قال: في الخرطوم اعترف بي الناس وأنكرني شخص واحد

العلاّمة الذي أحب الخرطوم أكثر من بيروت

إحسان عباس
  • 31 ديسمبر 2017
  • تعليق واحد

عبدالواحد الأنصاري

كان أولَ ما تفوّهتُ بعدما اطّلعتُ على ما كتبه المحقق الشهير الدكتور إحسان عباس في (غربة الراعي) عن السودان أن قُلت: وماذا لو رأى أستاذنا لبنان وبيروت؟ ليأتيني الجواب بعد ذلك بقوله: (كانت النقلة من الخرطوم إلى بيروت، ومن جامعة الخرطوم إلى الجامعة الأميركية، نقلة من الهدوء السكوني إلى الحركة الدينامية المتفجرة (…) وكنت قد ألِفتُ حياة الهدوء والبعد عن الصخب، وفي الخرطوم اعترف بي الناس، واعترفوا بدوري، وأنكرني شخص واحد، وفي بيروت اعترف بي شخص واحد (…)، وأنكرني الجمهور).

إن أجمل ما في الخرطوم بالنسبة إلى العلامة إحسان عباس لم يكن الهدوء والناس فحسبُ؛ ولهذا كان خروجه من السودان أمراً مشجياً ومُحزناً، وقد خشي على أصدقائه وأحبائه في ذلك البلد الكريم من أسى رحيله كما كان يخشاه على نفسه. كما أن انتقاله إلى بيروت لم يكن حدثاً سارّاً له، حتى من الناحية المادية، يقول: (لو أن جامعة الخرطوم جددت لي عقدي خمس سنوات لثالث مرة، هل كنت مستعداً للوفاء بها كاملة؟ سؤال أستطيع أن أجيب عنه بعد أن رأيت بيروت وعشت فيها. أما ونحن مسافرون من الخرطوم فلم يكن هناك مجال للإجابة عنه إلا بالإيجاب. كان منظرنا ونحن ننتظر في مطار الخرطوم للمغادرة مثيراً للأسى، وكانت تتردد في خاطري كلمات بيرم التونسي “وشبعتُ يا ربّ غربة” وكنت أنا وزوجتي نبكي في صمت، وكان الأطفال يشنجون، وحين وصلنا بيروت، وتوجهنا إلى الشقة التي اختارها لنا الدكتور محمد نجم، أدرك الأطفال أنهم قد فقدوا الحديقة التي كانت ساحة للعبهم، وبدا للوهلة الأولى أنهم غير مسرورين بهذه الشقة التي لا تمتد أمام أنظارهم، وليس فيها أشجار. وحاولت أن أطمئنهم بأن حديقة الصنايع – الحديقة الوحيدة العامة في بيروت حينئذ – قريبة من البيت. وأنا أستطيع أن أصاحبهم إليها كل يوم، أو كلما شاؤوا ذلك. ولم يفطن الأطفال إلى السؤال عن النوادي، وهل هي قريبة أيضاً أو بعيدة، قياساً على النادي السوري والنادي العربي (المصري) في الخرطوم، ولكنهم سيفطنون إلى ذلك بعد قليل عندما لا يجدون لديهم متنفساً. وكان ابني الأكبر يطالبني في الخرطوم بأن يكون له كلب، ثم زاد به الطموح فأخذ يطالب بحصان، كان الكلب من السهل اقتناؤه، ولكن في بيروت، لا يمكن اقتناء كلب، فكيف باقتناء حصان).

ويضيف إحسان عباس: (لكني من ناحية أخرى قبلت براتب شهري لا يبلغ ثلث راتبي في الخرطوم، وهذا سيلجئني إلى البحث عن موارد رزق أخرى، وبخاصة وأني فارقت الخرطوم دون أن أوفر شيئاً، مع أنه كان في استطاعتي أن أعود بوفرٍ ينفعني في المستقبل).

