الكبابيش وحمر (2017) وحمر والمسيرية (2022): دواس وبس!

الكبابيش وحمر (2017) وحمر والمسيرية (2022): دواس وبس!
  • 17 سبتمبر 2022
  • لا توجد تعليقات

د. عبد الله علي إبراهيم

كنت قلت قبل يومين هنا إن من وراء تجدد النزاع في النيل الأزرق بين شعب السلطنات وشعب الهوسا هوة معرفية بين بيروقراطية الدولة وأقلام صفوتها السياسية والصحفية وبين الريف. وسميتها “أبارتايد معرفي” وهي أن هذه الصفوة لا تجهل عن ريفها جهلاً يكبد البلد الآلام فحسب، بل تعتقد أن الجهل به هو سبيلها لإصلاحه بتجريعه الحداثة من عل. فهو إقليم خالف عن الزمن للتشليع أولاً قبل أن ينصلح بالحداثة.
وهذا مقال عائد إلى 12 إبريل 2017 فيه بيان ميداني، لو صحت العبارة، عن هذا الأبارتايد

أسقمني تعليق المعلقين من أبناء البندر على نزاع الكبابيش وحمر الدموي الأخير. قرأت لمن قال تراهم اقتتلوا حد الفناء من أجل ناقة جرباء. وقال معلق إنه من تلك النزاعات التي يثيرها حادث صغير أو اشتجار على أمر تافه يندلع ولا يهدأ إلا بتفاني القوم ثم يخلدون بعد إرهاق إلى الأمن ليعودوا سيرتهم الأولى. وكتبت منذ سنوات عن هذا التعاطي السقيم لكتبة الرأي عن نزاعات الريف يضللون القارئ عن طبيعتها فيعتزلها. وتهدأ لتدور رحاها من جديد لأننا لم نحتويها بالفكر بل بإجراءات حكومية وإدارة أهلية وأجاويد صارت روتيناً مخدراً لا شفاء من العلة.
سبق لي القول إن كتابة برنامجي الانتخابي لرئاسة الجمهورية في 2010 لابد أن تنتظر حتى نحذر بصورة حازمة من تعليق الأمل لحل أزمة البلد بفكر الأزمة الذي ورطنا فيها. ولن نتمتع بهذا الحذر الخلاق حتى ننازل هذا الفكر المأزوم بغير هوادة. فهذا الفكر جهل شرس بحقائق البلد الذي نريد له الخلاص. وننظر هنا إلى منشأ هذا الجهل في تداولنا لنبأ النزاعات “القبلية” في وسائط إعلامنا.
نوهت في كلمة قريبة بمفهوم أذاعه الدكتور أدم الزين، الخبير بالصراعات “القبلية” والسياسية بجامعة الخرطوم، سماه احتواء النزاع بالبحث. ويعني بذلك أننا لم نبذل أقصى ما بوسعنا في بحث أسباب الخصومة الناشبة بين الجماعات السودانية في دارفور وغير دارفور. فلو فعلنا لأحتوينا تلك النزاعات بعلاج ناجع مستمد من المعرفة الحقة بأسبابها.
ووجدت نهج النبأ عن تلك النزاعات في صحفنا من أوسع أبواب التفريط في احتواء النزاعات بالبحث. فقل أن تذكر الصحف سبب النزاع مما يجعله “دواس وبس”. ومحصلة التغاضي عن الأسباب من وراء النزاع “القبلي” هو “الأنيميا” الفاشية بين صفوتنا من جهة المعرفة بالريف ودقائق الحياة فيها. فقد أخرج الريف أثقاله وقالت الصفوة “ماله!” من فرط الجهل به. فلم تستعد الصفوة لقضايا الريف لأن مفهوم الحداثة الذي بوأها مقعد الطليعية جعل جهلها بالريف ميزة. فأهل تلك المناطق هم موضوع للتغيير من عل لا من أسفل. وبناء على ذلك فثقافتهم ترهات مكانها مزبلة التاريخ. وستبدلهم الصفوة عنها فكراً حديثاً رقيقاً لدراك الغرب. وبدلاً من أن تعقد هذه الصفوة العزم على رفع جهلها بالأرياف نجدها تنسب نكسة السودان إلى بلادة البادية في ما اسمته “ذهننا الرعوي” الذي يحول بيننا وبين الرقي والتقدم كسائر البشر في الغرب.
