نماذج صحافية جديدة في عصر الإنترنت .. «السلحفاة» أحدها

  • 07 فبراير 2019
  • لا توجد تعليقات

هل من الممكن جعل الصحافة مجزية؟ هذا السؤال كان يلوح في الأفق خلال بضعة أيام بائسة بالنسبة للمؤسسات الإخبارية، خسر خلالها مئات الصحافيين وظائفهم في “بزفيد”، و”هافينجتون بوست”، و”جانيت” – المجموعة الصحافية التي تملك صحيفة “يو إس أيه توداي”. مستقبل الإنترنت المزدهر الذي كان من المفترض أن يُنقذ صناعة كانت مربحة فيما مضى لم يتحقق، والشركات الناشئة الرقمية ذات القيمة العالية أثبتت أنها تساوي أقل بكثير مما كان يعتقد في البداية.
مع ذلك، توجد نقاط مشرقة وسط هذه الكآبة. الرغبة في الحصول على الأخبار تبقى قوية: ما عليكم سوى سؤال أي شخص التهم التغطية الإخبارية حول مفاوضات “بريكست”، أو متاعب دونالد ترمب الأخيرة. نوعية التقارير الاستقصائية حول هذه القصص الملحمية المستمرة تحتمل المقارنة بأفضل مستويات الصحافة في العقود القليلة الماضية.


لكن على الرغم من الإنجازات الصحافية التي قدمتها “بزفيد” و”هافينجتون بوست”، المملوكة لمجموعة الاتصالات الأمريكية “فيرايزون”، إلا أن متاعبهما الأخيرة تبين أن اعتماد الشركات على الإعلانات الرقمية قائم على أرض غير مستقرة. كل من “هافينجتون” و”بزفيد” تجذب أعدادا كبيرة من الزيارات، لكن من الصعب تحويل ذلك الجمهور إلى دخل في عالم تُهيمن فيه “جوجل” و”فيسبوك” على الإعلانات الرقمية.
بالنسبة للصُحف التي من قبيل “نيويورك تايمز” و”وول ستريت جورنال” و”فاينانشيال تايمز”، الاشتراك الرقمي يُصبح مصدرا ثابتا للدخل، يحل محل كثير من الأرباح التي تبخرت مع تراجع إعلانات الصحافة المطبوعة. بالنسبة لآخرين، ولا سيما “واشنطن بوست” و”لوس أنجلوس تايمز”، المتبرعون الأثرياء – جيف بيزوس في “واشنطن بوست” وباتريك سون-شيونج في “لوس أنجلوس تايمز” – يوفرون شبكة أمان في الوقت الذي تبني فيه تلك الصحف أعمال اشتراكات وغيرها من مصادر الدخل.
بعيدا عن انتظار فارس على شكل ملياردير سخي يأتي على صهوة حصان أبيض، برزت بعض النماذج الصحافية الجديدة. “برو ـ بوبليكا” ProPublica، مجموعة الأخبار الاستقصائية على الإنترنت، تعمل على أساس غير ربحي وتمول نشاطها الصحافي من خلال التبرعات. موقع “ذي كوريسبوندنت” The Correspondent (المراسل)، مشروع جديد بدأ في هولندا، يعتمد أيضا على تبرعات القراء: سجل الموقع 61 ألف عضو يدفع كل منهم 70 يورو سنويا، وجمع أخيرا 2.6 مليون دولار في حملة لحشد التمويل بمساهمات من أفراد في 130 بلدا، لدعم نسخة من المقرر إصدارها باللغة الإنجليزية، يتم إطلاقها في وقت لاحق هذا العام. في الوقت نفسه، في المملكة المتحدة، “تورتويس” Tortoise (السلحفاة)، مشروع جديد “للأخبار البطيئة” من جيمس هاردينج، الرئيس السابق لقسم الأخبار في شبكة بي بي سي (والصحافي السابق في “فاينانشيال تايمز”)، يسعى أيضا إلى استراتيجية عضوية، مع إمكانية الوصول إلى اجتماعات التحرير والأحداث مقابل رسم سنوي.


كل من “ذي كوريسبوندنت” و”تورتويس” مشروع جديد ليس لديه أي شيء مثل حجم السوق العامة. لكن “الجارديان” لديها ذلك، وهي في سبيلها إلى العودة إلى الربحية لأول مرة منذ 20 عاما في نيسان (أبريل) المقبل، بفضل ما تطلق عليه استراتيجية “علاقة القارئ” وجولات خفض التكاليف. وهي من بين مواقع الأخبار الإلكترونية الأكثر زيارة في العالم، لكنها سجلت خسائر بمئات الملايين من الجنيهات في العقد الماضي عندما توسعت على الصعيد الدولي وجعلت صحافتها متاحة مجانا على الإنترنت. في عام 2016 شرعت في جمع تبرعات من القراء بهدف تحقيق التعادل بين الأرباح والنفقات في غضون ثلاثة أعوام. ومنذ ذلك الحين، تلقت دعما من أكثر من مليون قارئ، سواء من خلال الاشتراك بالصحيفة المطبوعة، أو تطبيقها، أو من خلال التبرعات. ولديها الآن 350 ألف شخص يقدمون مساهمات مالية منتظمة شهريا.
هناك عدة عوامل وراء خروج “الجارديان” الوشيك من دائرة الخسائر: لديها علامة تجارية عالمية، مدعومة بنجاحات تحريرية في الأعوام الأخيرة، مثل تقريرها الحائز على جائزة بوليتزر عن إدوارد سنودن. ولديها جمهور دولي وكثير من القراء الأوفياء المتحمسين الذين، كما تبين، كانوا سعداء بتقديم المال عندما طُلب منهم ذلك.


لكن من غير الواضح ما إذا كانت “الجارديان” ستنضم على الإطلاق إلى أمثال “نيويورك تايمز” من خلال إنشاء جدار حماية حول محتواها المدفوع. الإقدام على ذلك سيجعل إيراداتها أكثر قابلية للتوقع وأقل عرضة لنزوات الأفراد الذين يقدمون مساهمات لمرة واحدة. كات فاينر، رئيسة تحريرها، لم تستبعد مثل هذه الخطوة في المستقبل على الرغم من أنها قالت أخيرا إن جدار الحماية “ليس أمرا يدور الحديث حوله فعلا” في صحيفة “الجارديان” هذه الأيام.
مع ذلك، نجاح الصحيفة في جمع المساهمات يُظهر أن القراء على استعداد لإنفاق المال على الصحافة في عصر الإنترنت. هذا لا يعني نهاية فقدان الوظائف، أو حالات إغلاق الصحف الإقليمية في الولايات المتحدة، أو القيود المالية التي تواجه شركات نشر الصحف البريطانية. لكن توجد نماذج أعمال أخرى يمكن تجربتها. الإعلانات وحدها لم تعد تحقق النجاح. 

المصدر: الاقتصادية السعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.