من الدوحة الى جدة .. رسالتي للوسطاء

من الدوحة الى جدة .. رسالتي للوسطاء
  • 22 مايو 2023
  • لا توجد تعليقات

محمد المكي أحمد

تدخل شراكة الدور الأميركي السعودي ،الهادفة لإطفاء حرائق الحرب البشعة، التي اندلعت في العاصمة السودانية، بمدنها الثلاث ( الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان) في 15 أبريل 2023، بين قائدي الجيش في السودان الفريق عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع الفريق محمد حمدان ( حميدتي) مرحلة حاسمة اليوم الاثنين ٢٢ مايو ٢٠٢٣ وعلى مدى أسبوع، وهو عمر اتفاق لوقف إطلاق النار، ستعقبه مراحل أخرى كما أعلن الوسيطان.

المرحلة الثانية للوساطة الأميركية السعودية المدعومة دوليا قد تكون فارقة بين مرحلتين، اذا التزم طرفا الاقتتال والصراع الدموي على السلطة بتعهداتهما ، ومارست في الوقت نفسه واشنطن والرياض والاقليم والأمم المتحدة والمجتمع الدولي ضغوطا إضافية على منتهكي حقوق الانسان السوداني.

ما يميز الاتفاق الثاني عن هدنات سابقة أنه حدد آلية للمراقبة تشمل متابعة بالأقمار الاصطناعية لكشف الانتهاكات ومرتكبيها لمحاسبتهم وملاحقتهم .

في ضوء هذا أرى أن احتضان جدة المحادثات غير المباشرة بين وفدي (القوات المسلحة السودانية )و(الدعم السريع ) اتسم بأبعاد حيوية منذ بدء الاجتماعات في ٦ مايو 2023 ، إذ أن التركيز على البعد الإنساني والحقوقي شكل سمة مهمة، لأنه أهتم بحماية المدنيين من سفك الدماء وتدمير ممتلكاتهم والمؤسسات الخدمية.

البداية الايجابية للدور الأميركي السعودي ركزت على حقوق الانسان السوداني في الحياة الآمنة والمستقرة ، و أرى أن هذا الدور ايجابي وحيوي ويستحق التنويه والتقدير والاحترام.

الموقف الأميركي السعودي يرى في خلاصته أن لا حل عسكريا للأزمة الراهنة ، وهو موقف ايجابي أيضا، لأنه يشدد – كما هو معلن – على استعادة الحكم المدني، أي أنه يحترم إرادة معظم أهل السودان، ولا أقول كلهم، لأن هناك انقلابيين لا يؤمنون بالحرية ولا يحترمون حقوق الشعب.

الموقف الأميركي السعودي بشأن الحكم المدني ليس جديدا ، فهو مستمد من موقف أعلنته واشنطن والرياض في اطار (الآلية الرباعية) التي تضم البلدين و بريطانيا والإمارات، وهذا الموقف متفق عليه في (الآلية الثلاثية ) التي تتكون من الهيئة الحكومية المعنية بالتنمية ( إيغاد) والإتحاد الأفريقي و بعثة الأمم المتحدة ، وهو محل اجماع أوروبي.

أرى أن جوهر الصراع في السودان يكمن في قضية الصراع على طبيعة نظام الحكم ، وهاهي نتائج الحكم العسكري الانقلابي الدموي تؤكد الآن أكثر من أي وقت مضى أن الديكتاتوريين الانقلابيين هم المصدر الأول لأزمات السودان ،ولعل شراسة الحرب الحالية ومستويات التدمير والقتل والتشريد للسودانيين حاليا أكدت للسودانيين والعالم أن طرفي الحرب الحالية لا يستحقان أن يحكما السودانيين ساعة واحدة .

تفاعلات ما قبل الحرب وبعد انفجارها كشفت أن هناك من يسعون جاهدين للسيطرة على الحكم وفرض ديكتاتورية جديدة مستمدة من ديكتاتورية عسكرية وحزبية اسقطها الشعب بثورة شعبية في العام ٢٠١٩.

الصراع وعدم الاستقرار بالأمس واليوم يتصدر مشهده بعض القادة العسكريين وحلفائهم من مدنيين مؤدلجين وانتهازيين ،هؤلاء يسعون إلى فرض حكم متسلط قاهر للناس ، تحت مسميات متعددة و أقنعة مختلفة وماكرة وخادعة ،بينها الزعم بالدفاع عن جيش السودان وتارة بادعاء الانحياز للخيار الشعبي الديمقراطي .

