حول مرافعة سيدة الأعمال على الفيديو !!

حول مرافعة سيدة الأعمال على الفيديو !!
  • 24 أبريل 2017
  • لا توجد تعليقات

سيف الدولة حمدناالله

الجانب الذي يستحق النظر في موضوع السيّدة التي إستنجدت بمدير جهاز الأمن عبر مقطع مُصوّر نشرته بمواقع التواصل الإجتماعي لحمايتها من ضابط أمن مُتسلِّط، ليس موضوع الشكوى في ذاته، فالذي تقول السيدة أنها تعرضت له من وراء هذا الضابط  من مضايقات وإستدعاءات وحبسها لنصف يوم وإهانتها والتعدي البدني على إبنها .. إلخ، مثل هذه المظلمة (رغم خطورتها) تُعتبر نزهة مقارنةً بمظالِم أخرى تعرض لها آخرون فقدوا بسببها أرواحهم وبُتِرت أعضاؤهم وهُتِكت أعراضهم ومن نجى منهم قُطِع رزقه أو فقد عقله. فالزاوية التي تستحق النظر منها في الموضوع هي: لماذا أصبح المواطن يلجأ إلى مخاطبة عامة الشعب ليُوصِل صوته عبرهم للمسئولين بالدولة؟ وما الذي يجعل الفرد يحتمي بغيره من المواطنين لينقذوه من أيدي رجال القانون والمسئولين بالدولة !!

أثبتت التجربة أن هذه وسيلة ناجِعة تحمي صاحبها وترفع عنه الظلم بأيسر طريق، فقبل شهور قليلة لجأ المهندس أحمد أبوالقاسم إلى نفس هذه الوسيلة وعرض مَظلمته على الشعب عبر وسائط التواصل الإجتماعي قبل أن يتقدم بها للسلطات، وروى قصة خطفه من منزله بواسطة ثلاثة أشخاص لا يعرفهم ولا تربطه بهم صلة، قال أنهم أخذوه جبراً على عربة إلى مزرعة بجنوب الخرطوم، وهناك قاموا بضربه وتعذيبه ثم ألقوا به وهو بين الموت والحياة في منطقة خلوية، ونشر صوراً لجسده توضّح بشاعة التعذيب، وذكر أنه يتهم في ذلك مسئول صاحب سلطة ونفوذ كان قد دخل معه في الليلة السابقة للحادث في مخاشنة بسبب تعرّض المسئول لزوجته، ثم تقدم الضحية ببلاغ في قسم الشرطة بعد أن حصل على تقرير طبي بما تعرض له من أذى.
هدف المهندس أحمد أبوالقاسم من وراء النشر كان هو الإستِنجاد بالرأي العام لحمايته من بطش المسئول بأكثر من حصوله على العدل والقصاص منه، وقد كان، فقد حصل على ما يريد بالقدر الذي جعله يُنكِر حصول الحادثة من الأساس وكأن الذي خطفه وتسبّب له في الأذى عفريت هبط من السماء، ثم أقُفِلت القضية ولم يأتِ لها ذكر على لسان منذ ذلك التاريخ برغم أنها جريمة مُطلقة تتصل بالحق العام كان ينبغي السير فيها حتى نهايتها حتى لو تنازل المتهم عن الضرر الشخصي الذي طاله من ورائها.
في أي دولة تعرف معنى سيادة حكم القانون، مثل هذه المظالم يتوجه صاحبها بعريضة شكوى بخط يدوي لأقرب وكيل نيابة ضد الجاني مهما كان مركزه ومقامه، ولا يعني تمتّع المشكو ضده بحصانة أن يرفض وكيل النيابة الشكوى من الباب للباب، فالحصانة لا تمنع النيابة من قبول الشكوى والتحقق من صحة الوقائع بإستجواب الشاكي وشهوده وفحص المستندات والأدلة الأخرى، ومتى تحققت النيابة من جدية الشكوى، يتعيّن عليها وجوباً أن تطلب رفع حصانة المشكو ضده لإكمال التحريات معه وتقديمه للمحاكمة إذا توفرت البينات الكافية لذلك.
ليس صحيحاً، كما يعتقد كثيرون، أن رفع الحصانة من عدمه سلطة تقديرية للجهة التي تملكها، فالحصانة (فيما عدا الديبلوماسية) بما في ذلك الرئاسية ليست مطلقة، فالحصانة عبارة عن نقطة تفتيش تهدف إلى تمكين من بيده سلطة رفعها للتثبّت من عدم إتصال الجريمة موضوع الشكوى بالأفعال التي قصد القانون حمايتها بالحصانة، ومن أمثلة ذلك التأكد من عدم إتصال الشكوى ضد القاضي بقضية نظرها أو معروضة أمامه (في حال الحصانة القضائية) أو رأي أدلى به عضو البرلمان (في حال الحصانة النيابية) … إلخ، ولكن، إذا تعدى قاضٍ بالضرب على جاره أو هتك عضو نيابة عرض فتاة مثلاً، فإن رفع الحصانة هنا يكون وجوبياً ولا يملك  رئيس القضاء أو رئيس البرلمان (بحسب الحالة) سلطة تقديرية في رفعها من عدمه.
في ضوء هذه القواعد، السؤال الذي ينبغي أن يطرحه النائب العام على نفسه ومستشاريه ووكلائه: لماذا لا يستغيث المظاليم بالنائب العام وهو صاحب الإختصاص حين يكون المشكو ضده صاحب مركز أو نفوذ ؟ وما الذي يجعل المواطن يُطلِق نداء إستغاثة للجمهور على الهواء بدلاً عن التوجه لمبنى النيابة ؟ فإذا نجح المهندس أبوالقاسم وسيّدة الأعمال (إنتهت قضية هذه السيدة نهاية سعيدة بالتوقف عن ملاحقتها ومضايقتها) في الإفلات من بطش أصحاب المراكز والنفوذ الذين تشملهم الحصانة بتيسّر هذه الوسائل في محيطهما، فما الذي يحمي البسطاء والعوام وبينهم من يتعرض لما هو أقسى من هذا الظلم ولا حيلة لهم بهذه الوسيلة حتى يُوصِلوا أصواتهم لمن يسمعها !!
الإجابة على هذه الأسئلة هي التي حملتنا على تناول موضوع هذه السيدة، أما القضية التي قامت بطرحها، فهي لم تُلامس قلوب كثير من الذين إطلعوا عليها، فالذين جاءت السيدة تشتكي إليهم مِحنتها من عامة الناس إعتبروا أن أحداث قضية هذه السيدة تتصل بصراع جبابرة يجري في ميدان غير المناحي التي تعنيهم، ذلك أن الصراع الذي أدّى لبروز هذه القضية وهو يتصل بإستقدام صاحبة الشكوى لعاملات من دول مثل الفلبين وأندونيسيا لأثرياء ورجال أعمال في مقابل خمسة ألف دولار (حوالي 90 مليون جنيه) للرأس تُدفع عند الإستلام، في بلد من يقبض فيه مثل هذا المبلغ من الآباء المعاشيين والمعلّمين والأفندية يُفكّر في شراء منزل شعبي، فالنشاط الذي تمارسه هذه السيدة نفسه محل نظر، ويتصل بما يشكو الشعب منه لا أن يشتكي إليه صاحبه.

