مجلة “صالون” الأمريكية: السودان وروسيا وأمريكا

مجلة “صالون” الأمريكية: السودان وروسيا وأمريكا
  • 18 مارس 2022
  • لا توجد تعليقات

محمد علي صالح

حاليا، يدور قي الولايات المتحدة نقاش عن تحمل أمريكا مسئولية غزو روسيا لأوكرانيا. وذلك لأن امريكا ظلت تضغط على حلف “الناتو” للتوسع شرقا (في دول المعسكر الشرقي سابقا، مثل: بولندا، ورومانيا، والتشيك، وسلوفاكيا، وبلغاريا). خاصة وان “الناتو” تأسس بعد الحرب العالمية الثانية لمواجهة المعسكر الشرقي. لكن، المعسكر الشرقي انهار في سنة1991، عندما سقط الاتحاد السوفيتي.
أعتقد أن النقاش يجب ان يشمل، أيضا، تحمل أمريكا مسئولية تردد، او رفض، كثير من الدول العربية ادانة غزو روسيا لأوكرانيا. وذلك بسبب نقطتين:
الأول، تأييد أمريكا القوى لإسرائيل، ولتوسعاتها المستمرة.
الثاني، عدم إخلاص امريكا في نشر الديمقراطية في الدول العربية.
في الأسبوع الماضي، قالت مجلة “تايم” الأمريكية ان جامعة الدول العربية (تضم 22 دولة) أصدرت بيانا “فشل في ادانة غزو أوكرانيا.” وسبب ذلك، كما قالت المجلة، هو ان “العرب ينظرون الى روسيا كقوة عالمية هامة، وضرورية، لمواجهة الولايات المتحدة. ويرونها ملجأ لهم عندما تتوتر علاقاتهم مع الاميركيين.”
والسودان، العضو في جامعة الدول العربية، مثال لذلك.
قبل ذلك بأسبوع، عندما أدانت الجمعية العامة للأمم المتحدة غزو أوكرانيا بأغلبية كبيرة، امتنعت ثلاث دول عربية عن التصويت: السودان، الجزائر، والعراق (وغاب المغرب، وكأنه يمتنع عن التصويت).
بالإضافة الى ذلك، في نفس ذلك الوقت، زار روسيا الرجل الثاني في السودان، الجنرال محمد حمدان دقلو (مشهور باسم “حميدتى”). قضى أسبوعا، ووقع اتفاقيات عسكرية واقتصادية.
وحسب وكالة “رويترز”، رحب حميدتى بتأسيس قاعدة عسكرية بحرية روسية على البحر الأحمر. ورغم انه دعا الى وقف الحرب في أوكرانيا، كان قال، قبل الحرب، أن روسيا “تملك حق الدفاع عن نفسها.”
ليس حميدتى جديدا على روسيا.
بدأ تحالفه معها عندما كان قائدا لمليشيا “الجنجويد”، التي اشتركت مع قوات الحكومة العسكرية الإسلامية (التي كان يرأسها الرئيس عمر البشير) في حرب دارفور، التي بدأت عام 2003.
في ذلك الوقت، اشترى البشير، وحميدتى، أسلحة من روسيا والصين بعشرات الملايين من الدولارات. واستعملت الدولتان “الفيتو” في مجلس الامن لاسقاط الاقتراحات الأميركية ضد السودان.
وكان البشير اصطدم مع الولايات المتحدة منذ ان تولى الحكم بانقلاب عسكري سنة 1989، عندما أعلن “المشروع الحضاري الإسلامي”. وشن حربا جهادية في جنوب السودان. وقاد تنظيما عالميا لإسلاميين متطرفين، وأوى إرهابيين إسلاميين، منهم أسامة بن لادن، مؤسس وزعيم تنظيم “القاعدة”.
في الجانب الآخر، ردت الولايات المتحدة بوضع السودان في “قائمة الإرهاب”. وفرضت عقوبات اقتصادية ومالية قاسية على السودان.
