في ضرورة اندماج اللحظة الثورية والسياسية للسودان الآن

  • 15 أبريل 2019
  • تعليق واحد

محمد جميل أحمد



تعتبر اللحظة الثورية لحظة جامعة وعابرة لجميع المواطنين في التعبير عن المطالب والحقوق. وهي غالباً ما تبدأ فجأة ودون سابق إنذار، كما أنها لحظة ترتكز على الدعوات للخروج والتظاهر والدعاية للحشد وصولاً إلى الكتلة الكلية الحرجة بخروج الملايين.  

ذروة هذه المرحلة تتحقق فيها الكتلة للضغط على النظام المراد اسقاطه. ويصاحب اللحظة الثورية مشاعر وطنية جامعة وعلاقات تضامن وتعبيرات تعكس الشعارات والأحلام والأمنيات ويصاحبها زخم وطني كبير مع سقوط شهداء يتسارع مع سقوطهم الحراك الثوري فيكون أكثر تمسكاً بمطالبه الثورية.

أما اللحظة السياسية للثورة فهي اللحظة التي تأتي بعد سقوط النظام، وهي لحظة يتخفف فيها ضغط المشاعر الوطنية لتحل محله المصالح والمكاسب الحزبية وإدارة التحالفات الحزبية.

لكن السؤال هو : كيف نصنع تقاطعاً خلاقاً بين اللحظة الثورية واللحظة السياسية، وما هي المبررات التي تحفزنا على التغلب على مصالحنا الحزبية والفئوية لصالح المصلحة الوطنية العليا؟

من أهم دواعي التقاطع بين اللحظة الثورية واللحظة السياسي؛ أن يكون الوضع الذي ورثته الثورة وضعاً مأساويا أي وضع يقتضي إدارة أزمة كالأزمة التي رسختها الانقاذ طوال ثلاثين عاماً، وأحدثت عبرها خراباً منقطع النظير؛ خراب لم يعرف له مثيلاً في المنطقة العربية والأفريقية : تقسيم الوطن؛ وحروب أهلية؛ وتجريف للخدمة المدنية؛ وتدمير الذاكرة والهوية الوطنية؛ وتخريب النظام التعليمي والمنظومة الإعلامية؛ وبعث للنعرات القبائلية والمناطقية؛ وتهجير للكفاءات الوطنية، وتفريغ الدولة من جهازها الإداري؛ كل تلك الخطايا التي مارستها الإنقاذ بفساد ممنهج؛ لهي من أهم دواعي تقاطع اللحظة الثورية مع اللحظة السياسية.

وإذا ما فكرنا في كيفية التعبير سياسياً عن ذلك التقاطع بين لحظتي الثورة والسياسة وحاولنا إسقاط ذلك على تجربة ثورتنا التي نخوض الآن فيها ملحقاً ثورياً وسياسياً لابد منه لاكتمالها، فأظن أن ذلك سيكون في النقاط التالية وهي نقاط بعضها تحقق وبعضها يحتاج إلى استكمال.

لابد من القول أن ميراث الإنقاذ الذي خلف تلك الجرائم والخطايا على مدى ثلاثين سنة هو ميراث ينبغي معالجته بنفَس طويل وصبر عزيز وحكمة؛ لأنه ميراث لا يمكن التخلص منه بدون تقاطع ضروري بين اللحظة الثورية واللحظة السياسية. وهذا يردنا إلى تلك النقاط التي ذكرناها آنفاً والتي تحقق منها حتى الآن:

قيادة واحدة للثورة تمثلت في تجمع المهنيين السودانيين؛ الذي أصبح منصة توحدت فيها أغلبية الأحزاب السياسية السودانية، واتفقت كلها على “إعلان الحرية والتغيير” الذي كان بياناً مشتركاً حدد مطالب واضحة للثورة.

وأدار تجمع المهنيين مرحلة الزخم الثوري بكفاءة تنظيمية عالية توجت بموكب القيادة العامة للقوات المسلحة في يوم 6 أبريل 2019م الذي كان يوماً حاسماً في نجاح الثورة حتى تمت الإطاحة بالبشير بعد 5أيام من ذلك الموكب، ثم واصلت الثورة زخمها حين عرف الثوار أن من أطاح بالبشير هو نائبه الفريق عوض ابن عوف؛ فتمت الإطاحة بهذا الأخير خلال 24 ساعة ليأتي بعده الفريق عبد الفتاح البرهان على رأس المجلس العسكري الانتقالي.

لقد فاقت توقعات يوم 6 أبريل كل الحدود؛ لذا فات على قوى إعلان الحرية والتغيير فرصة العكوف على وضع تصور كامل لحكومة تسيير الأعمال، التي كان بالإمكان فرض برنامجها كأمر واقع استجابةً لمطالب الثورة بالاتفاق مع الجيش بعد سقوط النظام.

