بعد بتر رجله بسبب دانة.. محمد جلال هاشم يروي تفاصيل ما حدث

بعد بتر رجله بسبب دانة.. محمد جلال هاشم يروي تفاصيل ما حدث
  • 02 يوليو 2023
  • لا توجد تعليقات

رصد التحرير

جرى هذا الأسبوع بتر رجل الكاتب والمفكر المعروف د. محمد جلال أحمد هاشم في مستشفى سنار إثر إصابته في ركبته بشظية مدفع هاون بالكلاكلة صنقعت قبيل أيام العيد.

وهو هنا يروي تفاصيل ما حدث:

خلال الشهر الماضي وإلى الآن وجد عدد كبير من أهل اللاماب والشجرة وجبرة، وقبلهم حي مايو، ثم الآن وجد أهالي الكلاكلات (الدخينات وصنقعت والوحدة وشرق) بجانب الفتيح أم عُشر والشقيلاب ومناطق أخرى جنوبي الخرطوم إلى تخوم جبل أوليا – تحديدا في يومي السبت 24 والأحد 25 من يونيو الجاري وجدوا انفسهم وقد تحولت أحياؤهم السكنية إلى ميادين حرب، داخل الأحياء، بسبب عادة مليشيات الجنجويد في الاحتماء بالمنازل واتخاذ المواطنين كدروع بشرية. وهكذا وجدوا أنفسهم يعيشون تحت وابل من قذائف الهاون التي درجت مليشيا الجنجويد مؤخرا على إطلاقها بتعمد واضح نحو المباني السكنية حتى يذهب الظن بأن القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى هي من تفعل ذلك. هذا كله خلال هذه العشرة أيام الأخيرة وهي الأعنف، حيث استفادت مليشيات الجنجويد من هدنة الثلاثة أيام الأخيرة لتجميع شتات قواتهم، فظهرت تجمعاتهم، بصورة أساسية، وهم على ظهور المواتر وسيارات المواطنين المنهوبة والمطلية بالطين.


نتجت عن هذه الأفعال الشنيعة موت ما لا يقل 10 أشخاص وإصابة العشرات منهم بجروح تتراوح ما بين خطيرة في معظمها إلى طفيفة في بعضها، ولا تزال الإصابات مستمرة.
وقد شاءت لي الأقدار أن أكون من قبل يوم 24 يونيو بحوالي أسبوع، بمنطقة الكلاكلة صنقعت، تحديدا في منطقة سوق محطة (3) ومحطة (4)، ذلك ضمن تنقلاتي المستمرة ما بين اللاماب والشجرة وأبو آدم ثم الكلاكلات، ذلك بعد أن انتقلت إليها مضطرا لتجنب راجلة الجنجويد الذين، بعد أن فقدوا مركباتهم، ظلوا، ولا يزالون، يحومون بأقدامهم وهم مدججون بالسلاح في المنطقة ما بين البراري وامتداد ناصر والرياض فالطائف فالمعمورة ثم الأندلس وأركويت، يعيثون فسادا وتنكيلا بالمواطنين وممتلكاتهم.


وهكذا كنت ممن تعرضوا لإصابة بالغة حطمت ركبتي اليمين وبعض مما تحتها من مربط الساق وروابط الركبة. حدث هذا حوالي الساعة الرابعة عصرا يوم السبت وكنت لحظتها عائدا من رحلة البحث عن جنريتر لدى إحدى البقالات أو الأفران، فعدت بخفي حنين. وانا في طريقي قمت بتحذير الشباب من التجمع، منبها لهم لخطورة قذائف الهاون التي كانت قد سقطت منها ما لا يقل عن خمس قذائف في الحي قبل دقائق معدودات. هنا في هذه اللحظة وقعت القذيفة السادسة بالقرب مما كنا فيه وهي تثير الرعب بصوتها الخارق لحظة ارتطامها بالأرض ونشرها للأتربة والغبار، ثم انتشار شظاياها في دائرة نصف قطرها لا يقل عن عشرة أمتار. وقبل أن نفيق من هول الانفجار وصوت صفيره المرعب، انفجرت قذيفة أخرى كما لو كانت فوق رؤوسنا، وهذا بالضبط ما حدث. وكنت ضمن المصابين، وغالبيتهم من الشباب الذكور.


