نمر: ملك شندي الأخير (3)

نمر: ملك شندي الأخير (3)
  • 28 سبتمبر 2022
  • لا توجد تعليقات

ترجمة وتلخيص : بدر الدين حامد الهاشمي

Nimir, the Last King of Shendi
اي روبنسون (E. A. Robinson)

جاء في وصف المك نمر أنه كان في الأربعين من عمره ، (حوالى 1822م. المترجم)، وطوله نحو ستة أقدام، وكان أسمر اللون وذا شخصية آسرة طاغية. وصفه البعض بأنه من أصول زنجية.
في رحلة عودته شمالا إلى مصر، خالف إسماعيل باشا نصيحة مستشاره، وأصر على ترك جيشه، والتقدم – مع نحو اثني عشر من حرسه – إلى شندي. عند وصوله المدينة أمر بإحضار المك نمر وعمه ومستشاره مساعد للمثول أمامه. كان إسماعيل باشا حينها في الحادي والعشرين من العمر، وكان الابن الوحيد الذي بقي على قيد الحياة لمحمد علي باشا.
ولد إسماعيل في كافالا (Cavalla) “مدينة ساحلية بتركيا” وعاش مع والدته هناك بضع سنوات. ورغم أنه اُشتهر بالتهذيب ودماثة الخلق، إلاّ أنه في مقابلته تلك مع المك نمر ومساعد، أظهر صلفاً وغطرسة شديدتين، وطالب المك أنّ جمع له من الجعليين – فوراً – من المال والأبقار والخيول والإبل ما قيمته نحو 20 ألف جنيها إسترلينيا.
(1)
لم يكن بمقدور أهالي تلك القبيلة أن يعطوا جزية ضخمة كهذه، لا سيما وأن غالب ممتلكاتهم سلبها الجيش التركي الغازي إبان مرروه جنوبا، عدا ما تمكن البعض من إخفائه، مثل الذهب. كان المك نمر قد نجح في دفن ما يعادل نحو 5 ألف جنيهاً إسترلينياً في داره، وكان هو كل ما كان بمقدوره أن يقدمه لإسماعيل. رد المك نمر – بسرعة وبعض من عدم اكتراث- على الأمر الشفهي لإسماعيل باشا بأنه من المستحيل عليه جمع مثل تلك الجزية الضخمة من أفراد قبيلته.
كان إسماعيل يستمع لرد المك نمر وهو يجذب أنفاسا من غليونه التركي الخشبي الطويل، فغلي الدم في عروقه لوقاحة ذلك الزنجي، فرمي بالغليون في وجهه. استل نمر سيفه ليرد الاهانة، بيد أن يد المك مساعد امتدت ومنعته من ذلك النوع من الرد السريع. تلى ذلك الموقف اعتذاراً من المكين نمر ومساعد للباشا، مع وعدهما بأن يقوما بجمع ما طلبه الباشا ؛ نهار اليوم التالي.
كان المك نمر مُصمماً على الانتقام من اسماعيل وجنده رداً على الاهانة التي ألحقها به، فأستدعى معاونيه للمشاورة.
كان إسماعيل باشا قد أُنزِل في إحدى بيوت الضيافة الكبيرة التي اُشتهرت بها شندي. تقرر أن تقام مساء ذلك اليوم مأدبة للباشا، مع حفل بالدلوكة على شرفه. أثناء الحفل، أحاط الجعليون المسلحون بمخارج الدار بعد أن وضعوا كثيراً من الحطب والمواد القابلة للاشتعال حولها، ثم أشعلوا المكان بالنار. هلك في ذلك الحريق إسماعيل باشا والخازندار وآخرون ممن كانوا معهما، فيما نجا طبيب الباشا الخاص من الحريق، بيد أنه لم ينج من قبضه الجعليين، الذين عذبوه ووضعوا في جسده “الخوازيق”، انتقاماً من أعمال عدائية مستفزة قام بها من قبل ضدهم. قيل أن بعض التجار نقلوا فيما بعد جسد إسماعيل المتفحم إلى القاهرة.
سرعان ما سرى خبر مقتل الباشا إلى بربر ، فأرسل المك نصر الدين (والذي كان المك نمر قد عزله قبل سنوات من ذلك التاريخ من ملك بربر) أحد أقربائه إلى محو بك، والذي نقل بدوره لمحمد علي باشا الخبر الأليم. قوبل نبأ حرق الباشا بكثير من الذعر والغضب الشديد والرغبة في التشفي من الفاعلين: قبيلة الجعليين.
خير من وصف حملات الدفتر دار الانتقامية هو ماكمايكل في كتابه “تاريخ العرب في السودان” ، وذلك في الفصل الموسوم “تاريخ سنار”. توسّع ماكمايكل كذلك في مقاله عن “الفتح التركي للسودان” المنشور في مجلة “تاريخ المجتمع الأفريقي”، في وصف تلك الحملات الانتقامية فوصفها وصفاً دقيقاً.
(2)
فرّ المك نمر نحو منطقة البطانة، وبعد معركة “نسيب” اتجه نحو نهر ستيت، بينما توجه المك مساعد نحو الدندر وقيل إنّه وولده قتلا على يد جماعة من الجنود الأتراك.