في سنة 2017، بعد ان فشل الرئيس البشير في رفع العقوبات عليه وعلى السودان، زار روسيا. وقابل الرئيس بوتين، وعقد اتفاقيات لمزيد من المساعدة، واعترف بضم شبه جزيرة القرم لروسيا (كانت جزءا من أوكرانيا).
لكن، بعد الثورة الشعبية التي أطاحت بالبشير سنة 2019، تغيرت العلاقات بين السودان وأميركا. وتحمس المسؤولون الاميركيون: رفعوا اسم السودان من “قائمة الإرهاب”. وبدأوا مساعدات كبيرة الى السودان، واثروا على البنك الدولي، وصندوق النقد العالمي، لإعفاء ديون السودان، وتقديم مساعدات كبيرة للسودان.
اهم من ذلك، زار مسؤولون اميركيون كبار السودان، وقابلوا قادة الثورة الشعبية، وتعهدوا بالمساعدة لتأسيس نظام ديمقراطي، بداية بإجراء انتخابات حرة ونزيهة.
في ذلك الوقت، قال أنتوني بلكين، وزير الخارجية الامريكية: “لقد برهن السودانيون على شجاعة غير عادية وهم يخرجون الى الشوارع ضد نظام دكتاتوري. وخاصة النساء والشباب. وضحى بعضهم بأرواحهم في سبيل الحرية والعدالة. لفترة طويلة، ستظل هذه الشجاعة مصدر إلهام للشعوب الأخرى التي تريد الحرية والديمقراطية. وستواصل الولايات المتحدة الوقوف مع الشعب السوداني من أجل الحرية، والسلام، والعدالة”.
وكتب السناتور كريس كونس تغريدة في موقع “تويتر”: “صار ضروريا جدا أن نرسل رسائل تأييد قوية الى الشعب السوداني وهو ينتقل نحو حكومة مدنية وديمقراطية، بعد ان عزل الدكتاتور البشير …”
في وقت لاحق، نسق السناتور مع سناتور آخر، كريس فان هولن. سافرا معا إلى السودان، ونقلا رسائل تأييد لمسيرة السودانيين نحو الديمقراطية.
في وقت لاحق، قدم السناتور كونز مشروع قانون “ديمقراطية السودان”، الذي سيفرض عقوبات على الذين يقوضون التحول الى الديمقراطية، قاصدا العسكريين. ثم أعلن السناتور ترشيح عدد من قادة الثورة الشعبية لنيل جائزة نوبل للسلام.
لكن كان يجب على وزير الخارجية بلكين، وعلى السناتورين، وعلى كبار المسئولين الأمريكيين، أن يتوقعوا ان القادة العسكريين السودانيين الجدد لن يتخلوا عن الحكم بسهولة. وكانت الأسباب واضحة لمن يرى:
أولا، تحولت القوات السودانية المسلحة، خلال ثلاثين سنة، الى قوات عسكرية اقتصادية وتجارية. تملك ما يزيد عن 300 شركة. وتسيطر على نسبة 70 في المائة من ميزانية الحكومة السنوية
ثانيا، يوجد اسما عبد الفتاح برهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، ونائبه حميدتى، في قائمة تحقيقات محكمة الجنايات الدولية بتهم الإبادة في حرب دارفور (فعلا، ادانت المحكمة سبعة عسكريين حاليين وسابقين).
ثالثا، اهم من ذلك، تؤيد برهان وحميدتى دول المنطقة حليفة الولايات المتحدة، خاصة مصر، وإسرائيل، ودول الخليج. وتعارض هذه الدول تأسيس الديمقراطية في السودان.