يمضي الباحث العربي المحقق قدُماً في مديح رجال السودان، منذ اللحظة الأولى، فهو يقول: (وعندما وصلنا محطة الخرطوم كانت درجة الحرارة أعلى مما ألفناه، ولم أجد أحداً ينتظرني، أو هكذا خيّل إلي؛ فاتفقت مع سائق سيارة عمومية أن ينقلني إلى الخرطوم بحري، حيث استأجرتْ لي الكلية منزلاً، وفيما بدأ السائق يحرك سيارته ظهر لي أن ثلاثة من الأساتذة بقسم اللغة العربية في انتظاري (…) فعرضت على سائق سيارة الأجرة أن يأخذ أجرة فأبى (…)، رأيت طفلاً يقود رجلاً ضريراً فتقدمت منه ماداً يدي بورقة مالية صغيرة، فلم يمدّ يده لأخذها، وقال للرجل الضرير: هذا رجل يقدّم لي نقوداً، فقال الضرير: شكراً، ولكني لست شحاذاً، وأنت مشكور على كل حال، فخجلت من نفسي كثيراً (…)، وعندما رجعت في السنة الدراسية التالية إلى الخرطوم وجدت الكلية قد خصصت لي منزلاً في حي المطار بالخرطوم – العاصمة – وكان دارة جميلة حولها حديقة تضم أشجار الموز والباباي والنيم والليمون وغيرها، فهاجرنا إليها من الخرطوم وسكنّا فيها طول إقامتنا في السودان، أي حوالي عشر سنين (…)، وكنت أرى في الخرطوم مجموعة من المثقفين السودانيين العميقي الثقافة الذين يعرفون شؤون بلدهم…).

ويروي مواقفه مع الطلاب السودانيين، وأنهم كانوا يمدونه بما هو حافل بالفائدة لشخص يريد أن يتعرف إلى الجوانب المختلفة من حياة السودان والسودانيين، كما يقص أنه دخل عليهم ذات مرة فشعروا أنهم أساؤوا الأدب معه حين كانوا يتحدثون عن تقصيره في حق فلسطين، وأنهم بعد ذلك بعثوا إليه الطالب الذي كان يتحدث ليعتذر إليه، وعلّق على ذلك بقوله: (وعندما سمعت هذه الحكاية أكبرتُ هذا الأدب لدى الطلاب، ولكني قلتُ لنفسي: صدَق عبدالكريم في كل ما قاله، ولم يكن به حاجة إلى الاعتذار، ولو عرفت يومئذ معنى إشارته لأنصفته أكثر).

ويشيد عباس في كتابه بأدباء السودان ومفكريه، ويمتدحهم بالقناعة: (وأعجبتني هذه القناعة، ووجدتها تصوّر حقيقة مهمة من واقعية المثقف السوداني، الذي لا يترفع متعالياً عن واقع الناس البسطاء).

ويصف الطلاب الذين ينتمون إلى شتى التيارات والأحزاب اليمينية واليسارية في البلاد بأن الحوار كان يشتد بينهم أحياناً وترتفع درجته (ولكن سرعان ما كانوا يفيئون إلى الهدوء، ويغادرون المجلس، وليس بينهم سوء تفاهم، وكانت هذه الظاهرة يومئذ تمثل السودانيين في أعلى مستويات الحوار).

ويواصل: (في خلال عشرة أعوام كان لا بد أن أتعرف إلى كثير من السودانيين خارج نطاق الكلية، من فئات مختلفة، وقد وجدت فيهم النموذج الذي أرنو إليه من الإخلاص والتواضع وتقدير رابطة الصداقة وعدم التكلف في الخطاب، ولولا أن أحيل بعض الصفحات إلى جرائد من الأسماء، ولولا خوف السهو عن ذكر بعضهم لعددت كثيراً أو لعددتهم جميعاً).


عبدالله الطيب

صعُب على إحسان عباس أن يُنهى عقده في الخرطوم، ولكنه عزا ذلك إلى أحد المسؤولين في إدارة الجامعة، كان يظن أن صاحبنا العلامة المحقق كان يغتابه في أحد المكاتب، كما أنه أوحى بأن للاستغناء عنه علاقة بأمر ظنه به الدكتور عبدالله الطيب، وكانت تلك النكتة السوداء الوحيدة في بحرٍ خضمّ من البياض، وملخص القصة – لإفادة القارئ الكريم – أن أديباً لبنانياً اسمه أحمد أبو أسعد بدأ مشروع إصدار مختارات من الشعر العربي المعاصر لكل بلد عربي، وأصدر جزءاً فيه مختارات من الشعر السوداني، وذكر عبدالله الطيب، وذكر أنه يكثر هجاء وطنه وأهله، وأضاف: (وذلك لا يليق بعباد الله الطيبين). وقد سأل الدكتور عبدالله الطيب إحسان عباس إن كان قد رأى هذا الكتاب، فأنبأه بأنه عنده، وأن المصنف أهداه نسخة منه، فوقر في نفس عبدالله الطيب أن لصاحبنا يداً فيما كتبه أبو سعد عنه!

