ايها المغترب الذي طال اغترابه عليك بخطة الراعي

ايها المغترب الذي طال اغترابه عليك بخطة الراعي
  • 18 يونيو 2022
  • لا توجد تعليقات

د. هجو قديريش

ايها المغترب الذي طال اغترابه عليك بخطة الراعي



(أدهشتني خطة الراعي)
في العام ٢٠١٧م، كتب الله لنا ان نعتمر انا واختي وكنت وقتها اعمل بمستشفي ريفي بالسودان، ونحن في المطار بجدة راجعين لبلدنا تفاجأنا بوزن زائد وكان علينا ان ندفع ١٣٠٠ ريال لمعالجة الوزن الإضافي.
كنت ابحث عن من يساعدني بالتخفيض فالتقيت بشاب خلوق ذو مروءة اسمه فيصل من منطقة سالي بشمال السودان، ليس موظفا بطيران بدر، لكن عمله ذو صلة.
فطلب مني ان لا اتعجل وتكفل بمساعدتي دون ان ادفع ريالا، حيث تصيد من قل وزنهم وبقي يترجاهم حتي وزع جميع الوزن الزائد مجانا.
كان ضمن من تبرع لنا بوزنه كاملا، شاب في بداية الثلاثينات من عمره، يحمل كيسا في يده.
شاء الله ان يكون هذا الشاب جاري في الطائرة ليعملني درسا رائعا عن الحياة وبساطتها.
تعرفت عليه فوجدته من منطقة الصوفي (غرب النيل الابيض).
ودار بيننا الحوار التالي :

الشاب : ليه رادم نفسك بالعفش كدا واصلا مافي فرق كبير من سوق ليبيا وباب شريف!

انا : توسعنا في التسوق وكمان الوصايا.
انا : وانت وين عفشك وجيت ليك كم؟
الشاب بضحكة : عفشي ياهو كيسي دا، انا مخرج نهائي.. قضيت سنة وتلاتة شهور في المملكة.
انا : مالك حصلت ليك مشكلة؟
الشاب : لا والله حققت هدفي الحمد لله رب العالمين.
انا : كنت شغال شنو؟
الشاب: راعي غنم (شبوك)

حينها أدركت انه لابد لي ان اكسر سماعتي وقلمي واترفع لمكانته السامية لاستفيد منه،
فمازحته ببعض جدعات الرعاة ومابقي معي من الصغر آملا ان يفتح لي صدره وان لا يخبئ على شيئا من معالم الطريق التي يسترشد بها وهو راجع لاهله فقلت :
هع…
الضان ود الضان
الرقبة جريدة والضنب دلقان
والكرعين محنفات لطلوع القيزان
والبطن وسيعة لولادة التيمان
والوطا خرفة لرعية الخرفان
والكورة وسيعة لود الجار الجيعان
والحوش وسيع لتجدع الحملان
ويوم النحر كبر وجر الكبش
الاقرن وانحر لربك الديان.

بدات عليه علامات السرور، ومازحني: يازول بعد بدلتك دي بعترف النضم دا من وين؟وكمان قلت دكتور

ثم عدت به للحوار :
وسالته: كم كان راتبك وماهو هدفك الذي تحقق!
فاجابني :
ياابن عمي انا جيت علي عمل ب (٨٠٠) ريال ووجدت شبك اضافي ب(٥٠٠) ريال… اجمالي شهريتي (١٣٠٠) ريال.
كانت التذاكر والمعيشة والاقامة علي الكفيل.
كنت اعمل خدمة شهرية علي هاتفي ب( ١٠٠) ريال، وعندي ولد واحد وزوجتي بت حلال قاعدة مع اهلي، برسل ليهم سويا (٥٠٠) ريال شهريا، حالتهم واحدة في المعيشة.
الباقي( ٧٠٠) ريال، شهريا برسلها لوالدي يشتري لي بيها شياه.
الان من راس كبير لصغير عندي 🏆(٢٥)🏆 راسا من الضان.
اخر شهر معاي في جيبي عمرت منو وبمش اكسيهم كلهم من سوق ليبيا وقبل كدا قصيت نصت شهر في النص كسيتهم للعيد.
عن نفسي ما اشتريت شي غير الشبب اللابسو دا ب( ٣٠) ريال من جيت.

ثم اطلق بعض الجمل الذهبية التي لا تجدها عند بروفيسور في الاقتصاد او مدرب مبدع في التنمية البشرية :
(يا اخوي بعد كدا السعودية بالنسبة لي مامفيدة، وكل يوم بقعدو هنا بالنسبة لي خسارة، الحاجة القاعد اعملها في حق الرجال داير امش اسويها في حقي)

ثم طرح علي سوالا مفعما بالامل لا التمني ومحددا فيه خطته المستقبلية بإحكام :
بعد خمس سنوات لو ربنا كفاني شر العوارض بكون عندي كم راس من الضان؟
الكفيل الاساسي حاول يزيدني (٣٠٠) ريال لكن رفضت!
ولو قبلت وقعدت، مش انا الخسران ؟
يا ابن عمي، انا كدا اكتفيت، ارجع اربي ولدي وما اضيع علي زوجتي عمرها لو مقسوم ليها تاني اطفال
راجع ابر والديني وازور المريض من اهلي وادفن المتوفي.

هبطت الطائرة في مطار الخرطوم وودعني بعد ان علمني ان الحياة بسيطة لمن بسطها وعصية علي من استعصاها

عدت بعد عام للعمل بالمملكة ووجدت بالمدينة التي انا فيها رجل مكث ٣٥ سنة وراتبه أضعاف راتب الراعي لكنه مطارد بامر قبض!
كنت ممن كلف بالسعي لحل مشكلته.

تعرفت علي عدد من الاطباء والمهندسين والمحاسبين عز عليهم الرجوع، والعامل المشترك بينهم جميعا:
( ترهل في الصرف .. وافتقار لخطة كخطة الراعي)

جئت انا على عمل خاص وبعد شهور حاول صاحب المستوصف التلاعب والمماطلة،بعد الاستخارة بكل عزة وصمود مزقت العقد ووضعته له في استقبال المستوصف مسترشدا ببوصلة الراعي.
(حاول صاحب العمل الاعتذار لي فأجبته:

(والله لو رقصت عديل تاني ما في رجعة وما اكمل تخصصي ما ادور على عمل وعدت ادراجي لإكمال دراستي )

فمن الله علي بعمل اضافي يتوافق مع مواصلة التخصص.


اعرف من الاهل من ملك عدد شياه هذا الشاب عقارات وسيارات لكنه يخاف الفقر . ظل طوال عمره خارج بلده، فات عليه كل شي، لم يودع مريضا يحتضر، ولم يشيع ميتا يدفن.

حتي جاء دوره وغطي بتراب غير تراب الوطن.

كتبتها
وآمل ان تصل خطة الراعي لكل من يحتاجها فتفيد غيري كما استفدت منها🌹🌹🌹

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*