كلام عابر

قراءة في الإنداية والأقنان والعبيد

غلاف الرواية
  • 29 أكتوبر 2018
  • لا توجد تعليقات

عبدالله علقم

“الإنداية.. قصة الأقنان والعبيد” هو عنوان الرواية التي كتبها الدكتور صلاح البشير وصدرت من دار اوراق للنشر والتوزيع في القاهرة ، يناير 2018 وتقع في 280 صفحة، من القطع الصغير كما يبدو. أهداني المؤلف نسخة الكترونية من الرواية التي منعت السلطات حفل تدشينها في أم درمان ثم لاحقها المنع، مع عناوين أخرى، في معرض الخرطوم الدولي للكتاب.

مصادرة الكتب بغرض تغييبها نهائيا لم يعد ممكنا في هذا الزمان بفضل انتشار الوسائل الحديثة البديلة التي تقفز فوق حواجز المصادرة والمنع، وقد رأينا بالفعل أن محاصرة رواية “الجنقو مسامير الأرض” جعل الرواية أكثر انتشاراً عبر أكثر من دار نشر ووسيط الكتروني، وتمت ترجمتها إلى أكثر من لغة، وعاد ذلك بخير كثير على الرواية، أما الكاتب عبدالعزيز بركة ساكن فقد دفعت به ملاحقة السلطة إلى العالمية، وكان في ذلك كل الخير للسودان والأدب السوداني.

حظر رواية صلاح البشير يجيء كحلقة من مسلسل جدلية علاقة المثقف مع السلطة، وهي علاقة تتغير صعوداً وهبوطاً حسب مناخ الحريات العامة في المجتمع.

والمثقف هو الذي قال عنه المفكر الإيراني الراحل علي شريعتي(1933-1977م) إنه”واعٍ مسؤول،أ عظم مسؤولياته وأهدافه منح بني البشر الوديعة الإلهية الكبرى..أي المعرفة والوعي”، لكن ذلك لم يمنع الكاتب الراحل الدكتور يوسف إدريس أن ينبه إلى أن ” ساحة الحرية المتاحة في الوطن العربي كله لا تكفي لكاتب واحد”.

ملاحقة المثقف ليست ظاهرة عربية صرف ولكنها منتشرة في كثير من بلدان العالم الثالث، فقد ارتقت هذه الملاحقة إلى الإعدام كما في حالة الكاتب والمنتج التلفزيوني النيجيري كين سارو ويوا عام 1995م في ظل حكم السفاح ساني اباتشا العسكري. كلاهما، المثقف والسلطة يؤمن بأنه يسعى إلى تحقيق مصلحة المجتمع، فقط السلطة وحدها التي تعتقد أن رؤيتها صواب لا يحتمل الخطأ.

نعود إلى الرواية.. القن، وجمعها أقنان، هو العبد المولود من أم وأب مملوكين، وعبد قن تعني، حسب لسان العرب لابن منظور، العبد خالص العبودية.

وجوهر الرواية يدور حول مجتمع العبيد والأقنان. جرت الأحداث في قرية نيلية في شمال السودان في فترة لم يحددها الكاتب لكنها كانت فترة شكل فيها الرقيق ركيزة مجتمعية قوية يعتمد عليها المجتمع في الإنتاج والخدمات داخل المنزل وخارجه، وفي المتعة الجنسية، كما كانت فترة زمنية تميزت بتخلف وسائل المواصلات وبغياب سلطة الحكم المركزية.

صلاح البشير

تتكون القرية التي جرت فيها معظم أحداث الرواية من مناطق سكنية أو أحياء وسوق ومسجد ومشرع للمراكب التجارية وإنداية تجاورها منازل لطلاب المتعة.

كان مجتمع القرية يمارس الزراعة والتجارة ودباغة الجلود، ولا يستنكف من الجمع بين عادات معاقرة الخمور والتردد على بيوت المتعة والبيع والشراء في سوق العبيد الذي يقام كل أسبوع في القرية، ثم المواظبة بعد ذلك على الصلاة في مسجد القرية.

