قبل الإنترنت كان الفزع أمراً ثقيلاً

الهمبتة في زمن الواتساب

  • 23 يوليو 2017
  • لا توجد تعليقات

د الطيب حاج مكي

في مساء ٦ يوليو الجاري (2017م) ترك عبد الرحمن حامد الطويل عربته أمام باب الدار بالأبيض، ودخل على أسرته، ثم استدعت الضرورة خروجه مرة أخرى لأمر ما، ولكن كانت تنتظره عند الباب مفاجأة غير سعيدة؛ إذ فوجئ باختفاء عربته بلا حس ولا صوت ولا خبر، كأن الأرض ابتلعتها.

تلفت عبد الرحمن ذات اليمين وذات اليسار، ولم تصدق عيناه أن سيارته اختفت في رمشة عين في هذه المدينة التي عرفت بالهدوء والأمان، وعندما تيقن أن (التاتشر) -وهو الاسم السوداني لهذه السيارات – قد اختطفت قرر تقليد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في استخدام التقنية ووسائط التواصل، وفي لمح البصر تبدلت فكرة الفزعة القديمة الى الفزع الإلكتروني المدهش، فلم تمض إلا دقائق، حتى عمّ الواتساب البلاغ، ودخلت صورة عبد الرحمن وعربته الفيسبوك، وعلق زملاؤه الصورة والخبر في كل صفحاتهم، ومجموعاتهم، وعم خبر التاتشر أهل الباديه والحضر، ووصلت أخبار “العربية” عواصم الخليج وأميركا فضلا عن سد منافذ المدن من حلفا وأم بادر الى حيث يوجد (الدهابة)، وفي أقل من خمس دقائق جاءت الرسائل عائدة إلى عبد الرحمن بأن القبيلة استنفرت أفرادها للفزع الإلكتروني والفزع الطبيعي، وتنافس المعدنون والمغتربون في كل مكان في النشر، وتحريك النخوة، ولا بد أن الهمباتي نفسه فوجئ بأخباره، وصور “العربية” وأرقامها، وهو يقود سيارة مبلغ عنها، وربما فوجئ بالحصار الإعلامي، وأدهشه حقاً أن الواتساب والفيس يسدان عليه الطرق والمخارج، وهكذا عاش في حال من الهلوسة بعد لحظات من سرقته السيارة، واستمر يهلوس الى لحظه هربه، ويبدو انه أمضى ليلة مرعبة؛ لأنه لم يقطع غير ٢٦ كيلو متر، فلا بد أنه قضاها في الترقب والالتفات والتحسب لما سيحدث، وما ينشر عن “العربية”، حيث لا مفر في زمن الوسائط وسطوتها الإعلامية، فليس ثمة نجاح لطريقه الهمبتة القديمة؛ لهذا اضطر الهمباتي البائس في نهاية المطاف أن يترك السيارة كما هي ويفر بجلده، فقد نقل شهود أنه في لحظة رعب تملكه رأى مجموعة من البدو يشيرون عليه ليتوقف، ومع أنهم كانوا يريدون ان يسألوا عن الطريق، ولكن فراره غذى الريبة لديهم، وهو ما سهل عودة التاتشر لعبد الرحمن، وتسليمها للفزع، ومعها عادت الاحتفالات، وعادت الروح لعبد الرحمن.

إن التعاطف الذي وجده عبد الرحمن حامد، والثناء عليه كان مستحقاً بالفعل؛ لأنه ود قبائل ومقنع كاشفات ومن أهل النجدة والفزع، ومن الذين يفعلون الخير، ويحضون عليه، وهو فارس كنت أرى جده محمد ود إبراهيم يتكحل بالشطة.

شكراً للتقنية، فقبل الإنترنت والواتساب والفيس كان الفزع أمراً ثقيلاً رغم أن الهمبتة كانت ضرباً من ضروب الفروسية، والعادات العربية التي تندرج في أساليب الشنفرة وتأبط شرا، ورغم ان الفزع لها أدبياتها ورجالها وقيمها، وكان الهمباتي لا يسرق من أهله، ولا يخطف العربات التي تسعف المرضى، ولكن ذاك زمن انطوى، وبزغ جديد.