وبالرغم من أن ذلك كان خطأً استراتيجياً إلا أن تصحيحه واستكماله، في ظل مواصلة الثوار لاعتصامهم أمام القيادة العامة للجيش مازال ممكناً، لكن بشرط أن تتوقف مفاوضات قوى إعلان الحرية والتغيير مع المجلس العسكري (ولحسن الحظ تم ذلك)، لاسيما بعد ما تأكد لها وجود عناصر من المؤتمر الوطني والأحزاب المتحالفة مع حكومة البشير فيما سمي بأحزاب الحوار  ضمن مائدة الحوار مع المجلس الانتقالي.

وبالرغم من أن بوادر خلاف بدت تظهر في قوى إعلان الحرية والتغيير على خلفية تحييد بعض عناصر وفد قوى إعلان الحرية والتغيير في اجتماعه مع المجلس الانتقالي، إلا أن وقف قوى إعلان الحرية والتغيير للمفاوضات قد يكون مناسبة لاستعادة وحدة قوى المعارضة التي تفتضيها اللحظة الثورية التاريخية اليوم.

ولهذا، فإن الاستدراك المهم لذلك الخطأ الاستراتيجي يكمن في تجديد مليونيات اعتصام القيادة العامة والدفع بها ضمن خطة لتصحيح واستكمال الثورة، عبر ممارسة ضغوط على المجلس العسكري الانتقالي تفضي به في النهاية إلى الانصياع لمطالب قوى إعلان الحرية والتغيير التي يسندها الشعب، إلى جانب تسيير مسيرات يومية بمئات الآلاف من المواطنين؛ لاسيما بعدما زال خطر  الاعتقال والسجن مع المرحلة الجديدة التي صنعتها الثورة.

بطبيعة الحال، سيظل التوجس من شبح عودة الإنقاذ هاجساً مقيماً، لاسيما مع القرارات التي أعلنها بيان المجلس الانتقالي الذي تلاه الفريق عبد الفتاح البرهان ومنها بقاؤه في الحكم لعامين مع عدم الوضوح الكافي حيال نقاط مهمة لم يتطرق لها البيان. لكل ذلك؛ فإن ما يضمن المسار الآمن للثوار ولتجمع المهنيين من ناحية، وللمجلس العسكري من ناحية؛ هو الضغط باتجاه تجديد مليونيات اعتصام القيادة العامة واعتصامات أخرى في المدن والولايات تستهدف مقار ومؤسسات المؤتمر الوطني من أجل تأكيد إصرار يرجح كفة خيارات قوى إعلان الحرية والتغيير أمام قرارات المجلس العسكري ما سيعني ترجمةً أمينةً لتحقيق أهداف الثوار الذي اصطفوا صفاً واحداً وراء تجمع المهنيين وقوى إعلان الحرية والتغيير.  

وفي تقديرنا لابد من تغيير الكيان (الذي سيسلم السلطة إلى حكومة انتقالية مكونة من التكنوقراط ولمدة 4 أعوام أو 6 أعوام) من مجلس عسكري انتقالي (كما هو الآن) إلى مجلس سيادة مصغر لتصريف الأعمال ترأسه شخصية وطنية مستقلة، ويمثل فيها الجيش حامياً وفق مهام الأمن والدفاع، وتكون مدتها من 3 أشهر إلى 6 أشهر هو التقدير المناسب. كما أن شرط غياب الشخصيات السياسية الحزبية وخلوها من طاقم حكومة التكنوقراط التي تستلم السلطة من مجلس السيادة المصغر، وتدير البلاد على مدى 4 أعوام، سيظل هو الحل الأنسب لتصفية إرث الإنقاذ والقيام بمهام وطنية كبيرة في فترة السنوات الأربع، ذلك أن الإنجازات الضرورية المنتظرة في أجندة مهام حكومة التكنوقراط ستبعث برسائل مطمئنة إلى الجيش والشعب، فيما ستمنح  الأحزاب السياسية طوال السنوات الأربع فرصةً لتجديد هياكلها بعد التجريف السياسي الذي أصابها خلال 30 عاماً ؛ مما سيجعلها أكثر قدرة على خوض الانتخابات بلياقة سياسية تؤهلها للعمل السياسي المؤسس، كما أن فترة الأعوام الأربعة ستشهد بروز قوى حزبية شبابية ربما يكون لها دوراً كبيراً في تغيير مشهد مستقبل الحياة السياسية في السودان.

لذلك كله سيكون من الأهمية القصوى بمكان دمج اللحظة الثورية مع اللحظة السياسية بحيث تعمل الأحزاب بروحية الفريق لإنقاذ مصير المستقبل السياسي للسودان في لحظة ثورية وتاريخية ربما لن تتكرر.

Jameil22004@gmail.com   

رد واحد على “في ضرورة اندماج اللحظة الثورية والسياسية للسودان الآن”

  1. يقول غير معروف:

    جميل يا جميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.