عيد صاحبة الجلالة

عيد صاحبة الجلالة
  • 31 أغسطس 2022
  • لا توجد تعليقات

فضيلي جماع

قالوا: أن توقد شمعة ، خير من أن تلعن الظلام. إنّ الأمم التي تنشد التقدم والإزدهار هي التي تحيل أشواقها وتطلعاتها إلى واقع ملموس. وتحويل الحلم إلى واقع، يتطلب العمل الجاد ، وفي صمتٍ إن أمكن.
عن الفعل الديموقراطي الباهر الذي قاد إلى ميلاد النقابة الجديدة للصحفيين السودانيين أكتب. لم يملأ الصحافيون السودانيون الساحة ضجيجاً وهم يعملون في أناة لترتيب بيتهم الذي قام بتخريبه عن قصد نظام الإسلامويين المباد يوم سطوا على بلادنا بانقلابهم على نظام شرعي ديموقراطي قبل أكثر من ثلاثين سنة. أوّل ما قامت به سلطة الأستبداد تكميم الأفواه. فشعار الإستبداد عبر كل العصور أن تفكر السلطة الحاكمة بالوكالة عن الناس. وأن تكون هي الفم الذي ينطق إنابة عن الناس! لذا كان منبر الصحافة من أولى ضحايا النظام القمعي المباد ، لأن الصحافة تسهم في بث الوعي. والوعي هو الترياق الذي يفضح أنظمة القمع والظلاميين.
ثلاثون عاماً وقلم الرقيب هو الذي يحدد من الذي يكتب ، وكيف وماذا يكتب. ثلاثون عاماً والعمل الصحفي تحت التدجين وكتابة هي أشبه بسلق البيض ، أو الخروج على أطر الرقابة بأقلام صحفية جادة ، وتلاقي ما تلاقي من الحبس أو مصادرة ما تكتب. لقد عانى الصحفيون السودانيون كثيراً خلال الثلاثين سنة من حكم الأخوان المسلمين. فأنت حين تقول لمن يكتب : على قلمك أن يقول كذا وكذا أو فليسكت ، حينها تكون قد حكمت على العقل والضمير معاً بالموت. نعم ، يحكم الصحافة كما هو شأن كل مهنة شريفة تقاليد وسلوك وأعراف. لكن تلك القوانين والأعراف يرسي قواعدها قبيل الصحافة ، وليس الحاكم. والصحافة في العالم الذي سبقنا بسنوات ضوئية هي واحدة من السلطات الأربع. فهي تقف على مسافة واحدة من التشريع والقضاء والتنفيذ.. لذا سميت بالسلطة الرابعة ، لأنها تقوم بمهمة الرقابة على تلك السلطات . ولسطوتها عبر استقلاليتها وتصديها للحقيقة وما يلاقيه سدنتها من عنت أطلقوا عليها (مهنة المتاعب)! فكم من صحافي قضى نحبه أو تعرض للخطر في بحثه عن الحقيقة التي يحاول الآخرون أن يدسوها خلف الباب. وكم من فضيحة سياسية كشفت الصحافة عنها الغطاء ، فانهارت حكومة بأكملها. وليست فضيحة ووتر قيت التي أسقطت حكومة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون ببعيدة عن الأذهان. وفضيحة التصنت التي أسقطت سلطة تنفيذية لأعتى أمبراطورية في عصرنا كان وراء كشفها صحيفة.
نفهم تماماً إحتفاء الصحافيين والصحافيات بهذا الحدث الذي استغرق شهوراً من العمل الجاد وفي صمت، ليؤتي أكله ميلاداً ناضجاً وبهياً. ومن نافلة القول أنّ نفصح بأنّ هذا الإنجاز العظيم ما كان له أن يولد لو لا الحرية التي أستردها شعبنا عنوة لا استجداءاً عقب تفجير ثورة ديسمبر العملاقة. فالصحافة الجادة هي المولود الشرعي للحرية.
أختم بالتهنئة للإخوة والأخوات الصحفيين والصحفيات وقد أنجزوا في وحدة وعمل جاد ما عجزت أحزاب ونقابات أن تفعله وسط ضجيج ينطبق عليه القول : (أسمع جعجعة ولا أرى طحنا.) وأضيف نصف نصيحة للنقيب الجديد عبد المنعم أبو إدريس: إلتقيتك وأنت في أول طريق العمل الصحفي. توسمت فيك صحفي المستقبل. فقد رأيت فيك حباً للمهنة تزينه ابتسامة ما غابت وأنت في أصعب فترات العمل. قد تكون صحفياً ناجحاً، لكن ليس بالضرورة أنك أكثر زملائك وزميلاتك معرفة بمهنة المتاعب. فقد أختارك رفاق ورفيقات المهنة ربما لأنهم توسموا فيك صفات القيادة التي تهون دونها المهج من أجل وطننا وشعبنا.

فضيلي جمّاع
لندن
30- 8 -2022

التعليقات مغلقة.