيس نميري، وفي الصباح الباكر سمعت بغرفتها ( الزنزانة ) خشخشة ماكريفونات فقالت ” بحسي عرفت انه لقاء جماهيري للرئيس نميري فطلبت من الحارس ان اخرج لخارج الغرفة لاني اشعر بضيق في التنفس لم يتردد لحظة فاخرجني ووقف بعيدا عني واعطاني ظهره هكذا هو السوداني لم يشاء ان يضايقني .

وتقول :حينما تأكدت ان اللقاء بالساحة المجاورة للزنزانة اخذت طوبة طوبة وضعتها  فوق بعض وارجع حيث اقف .. وبمجرد ان بدأ الريس حديثه الجماهيري ” صوت ابوعاج ما بغباني ” تسلقت الحائط على الطوبات وهتفت ضده بأعلي صوتي وقبل ان ادخل لزنزانتي جاءت مجموعة من الضباط لان الريس سأل ( من جاء بهذه هنا .. الان افرجوا عنها ) وتضحك .. كان هذا اسرع اخلاء لسجينة وطلبت من اخواني الضباط ألا يعاقبوا الحارس لاني غافلته .. وكثير من الضباط ساعدوني ربما اعلن اسماءهم لاحقا ) .

فاطمة قصة حراك دائم شعلة ضوء لم تنام ملء جفونها دون ما تراه استحقاقا للجميع، ذكرت لي خلال ازمة البترول المشهورة حيث الخرطوم تعاني ضائقة شديدة فجاءت لاحد محطات الوقود وتخطت الصفوف الطويلة واوقفت سيارتها جوار “خرطوم البنزين ” فاذا مجموعة من الرجال يحتجون بانهم نائمين بجوار سياراتهم فكيف تاتي لتصب بنزين بهذه الطريقة لم ترد عليهم بل تسلقت سقف سيارتها وهتفت باعلي صوتها ( تسقط تسقط حكومة نميري ) فهرب من هرب وتجمهر حولها من ملك جراة وحينما عرفها البعض، الح عليها ان تواصل هتافها واصر اخرين ان تكمل تعبئة  سيارتها فضحكت وقالت لهم هذه هي الطريقة القصيرة والناجحة لمعالجة الامور كلها ومن جذورها ..

رحم الله ” فاطمة السمحة ” التقية الورعة .. الشامخة النقية شجرة النخيل الباسقة أم المناضلين واخت الشعراء ..  فلم تكن فاطمة بنت احمد ابراهيم فردا انما وطن “حدادي مدادي”  نامي في علياك مع الصديقين والشهداء، فالاشجار في بلادي لا تموت إلا واقفة بعد ان تكون قد نثرت رحيقها المعبق برائحة الياسمين وادفقت النخيلات الدفيق للصغار والرطب للكبار .. لا تموت اشجار بلادي إلا بعد ان تكون قد ادفقت ثمارها اليانعة لغذاء وكساء اهلنا الغبش الميامين، ليكون لهم غدا افضل، ولكل اطفال الشوارع والمشافي وتحت الالحفة وكل من ذرف الدموع لأجلهم وبين مفاصل حكايات نضالك بمضابط اجتماعات البرلمانات العربية والدولية خلال مشاركاتك النيرة في دول العالم قصة انسانة عاشت للاخرين .. والعزاء متصل لاهلنا الغبش اللذين حفظوا حكايات امنا فاطمة السمحة والتي ادخلت لقلوبهم الفرح، لانك منهم ولهم .. وسيبقي العزاء متصل الي نساء الارض فردا فردا والى حبيبات تراب الارض وبقاع اينما حللتي منذ ان حفرتي دروب للنضال .. وانا لله وانا اليه راجعون .

*الكاتبة:  اعلامية وناشطة اجتماعية  – قطر

Awatifderar1@gmail.com

 

 

 

 

 

التعليقات مغلقة.