حتى لا ننساهم.. وهم في علاهم 

لوحات داميات.. فى أيام نحسات (5 من 7)

  • 20 أغسطس 2017
  • لا توجد تعليقات

عبد الرسول النور

ذهب الظمأ. وابتلت العروق.. وثبت الأجر إن شاء الله.. كان ذلك لسان حالنا يلهج بالحمد والشكر لله وحده.. الذي أسقانا وأطعمنا وأبدل خوفنا آمنا.. وثبت اقدامنا.. ونرجوه متضرعين له أن ينصرنا على القوم الظالمين.

جلسنا بعد ذلك حول الأستاذ على محمود حسنين المحامي.. لنفهم منه حقيقة التهم الكبيرة والخطيرة التي وجهت لنا فجر اليوم.. في الجلسة الافتتاحية للمحكمة العسكرية.. جاء كل منا يحمل كتابه بشماله. يكاد يلمس حبل المشنقة حول عنقه.. في اليقظة والمنام.. فهمنا منه أن مواد القانون الجنائي.. الموجهة لنا تحوم حول شن الحرب على الدولة.. وشن الحرب على القوات المسلحة.. ومحاولة الإطاحة بالنظام الاشتراكي الذي أقامته ثورة مايو 69.. وإن مواد قانون أمن الدولة.. المادة 6 بأجزائها الثلاثة أ وب و ج تؤكد نفس التهم.. وتزيد عليها بالتخابر مع دولة أجنبية.. والدولة المقصودة هى ليبيا. المهم تعددت التهم الموجهة والهدف واحد وهو الإعدام.. تم تصنيف المتهمين إلى مجموعات وفق الاتهامات الموجهة لكل منهم.. الشهيد ابراهيم رأس قائمة المتهمين وشقيقه سليمان والمهندس آدم احمد اسماعيل.. صاحب ومدير الورشة التي تم فيها فحص وصيانة العربات التي شاركت في الانتفاضة.. واحمد سليمان الشهير بـ” السكرتير المسؤول عن حركة العربات”.. يواجهون تهما بإدارة المعركة.. بتحضير وسائل الحركة ومتعلقاتها كافة. والمشاركة الفعلية في إدارة المعركة.

أما مجموعة الإخوان المسلمين د.يس الحاج عابدين والشهيدان د. عبدالله ميرغني وعبد الفضيل ابراهيم فمتهمون باحتلال المطار فجر الثاني من يوليو 76 الذى اعتقلوا بالقرب منه. وتتوقف التهم الموجهة إليهم على الشهود الذين ربما يتعرفون عليهم من خلال طابور الشخصية.. أما محمود ابشر.. ومنصور مصطفي اعتقلا في بيت الثورة.. ضمن مجموعة د سعيد نصرالدين.. وعبد اللطيف الطاهر الجيمعابي.. و كانا قد فرا إلى ليبيا بعد أن تم إطلاق سراح المعتقلين السياسيين عقب نجاح حركة 5 سبتمبر 75 بواسطة الشهيد عباس برشم.. حيث ظلا مطلوبين لدى الأمن منذ ذلك الحين. ابراهيم تيمس.. متهم بأنه المكلف باعتقال وزير الدفاع آنذاك الفريق بشير محمد على.. وفق الكشف الذي وجد عند اعتقال مجموعة منزل الثورة.. وعرف وقتها بكشف الجيمعابي. أما أحمد يوسف النصيبة فمنهم باستقبال الشهيد محمد نور سعد في منزله في سنار عندما اوصلته له.. حيث أوصلنا بالعربة اللاندوفر الحكومية سالمين إلى منزل السيد عبد الله الفاضل المهدى بشارع البلدية بالخرطوم.