جيش السودان المهني الواحد الذي يحترم دوره المؤسسي ويحمي دولة المؤسسات وينأى عن الانقلابات والخوض في السياسة، هو القاسم المشترك المطلوب بالحاح في دولة الحكم المدني التي تحترم كل المؤسسات، وبينها جيش السودان وكل السودانيين .

هذا يعني أن الحرب الحالية بين البرهان وحميدتي ،أي بين قوتين عسكريتين هي صراع على السلطة وكرسي الحكم وقد سعيا ويعملان على استقطاب سياسيين، لكنهما بعد انقلابهما العسكري على حكم مدني انتقالي في 25 مايو 2021 باتا يفتقران الى أدنى درجة من الصدقية، وجاءت الحرب الحالية لتؤكد الاستخفاف بدماء السودانيين وكرامتهم اذ جرى سلبهم كل مقومات العيش الكريم، ولم يعد قادة الحرب يأتمنهم السودانيون على سلامتهم وكرامتهم، بعدما رأوا ويلات أفعالهم بالطيران والمدافع وكل أنواع الأسلحة في الشوارع والمدن والبيوت والمستشفيات ومرافق الخدمات والشوارع ( الخ) وتسببوا في قتل مئات وجرح آلاف البشر وتشريد من يصعب حصر عددهم الآن.

ورغم أفعالهم البشعة فان قادة الحرب الحالية يواصلون أساليب التضليل للناس ويخاطبون هذه القوى الشعبية أو تلك في سبيل اكتساب الشرعية والقفز على السلطة على اكتاف سياسيين أو انتهازيين يلهثون وراء كراسي الحكم أيضا ،وأعتقد بأن هذه المحاولات ستفشل .

الرئيس عمر البشير المعزول بتظاهرات شعبية سلمية أبهرت العالم سعى جاهدا الى اكتساب الشرعية خلال ثلاثين عاما وفشل في ذلك، وكان حكم باسم (الإسلاميين) أو (الحركة الإسلامية ) أو من يحلو للسودانيين أن يسمونهم (الكيزان) ويقصدون ( الإخوان المسلمين).

بتأمل أبعاد التنسيق الأميركي السعودي في اطار كل هذه التفاعلات القديمة والجديدة تبدو أهمية الإشارة الى خطوة اتخذها الرئيس الأميركي جو بايدن عشية وصول وفدي البرهان وحميدتي الى السعودية وبدء المحادثات غير المباشرة في ٦ مايو ٢٠٢٣، إذ لوح بورقة الملاحقة و العقوبات على قادة الحرب وأعداء التحول الديمقراطي .

نعيد للأذهان في هذا السياق تأكيدًا مهما لوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، اذ قال (إن إعلان المبادئ الذي وقَّعه ممثلو الجيش السوداني و(قوات الدعم السريع) في جدة يمثل خطوة أولى ستتبعها خطوات أخرى. ورأى في تغريده على ( تويتر ) أن (الأهم هو الالتزام بما تم الاتفاق عليه) و أن السعودية ( ستعمل حتى يعود الأمن والاستقرار للسودان وشعبه).

تصريحات رئيس الدبلوماسية السعودية في أثناء توقيع الاتفاق الثاني بين وفدي ( القوات المسلحة ) و( الدعم السريع) عبرت – كما أرى- عن موقف سعودي واضح ومؤثر انسانيا حينما تحدث عن (الدم السودان الغالي).

هذه رسالة حيوية وساخنة ، لكنها قد لا تجد أذنا صاغية في أوساط. سفاحين وسفاكي دماء ومتعطشين للسلطة في السودان ،لكن كلام الوزير السعودي نبع من قلب و ضمير إنساني حي ، ومن رؤية القيادة السعودية وموقفها المعلن ،الداعم للأمن والاستقرار في السودان.

من خلال اقامتي لسنوات عدة في الخليج (قطر) وزيارتي لكل دوله ومتابعتي للشؤون الخليجية ألاحظ أن السعودية في هذه الفترة من تاريخها ودعت سياسة قديمة تقوم على انتظار مآلات الأحداث في المنطقة والعالم قبل الإدلاء بتصريح أو موقف وكان الصمت في أوقات كثيرة يلف مواقفها، لكنها حاليا تتخذ سياسة المبادرة والمساهمة في صناعة الأحداث في المنطقة والعالم ، وهذا يعزز ويدعم ريادتها الخليجية والعربية والإسلامية ودورها في العالم،.