ويعلق بقوله: (والله يعلم أنني لم أكن أعرف المؤلف، ولم تكن به أدنى علاقة، وإن قامت بيننا صداقة بعد رحيلي من الخرطوم إلى بيروت، وهذه من الهنات، وإنما أذكرها هنا لأنها قد توضح لمن يتساءلون عن أسباب مغادرتي للسودان، والملابسات التي أحاطت بها).

شرع إحسان عباس بعدما حزم أمره في المغادرة، وأراد أن يشحن كتبه معه إلى بيروت، وكان المسؤول عن إصدار إذن الشحن شاب سوداني، وتأخر الإذن بالشحن، ثم سأله الشاب السوداني: هل أفهم من شحنك لكتبك أنك مغادر بلدنا نهائياً؟ فقال إحسان: لا أظن ذلك، وإنما أنا أنقل عائلتي ومعها كتبي لكي يدخل أبنائي مدارس لبنانية.

عند ذلك تنهد الفتى السوداني بارتياح، وقال: الحمد لله.

يقول إحسان: (تأثرت كثيراً من كلمات هذا الفتى، وحمدت الله أن أخفيت عن أصدقائي السودانيين الكثيرين خبر مغادرتي النهائية، فإني لا أحب أن أثير حول تلك المغادرة جواً عاطفياً لا أرى له داعياً).

لقد رحل إحسان عباس عن الدنيا في مدينة عمّان الأردنية، بعدما ملأ أضابيره وذكرياته ثناء حسناً على السودان وأهله، ثناء لم يكتب ولا عشر معشاره عن أي بلاد أخرى، عن هذا البلد الكريم المعطاء، الذي ينتظر العربُ من المغتربين القادمين منه إليهم أن يكونوا عمّالاً أوفياء، فإذا وفد العربُ إليهم أرادوا منهم أن يكونوا لهم أسياداً كرماء كحاتم الطائي، وكأني بالشاعر الجاهلي يقول:
وإذا تكونُ كريهةٌ أُدعَى لها… وإذا يُحاس الحيسُ يُدعى جندبُ

*باحث ومحرر.
بريد ألكتروني
grnaty2@gmail.com
تويتر:
@abdulwahed1978

رد واحد على “العلاّمة الذي أحب الخرطوم أكثر من بيروت”

  1. يقول ياسين حسن ياسين:

    شكراً للأستاذ عبد الواحد، فهذه مقالة رائعة تضيف كثيراً لسيرة الباحث والمحقق والمترجم والناقد إحسان عباس، وتبرز ارتباطه الوجداني بالسودان وبجامعة الخرطوم وبأهل السودان عموماً.
    أستطرد هنا لأقول إن أكثر ما يعجبني في إحسان عباس غزارة انتاجه إلى درجة تذهل الشخص. فقد قام بتحقيق باقة من أمهات كتب التراث العربي، وفي صدارتها وفيات الأعيان والذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ونفح الطيب ورسائل ابن حزم الأندلسي. وفي كل هذه الأعمال، لم يكن التحقيق الذي قام به عملاً هيناً، بل انطوي على جهد علمي ضخم ظل يقتدي به محققو كتب التراث منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا.
    أما في مجال الترجمة، فمن أبرز أعماله ترجمة رواية موبي ديك (أو الحوت الأبيض) للروائي الأمريكي هرمان ميلفل. وهي رواية كتبت في 1851م وجاءت في لغة إنجليزية مستعصية جداً من جهتي المفردات والتراكيب. وقد عمد د. إحسان عباس إلى ترجمة الرواية بلغة عربية فصيحة وسلسة جداً أشاد بها النقاد في العالم العربي ولا تزال تُقرأ كعمل أدبي متقن الصياغة وكنموذج لدقة الترجمة وروعتها.
    ولك شكري مرة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.