الشاعر الكبير الزين احمد عثمان الجريفاوى وجدت الطابعة الرونيو الخاصة بالجبهة الوطنية في بيته بالجريف شرق ومعها منشورات معادية للنظام. . حسن حضرة متهم بأن منزله بالصافية كان وكراً من أوكار المؤامرة.. التي لم يظهر منها إلا أطراف اذنيها.. وما خفي أعظم. العميد سعد بحر وزميلاه محمد خير اغبش والشيخ المك وهما ضابطا صف مطرودان من الخدمة.. وردت أسماؤهم في أقوال بعض المتهمين. هرون شنوبة متهم بتجنيد صف الضباط للمشاركة في الحركة. هذا بالإضافة إلى اتهامه وزوجته التومة بتوصيل المساعدات وتفقد أحوال أسر المعتقلين والشهداء. بلال عوض الله متهم بأنه منسق العمل النقابي والسياسي والعسكري وأنه مستودع أسرار الحركة.. لهذا واجه ضغوطاً قاسية لانتزاع معلومات منه. أما شخصي الضعيف.. فمنهم باستقبال قائد الانتفاضة الشهيد محمد نور سعد في الحدود الشرقية بالقلابات وإحضاره إلى منزل أحمد يوسف النصيبة فى سنار.. ومرافقتهما إلى الخرطوم.. حيث أوصلناه سالما إلى مأمنه. ثم انى متهم بالتواصل والتخابر مع دولة أجنبية.. هي ليبيا.. وأنى جئت بالتعليمات النهائية للتحرك.. بعد زيارتي لليبيا حيث كنت مقيماً في منزل الشريف حسين الهندى بطرابلس وصحبته للقاء السيد الصادق المهدى المهدي ب بنغازي بليبيا. وقد تم العثور على جواز السفر الخاص بي.. وتم وضعه في يومية التحري الخاصة بي. كما ادعى بعض الجنود أن الطالب الذي في وجهه.. علامة.. والذي رأوه في المطار بعد الأحداث التي وقعت فيه..هو شخصي الضعيف. وأنهم مستعدون للتعرف عليه في طابور الشخصية.. من بين مئات الأشخاص.. هذا بالإضافة إلى تهم أقل حول دوري السياسي والتنظيمي.. ولكن كان همنا في المقام الأول.. هو أبعاد رقابنا من حبل المشنقة.. أما السجن فكان أحب إلينا مما نخاف ونحاذر.. أما الاستاذ على محمود حسنين المحامي. فكان متهماً بأنه العقل السياسي للحركة بالداخل. ولكنه كان يكتم همه ليهون علينا بعضا من همومنا.. كالطبيب الذي يداوى الناس وهو عليل! !

كان الوكيل محمد إبراهيم عجب الدور البالغ من العمر آنذاك 89 كأكبر متهم في تاريخ السودان.. يربض في مصلاه بعيدا عنا.. غاية أمله أن يمضي شهيدا ليحشر مع من يحب.. والذي لا يعلمه الكثيرون.. كونه العقل المدير الذي نظم وآخرون شبكة الهجرة العنكبوتية من السودان إلى إثيوبيا ومن ثم من إثيوبيا عبر السودان إلى ليبيا. وكانت داره بديم بكر بالقضارف مركز نشاط الهجرة تعبئة وتفويج وتواصل.. أما آدم عبد الله حسين حديث التخرج من جامعة أمدرمان الإسلامية. فكنا نخشى أن نفاجأ في المحكمة بدور له يعلمه قليلون.. وهو إرساله للواء عبد الله محمد عثمان قائد القيادة الوسطى بالأبيض لدعم الحركة المزمعة.. ولعل اللواء لم يأخذ الأمر مأخذ الجد وحذره إلا يعود لمثلها مرة أخري..

أخذ التداول والتفاكر وقتا طويلا.. حتى أدركنا السحور.. فكانت خلاصة نصائح المحامي على محمود حسنين.. هي الإنكار التام لكل شيء.. حتى ولو قبض عليك متلبسا.. كما أنه نصح عدداً منا.. وكنت منهم.. أن نكشف مواضع اثارالتعذيب في أجسادنا.. لنفاجئ الأمن وهيئة الاتهام.. ونضعهم في خانة الدفاع بدلاً عن الهجوم.. فأوى كل منا إلى فراشه ولكن لم ينم..
بتنا كما بات السليم مسهدا.. ولعلنا كنا نردد قول الشاعر القديم. .
إذا  لم يكن من الموت بد.
فمن العار ان تكون جبانا. .
لله در تلك الصحبة الطيبة.. وهم فى شقاوتهم تلك يبستمون ويتفاءلون. ويعمل كل فوق طاقته لمساعدة الآخرين.. فكانوا كما قال الشاعر يصف الإخاء الصادق ..والمودة الخالصة. .
ان أخا الهيجاء من يسعى معك.
ومن يضر نفسه  لينفعك. .
ومن إذا ريب الزمان صدعك.
شتت شمله فيك ليجمعك. أ
أن موعدنا  الصبح.. أليس الصبح بقريب .ا
لوحتنا القادمة.. من داخل قاعة المحكمة العسكرية بسلاح الموسيقى. .حيث تدور رحى حرب ضروس بين من يفتلون حبال المشانق وبين من يحاولون نقض غزلها  انكاثا. .المطاردة غير المتكافئة بين الجلاد والضحية..ان شاء الله.

  • الكاتب: سياسي قيادي وكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*