كتبت غير مرة مقالات قبل سنوات عدة ورأيت أن الأمن الخليجي من أمن السودان والعكس صحيح، وكنت كتبت أيضا في وقت سابق مقالا بعنوان ( الوجع السوداني يُسمع أولا في الخليج).

في هذا الإطار أرى أن أهم مرتكز للدور الأميركي السعودي الحالي بشأن السودان يكمن في السعي الى مفاوضات شاملة تعالج أزمة الحكم في السودان ، خصوصا أن بيانا أصدرته واشنطن والرياض جاء فيه ( تحث المملكة والولايات المتحدة الأمريكية على استمرار بذل الجهود الدولية المنسقة لمفاوضات واسعة تشارك فيها كل الأحزاب السودانية).

في 22 أبريل 2013 كتبت مقالا في صحيفة (الحياة اللندنية ) حينما كنت أعمل مراسلا للصحيفة في قطر، عن مفاوضات (سلام الدوحة) بين وفود نظام الرئيس عمر البشير و (حركات دارفورية مسلحة).

كان المقال بعنوان (دلالات رسالتين كردفانية ودارفورية الى الحكومة السودانية والوسطاء ) و أشدت في المقال وفي تعليقات أخرى بجهود قطر وقيادتها التي سعت وقدمت الكثير من الجهد والمال للمساهمة من أجل وقف الحرب في دارفور .

لكنني في الوقت نفسه أرسلت قبل عشر سنوات رسالة في مقالي الى الوسطاء القطريين والدوليين وقلت إن الأزمة تكمن في الخرطوم ، أي في نظام الرئيس عمر البشير.

رأيت في مقالي قبل عشر سنوات أن (الحل لأزمات السودان يبدأ بحل مشكلة الحكم في السودان ) وأن ( المعالجة الشاملة للأزمات تتم بتوافق وطني شامل) وأنه ( من دون معالجة جذور الأزمة سيواصل أهل السودان حصاد السراب وسيحصد من يؤازرهم بالوساطات أو المساعدات النتيجة نفسها، لأن استمرار الصراع والحروب سيأكل ما تبقى من الأخضر واليابس)و( إذا استمر مسلسل نهج الحلول الجزئية سيتواصل مسلسل الدم) .

أعرف أن لا مقارنة بين طبيعة الوساطة القطرية بشأن دارفور، والوساطة الأميركية السعودية الحالية ، إذ كانت الأولى على سبيل المثال بين نظام حاكم ومن يصفهم نظام البشير ب( متمردين) وبعضهم حكموا في فترة حكم البشير وآخرون تولوا مناصب رفيعة المستوى بعد ثورة الشعب السلمية في العام ٢٠١٩ وأيضا بعد انقلاب البرهان وحميدتي في ٢٠٢١.

أرى أن من سمات الوساطة الحالية الأميركية السعودية أنها تسعى وفقا لتصريحات الطرفين إلى مفاوضات شاملة لاستعادة الحكم المدني ، أي أنها مدركة لموقف الشارع السوداني ، وهو شارع سينطلق غدا بعدما تتوقف الحرب ليقول رأيه الحاسم .

أرى أن أميركا والسعودية ستحظيان بمزيد من التقدير في أوساط شعبية سودانية إذا أسفر دورهما عن نتائج تلبي تطلعات الشارع السوداني الثائر، ب(كنداكاته) وشبابه، وحتما سيقول الشارع رأيه الباهر غدا في كل مجريات الأحداث، خصوصا في ظل مناخ يتيح أوسع فرص التنفس الطبيعي .

أرى أيضا أن الدور الأميركي السعودي سيسفر عن نتائج ايجابية للسودان وللسعودية وأميركا والمنطقة والعالم اذا ركز على ضرورة أن يتوصل السودانيون إلى حلول شاملة للأزمة في السودان لا التوصل الى اتفاق محدود بين قادة الحرب الحالية في السودان.

هذه كانت رسالتي بالأمس للوسطاء القطريين والدوليين، وللوسيطين الأميركي والسعودي اليوم .

هنا رابط مقالي القديم الذي نشرته (الحياة ) اللندنية واعادت نشره صحيفة (سودانايل )الالكترونية .. ربما يجد الوسيطان الأميركي والسعودي ما يستحق التأمل في بعض سطوره .لندن ٢٢ مايو ٢٠٢٣

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*