ابتسموا ولا تستسلموا لأوجاع الحياة

الابتسامة: احتفى بها الشعر الجاهلي وتغنى بها شعراء بلادي(2-2)

  • 28 أكتوبر 2017
  • لا توجد تعليقات

آسيا المدني

كما أسلفنا سابقاً عن ابتسامة التفاؤل وأثرها في النفوس والقلوب، والآن نحن بصدد الإبحار والغوص في أعماق الموضوع للتنقيب واكتشاف مواطن الابتسامة، وتشبيهاتها في الأدب العربي، والشعر الغنائي السوداني.

لقد فتنت الابتسامة الكتاب والادباء ومحبي الجمال أيما فتون، وتوله بها الشعراء حد الوله، واحتلت حيزاً كبيراً في شعرهم .

ومنهم من تعدي وصف حلاوة الابتسامة إلى تبيان جمال الثغر، بما فيه من لوحة جمالية رائعة متناسقة الألوان، بياض الأسنان التي تحاكي اللؤلؤ المنظوم بدقة وعناية. ورقة الفم الذي يتناسب مع مكوناته، ومن لثات وأسنان وشفاه.. أمثال طرفة بن العبد الذي قال في وصف فم حبيبته خولة:
وَتَبْسِمُ عَن أَلْمَى كَأَنَّ مُنَوَّرًا
تَخَلَّلَ حُرَّ الرَّمْلِ دِعْصٌ لَهُ نَدِي
سَقَتْهُ إِيَاةُ الشَّمْسِ إِلَّا لِثَاتِهِ
أُسِفَّ وَلَمْ تَكْدِمْ عَلَيْهِ بِإِثْمِدِ

انظر كيف أبدع في وصف ثغر محبوبته بما يروق المزاج والذوق الجاهلي، ويكشف عن حسن شكل الفم، وجمال وروعة الشفتين المائل للسواد حسب ذائقة ذلك الزمان، حيث كانت حسناوات العرب تذر الكحل على اللثات والشفاه، فتعتم ليظهر لمعان الأسنان عند الابتسامة تظهر أشد بياضاً ولمعاناً كاللؤلؤ المنظوم.

كما أظهر الشاعر الفم كزهر الاقحوان، الذي اطلع نوره غضاً ناضراً في كثيب الرمل خالص مندى، فبدأ كأن الشمس أعارته ضوءها، واستثنت لهاته.

استلهم الشاعر التناسق اللوني بين بياض الأسنان الناصع الأخاذ وسواد اللثات المعتم؛ لإبراز جمال الثغر.

يا لها من لوحة جمالية آسره! منظر يسلب لب من تتحرك مشاعره عند رؤية جمال اللوحات التي ترسم بريشة بديع السموات والأرض.

كما قال الشاعر عنتره بن شداد:
إذْ تَسْتَبِيْكَ بِذِي غُروبٍ وَاضِحٍ
عَـذْبٍ مُقَبَّلُـهُ لَذيذُ المَطْعَـمِ
وكَـأَنَّ فَارَةَ تَاجِرٍ بِقَسِيْمَـةٍ
سبقت عوارضها إليك من الفم

ومثلما كان يذكرها في السلم أيضاً يستحضرها في الحرب، ويتخيل ابتسامتها، بل يكاد يراها أحياناً، وهو في غمرة الوغى والخطب الكريه:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل منى
وبيض الهند تقطر من دمي

كما استطرد قائلاً في بيت آخر يبين وصف الابتسامة وموطنها.
فوددت تقبيل السيوف لأنها
لمعت كبارق سنك المتبسم

كما ذكر في موضع آخر لوصف بريق الاصطفاف الهندسي لأسنان عبلة:
بسمت فلاح ضياء لؤلؤ ثغرها
فيه لداء العاشقين شفاء

كما جاوز الشاعر ذو الحس العالي والذوق السليم بشر ابن أبي حازم التصوير المباشر لموطن الابتسامة وجمال الأسنان نحو تفصيل مشهد الماء وهو ينحدر من أسنان محبوبته كانحداره من الجبال على صخر فيزداد صفاء، ورقة وعذوبة، وجمالاً وملاحة؛ ليهب الحياة للعاشقين حينما أفصح قائلا :ً
على أنيابها بغريض مزن
احالته السحابة في الرصاف

الأسنان تبوأت مكانة رفيعة في الوصف والغزل كموطن للابتسامة، فللأسنان سحر دأب أن يعبث بقلوب العاشقين، وهي معيار ثابث للجمال.