الطيب ابن العمدة إبراهيم ود أحمد الأرباب وهو الابن الأوسط من الزوجة الثالثة يمثل الخير أو الجانب المضيء من المجتمع، فقد نال حظاً من التعليم في مصر وتفقه في الدين، وصار يؤم الناس في مسجدهم ويفتيهم في شؤون دينهم ودنياهم، ولكنه تجاوز ذلك فدخل في صدام مباشر مع مؤسسة الرق فكان يحارب هذه التجارة، ويقوم من جانبه بشراء من يستطيع منهم ومنحهم حريتهم، فأثار عليه ذلك النافذين في المجتمع رغم أنه قد جعله أقرب إلى قلوب عامة الناس الذين نهجوا نهجه، فوقف والده العمدة في صف النافذين، وسجن الطيب، ويقوم الابن الأكبر الصادق بالتدبير مع بعض أهل والدته وآخرين لقتل الطيب لتصبح خلافة والده في العمودية حقاً له لا سيما وأنه الابن الكبير، ويتسارع وقع الأحداث فيخرج الطيب من السجن، ويستطيع أن يفك أسر والده من الكجور، وتنكشف كل أطراف المؤامرة، ويتنازل العمدة لابنه الطيب عن العمودية، ويتزوج الطيب بتاج الملوك التي اشتراها من دلالة العبيد، ويبعد الأشرار من القرية.

اكتظت الرواية بأشخاص ليس لهم أدوار مفصلية أو مؤثرة في حبكة الرواية مما يجعلها عبئاً على القارىء وتشتت تفكيره وهو يحاول أن يمسك بالأسماء والأحداث التي تتسارع كلما تقدم السرد، لكن الكاتب استطاع ببراعة شديدة السيطرة على شخوص وأحداث روايته في تتابع مرتب وسرد جميل.

أيضاً انتصار الخير في النهاية بلا خسائر، وبكل هذه الكثافة لا يحدث إلا في الأحاجي والأساطير، وفي الرواية شيء غير قليل من الميثيلوجيا وربط بين الواقع والأساطير.

أفرط الكاتب في تصوير شخصية “البطل” الطيب يجسد صورة السيوبرمان، فهو شاب عشريني شجاع مقدام، ووسيم، ومتعلم، ومتفقه في الدين، يفقه في العلاج البلدي والتداوي بالقرآن الكريم، ذو شخصية قوية وعطوفة ويتمتع بمظاهر فحولة جاذبة فضلاً عن قوته الجسدية التي لا تدانيها قوة في القرية.

كما أفلح الكاتب في تصوير التناقض الأخلاقي في شخصية العمدة كبير القوم الذي كان يمتلك سراً في مكان بعيد عن القرية قرية أخرى فيها الأنادي وبيوت المتعة التي يعود دخلها إليه، وعشيقة يخفيها عن عيون الناس، ويمتلك أيضا مسلحين من عبيده ليستخدمهم في مواجهة أي تمرد ضده.

الرواية التي لا تخلو من تأثير الطيب صالح، تعكس ثقافة الكاتب القرآنية وجرأته البينة في نبش المسكوت عنه من الموروث المجتمعي السوداني السالب، ولهذا حفلت بكلمات صادمة لمجتمعنا اليوم مثل “عبد” و”فرخة” و”فرخ” و”رقيق” و”ركوب”، والعبارات الجنسية الصريحة التي يجب أن تؤخذ في سياق زمانها وثقافة ذلك الزمان لا سيما وأن مجتمع الإنداية والمتعة الجنسية كان مداراً للأحداث.

ولا بد لي من الإشارة إلى أن الأقنان والعبيد، عنوان الرواية، لم يكن لهم دور يذكر في صنع الأحداث كطبقة أم أفراد، ولم تعنى الرواية بعكس أحاسيسهم ومشاعرهم؛ مما يعطي الانطباع باستكانتهم لواقعهم مع أنهم محور الصراع الذي دار في الرواية.

أخيرا، التهنئة والتحية للأستاذ الدكتور صلاح البشير على هذا العمل الشجاع الرائع، وكم تمنيت أن لو كانت للرواية مقدمة تزيدها زينة ويخطها قلم مثل قلم أخي الدكتور عبدالله جلاب الذي يقيم في أمريكا مثل المؤلف.

khamma46@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.