بمجرد انتباهي من صدمة وهول الانفجار، رأيت إصابتي وكيف أن عظمة الركبة المترحلة غير موجودة واللحم والروابط tendons بارزة بلونها الأصفر الأشبه بالشحم. ثم استحضرت أن الانفجار طوح بي لاصطدم بالحائط من جهة كتفي اليمين، ولا أزال اعاني من الرضوض. كنت ممن دفنوه حيا ثم غالب طريقه إلى خارج القبر، فجسمي كله تغطيه الأترية والطين.


كان هناك شاب في حوالي العشرين يصرخ بجانبي، بين صرخات شباب آخرين. ثم تقاطر الناس لنجدتنا غير عابئين بالمخاطر التي تهدد حياتهم. من جانبي كنت هادئا ومتماسكا لدرجة أنني خيرت نفسي بين إخراج جهاز تلفوني، وفيه طاقة بنسبة 1٪ فقط، أن أقوم بتصوير الجرح، أو أن أقوم بالاتصال بابن أخي الذي ظل يخدمني بصمت وتفانٍ متى ما قمت بزيارة لمرابع وحيشان أهلنا في حي الصفا بالكلاكلة. واتخذت الخيار الثاني.


ما كان في مقدور المسعفين الأشاوس أن يحملوني بأيديهم، فاستحضروا سريعا مرتبة إسفنج غير سميكة. وكنت أنبه ثلة المنقذين الذين اختملوني بالتوكتوك إلى أنني مريض بالسكري واخشى أن يحدث لي هبوط، ولكن لم نجد في طريقنا إلى مستشفى التركي بالكلاكلة القبة أي بقالة بها مشروبات غازية أو محلاّة.


إذن فقد تداعى المواطنون لنجدة المصابين، فاحتُملنا بالركشات والتوكتوك لينتهي بنا الأمر في المستشفى التركي جنوب غربي سوق اللفة بالكلاكلات، حيث انضممنا لجموع من المصابين من مختلف مناطق الكلاكلات وما وراءها جنوبا. المصابين.


إزاء العدد الكبير من المصابين، لم يجد فريق الأطباء العاملين أغلبهم إن لم يكن جميعهم تطوعا، من بد غير التعامل وبسرعة مع الحالات الخطرة المهددة للحياة، ما بين عويل النساء والفتيات والشباب والرجال بين الفينة والأخرى عند صعود أرواح الشهداء تباعا للسماء. فقد شملت قائمة المصابين الفئات العمرية ما دون العاشرة إلى ما فوق السبعين والثمانين.


ولكم أحزننا توالي سبحة الشهداء، فيهم من نعرفهم على المستوى الشخصي وجميعهم نعرفهم على المستوى الروحي والوطني. وقد خنقتني العبرات عندما نمى إلى سمعنا خبر استشهاد الشاب الوسيم، ابن الحي ونوارة شباب الحي، إبراهيم أبو القاسم، وهو شقيقه (حفظه الله) كانا من بين مجموعتنا التي أصيبت في محطة (4) بالكلاكلة صنقعت. وكان والدهما يتنقل بين ابنيه داخل المستشفى التركي في تماسك وإيمان تهتز دونه الجبال، بل كان يتعاون مع إدارة المستشفى، مقدما يد العون. ثلةٌ بعضها من بعض، فخارا في فخار.


بين جموع المصابين صُنّفت حالتي بين الحالات غير الخطرة حتى لو بلغت درجة البتر. وهذا كان وضعي في الحقيقة، أي أنها كانت من البداية، وربما إلى الآن بعد أن وصلت إلى مستشفى ود مدني، تنذر باحتمال بتر ساقي اليمنى من الركبة على أقل تقدير.