والجهل بالأرياف جهل قاصد متى امتنعنا عن تحري أسباب “التفلت في الريف” ودواساته. فقل أن تجد تعليلاً لما يضج به الريف من نزاع وصدام. فأصبح “النزاع قبلي” والفوضى والجهل سيان. فتقرأ في خبر بصفحة الجريدة الأولى ب”أجراس الحرية” (18-1-2009) بأن الكواهلة واللوقان بإدارية كلوقي (محلية تلودي) بولاية جنوب كردفان قد وقعا صلحاً. وربما شمل الخبر بشرى من مسؤول حكومي أو زعيم قبلي بأن هذا الصلح سيكون حجر الأساس في أمن المنطقة. والذي منه. ولكنك لن تجد في الخبر سبباً للنزاع الذي كان الصلح خاتمته. وإذا بطل السبب كثر العجب. فمن حق القارئ الذي لم تطلعه الصحيفة على جذور النزاع أن يظن الظنون بالكواهلة واللوقان. فقد ينساق إلى فكرة أنهم قوم رعاع “متوحشون” من محبي القتال. فمتى استنزفوا شراستهم جنحوا للسلم ليعاودوا كرة النزاع في يوم أخر.
واستبنت عقيدة الصفوة من أن صدامات الريفية عشوائية منزوعة السبب من نبأ نزاعين في صفحة واحدة من جريدة السوداني (5 فبراير 2009). ووقع النزاع الأول في الريف بينما وقع الثاني في المدينة. وفي حين قدمت الجريدة حيثيات وافية عن نبأ المدينة صمتت بالكلية عن إيراد سبب لنزاع الريف. فقد جاءت الصحيفة بخبر الصلح بين جماعة أنتكيا وجماعة سيسبان من شعب القمر بجنوب دارفور. وحضر التوقيع على عهد الصلح وزراء وأعيان وممثل يونميد بنيالا. وقال مسؤول ولائي إن الصلح طوى صفحة طويلة من الصراعات بين الطرفين. واستكمل الخبر عناصره المتفق عليها في الصحف (صلح وشهود للصلح وتمنيات بمستقبل سعيد). ولكنه أسقط بالكلية إيراد سبب النزاع بين بطنين من قبيلة واحدة على ما في نزاعهما من دروس وعبر.
من الجهة الأخرى تقرأ في نفس صفحة الجريدة عن نزاع حدود اشتعل بين محليتي كرري وأمبدة بأم درمان. ولم تكتف الصحفية النابهة هبة عبد العظيم من الخبر بغنيمة الإياب بل استغرقها تحري أسباب النزاع وتفاصيل تفاصيله مما نم عن إحاطة بالخبر من أطرافه كلها ومصادره. وستجد في نبأ أم درمان دراما سياسية واقتصادية اتخذت من حدود المحليتين مسرحاً. فهناك صراع معلن بين مجرفي تلك الأرض الحدودية لنقل الرمال إلى صناعة البناء، وبين من يريدون تلك الأرض سوقاً للمواشي بخدمات مياه وغيرها لجذب الرعاة إليها. ومن جهة ثالثة فهناك مصالح عقارية وزعت الأرض قطعاً سكنية وكانت يا عرب. وسترى من النبأ كيف تقف وازرة التخطيط الولائي مكتوفة الأيدي في خضم هذه النزاعات.
وصفوة القول إن قارئ نبأ هذا النزاع لن يخرج بانطباع أن كرري وأمبدة محليتان متوحشتان نزاعتان للخصومة بلا حيثيات. فقد أوفى الخبر النزاع حقه وجاء بالقوى المصطرعة عند حدود المحليتين ومقاصدها. وهذا ما لن تجده في خبر جماعتي القمر. وقد نعزو ذلك لغياب مراسل من موقع صدام القمر يستوفي النبأ من وجوهه جميعاً كما فعلت هبة. وبغياب مثل هذا المراسل تلجأ الصحيفة إلى نبأ الدولة الرسمي الذي تقتصر صياغته على الفرح بالصلح وقائمة شهوده من وجوه القوم وتهنئة أنفسهم على الإنجاز تطمئناً للناس الذين تروع خاطرهم “اثقال الريف” الخارجة. أما أسباب النزاع فصاغة النبأ الحكومي يتركونها بحجة أن الصلح المؤزر هو نهاية الأحزان. وقليلاً ما يدرون.

IbrahimA@missouri.edu

التعليقات مغلقة.