لهذا، في أكتوبر الماضي، عندما قاد البرهان وحميدتى انقلابا عسكريا داخليا، أطاح بالشركاء المدنيين، واعتقل بعضهم، وأعاد شخصيات إسلامية من نظام البشير، قالت الاخبار ان وزير الخارجية الامريكية، والسناتورين، وكبار المسؤولين الاميركيين فوجئوا.
لكن، ما كان يجب أن يفاجئوا.
اليوم، يواصل العسكريون السودانيون قتل المئات، وجرح العشرات من المدنيين.
ولا تبدو نهاية لهذه المآسي.
ما هو الحل؟
يقول هذا الصحفي، الذي يبلغ عمره ثمانين سنة، والذي ولد وعاش في السودان، من باب التجربة، إذا ليس من باب الحكمة، الآتي:
أولا، يسافر الى السودان وزير الخارجية الامريكية، والسناتوران، وكبار المسئولين، الذين كانوا تعهدوا للسودانيين بتأسيس الديمقراطية. ويتفاوضوا مع القادة العسكريين، وهم الأقوياء الذين يواجهون مظاهرات أكثرها من الشباب.
ثانيا، فرض عقوبات أمريكية على السودان لن يؤذى القادة العسكريين، ولكن يؤذى الشعب السوداني. مثلما حدث عندما فرضت أمريكا عقوبات لمدة ثلاثين سنة ضد نظام البشير. ألآن زادت، بل تضاعفت، معاناة الشعب السوداني.
ثالثا، لان البنك الدول، وصندوق النقد العالمي، يظلان مطيعان للحكومة الامريكية، عليهما إعادة المساعدات التي كانا قد وعدا بها السودان.
رابعا، يحصل المسئولون الأمريكيون على وعد قاطع من العسكريين السودانيين لإجراء انتخابات حرة في السنة القادمة، كما كرروا.
لماذا تعاقب امريكا السودانيين، وهي التي رفضت تنفيذ وعدها لهم بتأسيس نظام ديمقراطي؟
في الحقيقة، سجل امريكا في تأسيس الديمقراطية في الدول العربية سجل خاوى، ومخجل جدا.
في سنة 2013، أيدت أمريكا الانقلاب العسكري، بقيادة عبد الفتاح السيسي، ضد الرئيس محمد مرسى، اول رئيس ديمقراطي في تاريخ مصر، جارة السودان من الشمال.
اليوم، تقدم أمريكا الى السيسي مساعدات تزيد عن ملياري دولار كل سنة. ليس ذلك فحسب، بل تسكت أمريكا على محاولات السيسي لإجهاض أي تجربة ديمقراطية في أي دولة عربية (مثل تونس، وليبيا، والسودان).
هل تعتقد أمريكا ان البرهان وحميدتى مصابان بالغباء، او بالعمى؟
انهما يريدان من أمريكا معاملة مثل معاملة السيسي. وسيكون هذا ثمن فك تحالفهما مع روسيا.
أخيرا، يجب أن يلوم الاميركيون أنفسهم فقط لان السودان، ودول عربية أخرى، ليست غاضبة على روسيا مثل غضبهم. ويجب ان يتذكر الاميركيون ان الشعوب العربية تتذكر أكثر منهم:
أولا، تتذكر تأييدهم القوى لسياسات إسرائيل التوسعية خلال أكثر من سبعين سنة.
ثانيا، تتذكر غزوهم للعراق في سنة 2003، على بعد ستة ألاف ميل، وبدون سبب.
ثالثا، تتذكر سجلهم غير المشرف عن نشر الديمقراطية في الدول العربية.
من المفارقات انه لا توجد اليوم دولة عربية ديمقراطية واحدة، تذكر الاميركيين بهذا التناقض: انهم يرفضون نشر الديمقراطية في الدول العربية، ويتسلحون لنشرها في أوكرانيا.
محمد على صالح

مراسل في واشنطن، منذ سنة 1980، لصحف عربية في الشرق الاوسط

mohammadalisalih@gmail.com

التعليقات مغلقة.