على أية حال تمت خياطة الركبة، وفريق الأطباء من الجنسين (وكذلك طاقم السسترات وكل إدارة المستشفى) يتقافزون فوق جموع المصابين الذين افترش أغلبهم الأرض وهم يتلقون العلاج. بعد العناية بإصابتي وخياطة الجرح، نُقلتُ إلى عنبر العظام بالطابق الأخير وانضممت لجموع المصابين رجالا ونساءً، شيبا وشبابا، وحتى الأطفال. كل هذا وفرقعة القنابل لم تتوقف ولو للحظة.


ثم أطل علينا يوم الأحد الموافق 25 يونيو الجاري، والمستشفى تعمل كخلية نحل، دون أن تتوقف أصوات القنابل والصواريخ، نسمعها حولنا وفوق رؤوسنا. حتى تلك اللحظة لم أكن قد قابلت أي اختصاصي عظام، كما لم تكن قد اجريت لي صورة أشعة. ولكن اخطر من كل هذا أن الجرح الذي شل قدمي اليمنى تماما لم يكن قد خضع لأي تنظيف وتعقيم وتضميد.
عندما اشتدت وتيرة الانفجارات بحلول الساعة الثانية ظهرا، دون أن أتلقى أي عناية طبية للظروف المذكورة اعلاه، وكنت (وهذا هو حالي إلى الآن يوم 26 يونيو الجاري وأنا في مستشفى ود مدني) افترش المرتبة الإسفنجية التي أتوا بها من أحد المنازل واحتملوني فوقها على التوكتوك. وكانت، ولا زالت، مبتلة بدمائي، مضافا إليها السوائل المطهرة التي استخدمها الاطباء عند تضميد جرحي.


ثم جاء اختصاصي العظام وطلب إجراء صورة أشعة لركبتي ثم مقابلتي بعد ذلك لتحديد ما يتوجب عمله، علاجا أم بترا. ولأن النقالة تحتاج لثلاثة أشخاص على أقل تقدير للنزول بها من الطابق الاخير إلى الطابق الأرضي، طلبت من ابن أخي أن يذهب لمنطقة محطة (2) بالكلاكلة واستدعاء أحد أعز اصدقاء الشباب والزمن الحميل، فأتى صديقي سريعا ومعه صديق اخر بنفس مواصفاته. ثم ونحن ننزل من طوابق المستشفى، علت واقتربت أصوات زخات الرصاص وفرقعة القنابل، ليصرخ الناس بعدها بأن مليشيا الجنجويد قد اقتحمت المستشفى. هنا اختلط الحابل بالنابل، فأصبح من الصعب تمييز الجنجويد بملابسهم المدنية من باقي المواطنين إلا بالسلاح معلقا على أكتافهم أو يلوحون به.


هنا اتخذت قراري بالتوجه إلى ود مدني حاضرة الإقليم الأوسط. ذلك كان هو نفسه اليوم الذي يفترض أن يتوجه فيه ابن اخي إلى مدينة وادي حلفا بالبصات للالتحاق بأسرته وقضاء العيد معهم.


هنا اتفقنا جميعا على فكرة التوجه لود مدني. وكانت لأحد أصدقاء العمر ممن وافوني علاقات وطيدة بأحد سائقي الحافلات الصغيرة من نوع قريس، فاتصل باحد اصدقائه من ملاك هذه الحافلات وتم الاتفاق. هنا اعلن ابن أخي انه سوف يرافقني، ضاربا بعرض الحائط كل حجوزاته السفرية لحلفا. ثم أعلن كلا أصدقاء العمر أن يرافقاني بملابسهم التي على اجسادهم، فرفضت ذلك، وعندما أصرّا وغاليا في الإصرار شددت على أحدهما ألا يذهب لسابق معرفتي لظروفه.


لقد كان ابن أخي رجلا فريدا ومتميزا كيفما استقبلته. فهو الذي كان يتكفل بتدبير أمر معيشتي أثناء حالات اختفائي الاضطراري بالحي الذي سلخت فيه صباي وشبابي. فعل كل هذا في صمت وقدرة تنظيمية مثيرة للإعجاب، خاصةً وأنه لم ينضم لأي تنظيم سياسي من قبل مما يمكن أن تحال إليه هذه الخبرة الفطرية.