وروعة الأسنان في بياضها واصطفافها يكشفها سحر الابتسامة.

شبه الشعراء الابتسامة التي تكشف عن بياض الأسنان بالبروق التي تضوي عتمة الليل وتنيره عندما يفتر الثغر. كما شبهت بعقد الد، والنوار، وزهر الاقحوان لشدة البياض.
كما ظهر ذلك جلياً في شعر امرئ القيس، إذ قال :
بِثَغْرٍ كَمِثْلِ الأُقْحوانِ مُنِّورٍ
نَقيِّ الثَّنَايا أشنَبٍ غير أَثْعَلِ

أما في الشعر الحديث الابتسامه وموطنها وتشبيهاتها لها نصيب الأسد..
حينما قال المتنبئ :
تبل خدي كلما تبسمت
بمطر برقة ثناياها

ورسم جميل صدقي ابتسامة تلك الصبيه بريشة ذهبيه، وجسد ابتسامتها في لوحة فنيه مفعمة بالحب والبراءة :
غنائي غانيه غرها
صباها وإني بها مغرم
تراني فتبسم من صفرتي
وأحسن بها حينما تبسم

وما أجمل وما أصدق ابتسامة من شغفها نزار قباني حباً حينما استشعر حبها فأشعر منشداً:
تتبسمين وتمسكين يدي
فيعود شكي فيك إيمان

وهنالك نماذج كثيره للابتسامة وموطنها، وهذا على سبيل المثال لا الحصر في الشعر العربي.

ولوصف المحبوبة القدح المعلى في الشعر الغنائي السوداني، وبخاصة عن ابتسامتها ووصف الأسنان وتشبيهها بالبروق؛ لأن إنسان السودان بطبعه مترع بالحس الفني وذواق للأدب والجمال .

كما قال ود الرضي في وصف الأسنان:
البريق العاتم سماهو
أم فوبطر أم زين بسماهو

وفي قصيدة أنا في التمني :
يفر خيط بسمه يشبه نجما ليلو ساطع

كما أنشد الفنان المرهف سيد عبد العزيز قصيدته:
أقيس محاسنك بمن
الأنوار يتزاحمن في خدودك أخذو الأمن
ومن فاهك يتبسمن بروق في بروق يتقسمن

أما الشاعر المبدع أبوصلاح قد سما بوصف الابتسامة غايه السمو حينما صدح منشداً:
يا من فاح طيب رياه
إذا لاح برق ثناياه السحاب يبكي ويذوب في مياهو وقلوبنا تذوب واياهو

وفي قصيدة جوهر صدر المحافل :
ضاوي سنك لبريقوا راسل
لاح بين عنابين عواسل

وفي قصيدة يا جمال الليل:
طيبك عبق **وسنك براقو يسوي بق ** ترنع تشبه المهر السبق.

ما أروع هذا الوصف وما أبلغه.

لله درهم شعراء بلادي، لهم التحية والتجلة .

وهكذا أحبتي القراء يتضح فيما ورد من نماذج شعرية وقع الابتسامة في النفوس.

ومن هنا أهمس إليكم أحبتي، واقول: ابتسموا ولا تستسلموا لأوجاع الحياة، لقد كان حبيبنا المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم بساماً، ووصف بـ “براق الثنايا”. رواه ابن عساكر.

آسيا المدني
مسقط
سلطنة عمان

الوسوم آسيا-المدني-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*