برافو الطاهر ساتي
شاهدت اللقاء التلفزيوني الذي عرض فيه الصحفي الطاهر ساتي قصة إحتجازه عند وصوله مطار القاهرة ثم إيداعه الحراسة وإبعاده بعد ذلك من الأراضي المصرية ، عند مطلع رواية الطاهر ذكر أنه أثناء وقوفه في طابور الجوازات بمطار القاهرة، لاحظ أن سلطات الأمن قد أخذت سوداني يقف أمامه في الطابور، وفيما بعد وجده الطاهر ساتي قابعاً في ركن بالحراسة التي وضعوه بها وعلم منه أنه أستاذ جامعي جاء إلى مصر لحضور مؤتمر بدعوة من جهة علمية.
طول اللقاء التلفزيوني، تركز الحديث عمّا حدث للطاهر ساتي، وقد ذُكرت في ذلك الجهود التي قام بها السفير السوداني ومعه القنصل لإطلاق سراح الطاهر ساتي، ولم يأتِ ذكر لما حدث للأستاذ الجامعي الذي تعرض لنفس المحنة وجاء معه على نفس الرحلة، حتى تنبه الطاهر ساتي وأطلق مناشدة  للسفير ليقوم مع هذا المواطن بالواجب كما فعلوا معه.
يُشكر الطاهر على هذه الإنتباهة التي تجعل المرء يتساءل: لماذا لم يسعَ السفير لفك كربة المواطن السوداني الذي جرى حجزه مع الطاهر ساتي أثناء وجود السفير بالمطار وهو واجب قانوني وأخلاقي من جانب شاغل هذا المنصب لكل المواطنين السودانيين، فالسفير مهمته حماية ومساعدة حامل الجواز السوداني لا حامل البطاقة الصحفية وحده.

saifuldawlah@hotmail.com

التعليقات مغلقة.