أما صديق العمر الذي اتصلت به فور سماعي لاقتراب اصوات إطلاق النيران من موقع المستشفى التركي، فصدقوا أنه جاءني على وجه السرعة، لكن ليس قبل أن يتصل بصديق له، كما ذكرت أعلاه، من أصدقاء العمر والزمن الجميل.


إذن فقد التقت كلمتنا على التوجه إلى مستشفى ود مدني!
وكان أحد الصديقين القديمين له معرفة بصاحب عربة ركاب قريس، فقام بالاتفاق معه فورا ودون أخذ أي إذن مني أو مشاورتي وإخطاري بالسعر. أكثر من ذلك رافقني وهو يجلس مع السائق ويجري الحوار مع ارتكازات تفتيش الجنجويد في طريق الخرطوم مدني. منذ تلك اللحظة أصبح هذه الصديق هو الآمر والناهي، حتى لو كان على خطأ (وجه ضاحك).


بمجرد تجاوزنا لمدينة الكاملين، قمت بالاتصال بالصديق والطبيب النطاسي محمد قرشي عباس. وقتها، ولظروف الاستعجال، لم نكن نملك كامل قيمة الترحيل من الخرطوم إلى ود مدني. فقام مستغدا لدفع القيمة كلها لولا أن وقف له صديق العمر رافضا وبلهحة لا تقبل النقاش.


ثم اتجهنا لحوادث مستشفى ود مدني، يتقدمنا الدكتور قرشي ونحن من ورائه. في المستشفى وجدنا الأطباء وقد جرى تنويرهم بقدومنا فاستعدوا له ومعهم كبار أخصائي العظام.


ما هي الحالة الآن؟
باختصار أظهرت صورة الاشعة تدمر جزء كبير من عظمة الركبة المتحركة، بجانب بعض اطراف عظمة مربط الساق مع الركبة، هذا مع كسر خفيف في مربط عظمة الفخذ مع الركبة.


وما هو العمل؟
أولا، يفترض أن اخضع مساء اليوم لنقل دم لتعويض ما فقدته مما تشرّبته مرتبة الإسفنج التي لا أزال أرقد عليها بالرغم من أنها قد أصبحت مزرعة للذباب. ثانيا، يفترض أن أدخل في صيام لمدة أربع ساعات، لأخضع بعدها لعملية جراحية بقصد ترميم الجرح وتضميده جيدا، مع عملية “لحام” لما تبقى من عظمة الركبة المتحركة. أخيرا، الفرصة سوف تكون متاحة لي بعد الإبراء التام في إجراء العملية الكبرى ومنها ربما إلى تغيير للركبة كلها.


والحمد لله تم عصر اليوم بمستشفى الحوادث بمدني إجراء العملية الجراحية الصغرى لإصابتي نجاح. وغاليا بعد عيد الأضحى سوف تجري العملية الكبرى، وكلنا بعد المولى عز وجل واثقون في طاقم الأطباء وطاقم السيسترات ومجمل الموظفين بمستشفى الحوادث بود مدني. وغدا إجراء صورة أشعة مقطعية.


صديق العمر والزمن الجميل ما زال معي يمارضني ويرعاني. بحب وحنان لو كان بتوجيهات آمرة. أبن أخي أطلقنا سراحه واستقل أحد الباصات السفرية من مدني إلى دنقلا مباشرةً، ومنها سوف يتوجه إلى عبري.


أنا عن كرم أهل مدني، فهذا ما سنسطره في القريب العاجل، فلهم العتبى حتى يرضوا.


عاش الشعب السوداني
وعاش السودان حرا مستقلا
وعاشت ثورته الشعبية العظيمة
والثورة ثورة شعب! والسلطة سلطة شعب! والعسكر للثكنات والجنجويد ينحل
لتسقط مليشيات الجنجويد الإجرامية

MJH

ود مدني – 26 يونيو 2023م

التعليقات مغلقة.