بدأ الشكرية، أعداء المك نمر في تعقبه ومن معه من البطاحين الهاربين من حملة الدفتر دار الانتقامية، فيما قام الشايقية بتعقب الجعليين، تسوية لحسابات وثأرات قبلية قديمة. كافأ الأتراك الشكرية على خدماتهم بجعلهم مسؤولين عن كامل منطقة البطانة، وخصصوا المدينة القديمة القريبة من القضارف الحالية “تواوا Tewawa” كعاصمة لهم، وكانت تُسمى من قبل “سوق أبو سن”.
أنشأ الأتراك قاعدة لهم في بلدة “دوكا” وعينوا لها كاشفا منهم. كما قاموا، على سبيل المكافأة، بمنح حلفائهم الشايقية أراض كانت للجعليين في مناطق كثيرة، منها حلفاية الملوك” والجزيرة وغيرهما،. ولا يزال أحفاد هؤلاء يقيمون في تلك الأراضي إلى يومنا هذا.
نشط “بشير ود عقيد” المسلمابي وهو زوج بُرة بنت المك نمر في تعقب واصطياد “النمراب”، فقد نجح الدفتر دار في استقطابه وتعيينه كحاكم محلي لشندي تحت إمرة كاشف تركي في المتمة (غرب شندي). وورث بشير ود عقيد كذلك دار المك نمر في شندي.
تقاطر آلاف من الجعليين إلى الحدود الحبشية حيث أنشأ المك نمر منطقة حاجزة (buffer state) أطلق عليها “دار ولقاييت ( Dar Wolkait)، واضعا نفسه تحت حماية “راس يوبي Ras Ubie” والذي غدا في عام 1831م ملكا للتقراي، وزوج ابن المك نمر، واسمه ” محمد” إحدى بناته.
وعُرفت المنطقة التي حكمها المك نمر بدار نمر، وكانت “صوفي” هي المدينة الرئيسة فيها.
(3)
أصدر حاكم عام السودان خورشيد باشا، (وهو ابن أخت/أخ محمد علي باشا) في عام 1829م عفوا عاما عن من شارك في قتال الأتراك بين عامي 1821 و 1824م، واستثنى من ذلك المك نمر وأفراد عائلته، وطالب كل من سواهم بالعودة للبلاد. استجاب كثيرون ممن هاجروا مع المك نمر، إذ أن المقام في أرض الحبشة لم يرق لهم، ولم يصلح لبهائمهم. بعد ذلك تدهورت شعبية المك نمر، وقل مناصروه، فتحرك نحو مكان يسمى “غابات” على بحر السلام من بعد معارك ضارية مع قبيلة الضبانية.
كانت قوات المك نمر حينها تضم نحو 400 إلى 500 من الخارجين على القانون من المجرمين والفارين من خدمة الجيش، وكان يغير بهم على الأحباش ويسبي نسائهم. للرد على تلك الغارات حاول “راس يوبي” خيانة المك نمر، والإيقاع به لتسليمه للأتراك للحصول على الثمن الذي وضعه الأتراك لرأسه.
قطع المك نمر وجماعته(ولقاييت) الطريق التجاري بين قوندار وواد مدني وسنار، مما عطل التجارة تماماً، فقرر محمد على باشا قطع دابر النمراب جميعا، واستئصال شأفتهم، فغزا الجيش التركي في عام 1832م القلابات واحتلها، وعين حاكما تركيا عليها.
اعتبر الأحباش ذلك تعديا على أراضيهم، فقاموا بقتال الأتراك وطردوهم من القلابات. في تلك الأثناء كان البريطانيون والفرنسيون يراقبون باهتمام ما يفعله الأتراك في المنطقة، خاصة وقد كان ملك التقراي (لابا قادس) قد أرسل مستشاره البريطاني، السيد كوفن، لطلب عون بريطانيا، ضد الاعتداءات التركية. رفضت الحكومة البريطانية في حينها التدخل في ذلك الصراع.
في عام 1834م هاجم النمراب (جماعة المك نمر)، ومعهم الأحباش مدينة سنار، بيد أنهم صدوا عنها. وكرد انتقامي على تلك المحاولة قام كاشف القضارف التركي، واسمه أحمد، بقيادة جيش من آلاف العرب السودانيين فدخل القلابات؛ ثم غزا قوندار وسوّاها بالأرض وحرقها.
في طريق عودته أوقع الأحباش الجيش التركي الغازي في كمين، وقتل أو قبض على معظمه. بعد تلك المعارك اعترفت الحكومة الفرنسية بالملك يوبي ملكا على التقراي، والذي قبل أن يبيعهم قرية حبشية اسمها “اتيت ” .
في عام 1836م. في العام التالي (1837م) حاول الأتراك استعادة القلابات، فسير خورشيد باشا جيشا عبر كسلا إلى الحدود مع القلابات، وأعاد احتلالها.

التعليقات مغلقة.