كلام عابر

يوم شــكـره

  • 01 أبريل 2018
  • لا توجد تعليقات

عبدالله علقم

أبوالقاسم عثمان

في يوم من أيام شهر ديسمبر 1971م ذهب عمي أحمد يوسف علقم وأخي الأكبر يوسف والأخ والإنسان الجميل عبدالجليل حسن عبدالجليل، عليهم جميعا رحمة الله ورضوانه، ذهبوا للقاء مسؤول حكومي رفيع في مباني رئاسة مجلس الوزراء في الخرطوم، في سعيهم إلى معالجة معضلة فصلي من عملي في وزارة الحكومة المحلية بقرار وزاري متسلط.
كنت وقتها يافعاً في أدنى درجات السلم الوظيفي لضباط الحكومة المحلية أو الضباط الإداريين، مشحونا بالطموح والأحلام، وبقدر غير قليل من زهو الشباب.
لم يكن المسؤول وحده في مكتبه بل كان هناك زائر ما يجلس على كرسي على مقربة من طاولة المسؤول. اكتفى ذلك الزائر بالاستماع، وظل صامتاً طوال تناول الموضوع. تحدث الزائر أخيراً، وطلب بحسم واضح أن أحضر أنا وحدي إلى مكتبه صباح اليوم التالي دونما حاجة إلى حضور أحد. أكد لهم بثقة شديدة أنه سيعالج الأمر. هكذا قالوا لي.
في صباح اليوم التالي كنت أقف أمام وزارة التعاون والتنمية الريفية على شارع النيل التي شغلت مباني مصلحة توفير المياه. مشروع الوزارة نفسه يعود في أصله إلى رؤية الشهيد الشريف حسين الهندي الذي كان سيحفر عدداً ضخماً من الآبار لتوطين أهل الريف، وتحسين عيشهم، إذ إن الماء عصب الحياة (وجعلنا من الماء كل شيء). ولكن انقلاب 25 مايو لم يسعفه لتنفيذ رؤيته التي خصصت لها الاعتمادات المالية.
لم أجد صعوبة في دخول مكتب الزائر الذي طلب حضوري إلى مكتبه. هكذا وجدت نفسي أقف أمام الدكتور عثمان أبوالقاسم وزير التعاون والتنمية الريفية. كانت تلك هي المرة الثالثة في حياتي التي أدخل فيها مكتب وزير.
المرة الأولى كانت عندما ذهبت إلى العم المرحوم الدكتور أحمد بخاري وزير الصحة في حكومة السيد الصادق المهدي سنة 1966م. المكتب الثاني الذي دخلته هو مكتب جعفر محمد علي بخيت وزير الحكومة المحلية في شهر ديسمبر 1971م، وهي المقابلة المشؤومة التي انتهت بفصلي من العمل. هأنذا في حضرة الرجل السمح الشهم الذي عرض تقديم المساعدة دون معرفة سابقة تربطه بأي منا.
وقفت أوجز للرجل مظلمتي التي انتهت بفصلي من الخدمة، وكان كريماً معي ودعاني إلى الجلوس. (ولد صغير يجلس جنب تربيزة الوزير وفي مواجهته!!). تسلل إلي نفسي إحساس خادع بأني شخص مهم. رفع الوزير سماعة هاتفه، وشرع في محادثة طويلة مع الطرف الآخر. كنت أنصت وأتابع كلمات الدكتور عثمان أبوالقاسم ولم أسمع بطبيعة الحال ما يقوله الطرف الآخر.. ما زالت العبارات التآتية عالقة بذاكرتي:
– صباح الخير يا أبو حسن.
– …………………..
– ياخي أيه حكاية الولد الصغير الرفدتو من الشغل؟
– ……………………………………….
– أيوة مساعد ضابط مجلس اسمه عبدالله محمد يوسف علقم.
– ………………………………………………
– يا دكتور تقارير الأمن ما منزلة.. تحتمل الصواب والخطأ.
– ………………………………………………
– والله ما قريبي، وما بعرفه، ولا عندي علاقة بأسرته. لاقيت أهله بالصدفة أمس وأفتكر قضيتهم عادلة.
– ……………………………………………..
– ياخي دا ولد صغير زي ولدك.. حتى لو فرضنا أنه غلطان كفاية عليه الاعتقال.
– ……………………………………………………………….
– طيب يا دكتور جعفر مادام ما عاوزه في وزارتك.. ما تفصله.. حوله عندي.. مستعد أشغله معاي في مكتبي.
– ………………………………………………………………………
– كدا بتخلق عداوات ما ليها لزوم للثورة.. الولد دا عنده أهل وعشيرة كلهم حيكرهوا ثورة مايو.
– …………………………………………………………………………..
– ما تبقى حاقد كدا يا أبوحسن.
– ……………………….

ألقى الدكتور عثمان أبوالقاسم، قريب عضوي مجلس قيادة انقلاب مايو ابوالقاسم محمد ابراهيم وأبوالقاسم هاشم، ألقى السماعة بعنف على قاعدتها مؤذناً بانتهاء، أو قطع المكالمة الهاتفية، ثم وجه حديثه إليّ وعلامات الغضب ظاهرة على وجهه، معتذراً عن فشل وساطته، وعزا ذلك إلى تعنت جعفر بخيت وحقده. شكرت له كرمه وشهامته. غادرت مكتبه، وأنا منشرح الصدر. أيقنت أن هناك رجالا محترمين يزينون المجتمعات مهما غلب السوء والسيئون. لم أتشرف بلقائه منذ ديسمبر 1971م، ولم أشكره كما ينبغي، ولكن جاء يوم شكره، ونحن كعادتنا لا نشكر الأخيار إلا بعد رحيلهم من دنيانا. رحل الدكتور عثمان أبوالقاسم أحمد هاشم.
شكرا مجدداً للدكتور عثمان أبوالقاسم الرجل الشجاع الزاهد النبيل، واسأل الله أن يجعل فعلك معي في ميزان حسناتك.. وليرحمك ويرحمنا الغفور الرحيم.
khamma46@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.