والشيء بالشيء يذكر، أورد الشاعر كامل عبد الماجد في ذكرياته الظريفة مع الهمباتة حواراً شعرياً لطيفاً بين اثنين من الهمباتة، أمّل الشاعر كامل توبتهم، قال أحدهم:
قدر ما أقول أتوب إبليس يقبل غادي
يقول لي لا توب إياك كبير أولادي
افرح وانبسط عند أم قرينا نادي
باب التوبة فاتح ما انقفل يا الهادي
ويرد عليه الآخر:
قدر ما أقول اتوب ابليس يلولح راْسه
يقول لي لا توب التابو قبلك خاسو
افرح وانبسط عند المدور كاسو
باب التوبة فاتح ما انقفل ترباسو

ويضيف كامل عبد الماجد مفارقة، وهي أن هذا الحوار الشعري قيل بعدما أدى الهمباتة الثمانية العمرة، لا شك أنه قد خاب أمله في توبتهم، فالطبع يغلب التطبع .

لهذا قال احدهم وهو يخطو نحو حبل المشنقة في خريف عام 1984م، وقد رفع راْسه ليرى (السماء وقد أرعدت وامتلأت سُحُباً)، وذلك لآخر مرة، ويبدو ان المشهد قد أثار الذكريات، وحرك الشجون وهو في تلك اللحظة، قال مخاطباً السحاب كما يذكر الراوي:
وين دوديتي وين كبّيتي يا ام برق ام سحاباً شايلْ
شـن سـوّيـتـي فـي الكِتره وقـليـعات نايلْ
واحديـن سـاروا وواحديـن بسوقوا الشايـلْ
مـعـاكِ سـلامـه يالـدُّنـيـا ام نـعيماً زايلْ

والدنيا فعلا نعيمها زائل، فقد بدلت شروط الهمبتة، فبعد أن كانت تمنح الهمباتة فرصة الفرار بالغنيمة، صارت تحاصرهم بالواتساب، وبدلت الدنيا الهمبتة نفسها، وغيرت قيمها وطابعها، مثلما بدلت ملامح الفزع الذي كان يعاني الأمرين، ويقضي الشهور قبل ان تبلغ أخباره الأقارب، فها هو صار يحاصر الحرامي، ويقبض على الهمباتي بالواتساب.

وللمقارنة وقياس تبدل الدنيا أورد ما حدث في سرقة إبل الخال الفكي عبد القادر، رحمه الله، في منتصف السبعينيات، فقد كان الفكي عبد القادر يملك جمالاً مشهورة بسرعتها وجمالها، وأغرت سمعتها الهمباته فسرقوا اثنين منها، تنادى الفزع، وعلت أصوات النداء والاستغاثة، وغنت عمتي الحمراء حكامة البلد وهجت عمتي الجنة (الهادي ود الجنية)، رحمه الله، والساس، إذ كيف يرجعان من الفزع دون اللحاق بالحرامي، رغم ان جمالهما لم تقو على المسير مع حركة جمال ناس أحمد ود الهادي، فقالت:
فزع الهادي والساس
من المزروب خلاص

ولم تترك عمتي الجنه الشيخ الزين محمد حامد بلا هجاء مبطن، وقالت أمد الله في عمرها:
دي في الكيلو بغلي
ودي في الصاجة بقلي
يا ديدان شري اخير لى الزين ابقري…..

والدود تعنى الأسد وجمعها ديدان، وأخير الزين بقري، يعني انه يعلم الأطفال القرآن.
اما بخيتة بت الفكي عبدالقادر محمد…….. فقد قالت:
أبويا البى تحصينه…..
السراق ما بهينه…..
الفرش البى اكليمه …
وين بنشد ياحليمة……

وحليمة هذه أختها، وهى زوجة المرحوم حسن على حنضل بأم عسل…
وكذلك أغنيتها المشهورة التي تحكي ثقتها في صلاح ابوها قالت:
كان الحر ما جابه …..
الا اموصوه كتابه…….

وأما الاكليم المذكور في الأغنية السابقة فهو نوع من السجاد يفرش على سرج الجمل، وقد زودني ابن عمي المهندس بشير الهادي بملاحظات، وشرح يعكس خبرته.. لا عجب فقد كان والده، رحمه الله، من كبار تجار الإبل التي كانت تعبر عن طريق الأربعين، وكثيراً ما يحضر الاكاليم عندما يعود من سوق إمبابة بالقاهرة.
ومن المفردات (الحر) هو ود الاعيور، وهو اسم أحد الجمال المسروقة.

قضى الفزع زهاء ستة أشهر في إثر الحر، ووصل إلى دار فور لكي يعيده ،واليوم تغيرت الأحوال، وصرنا في زمن قياسي نحاصر الهمباتي بالقوة الناعمة بجنود لا يرونها هي رسائل الواتساب وحملات الفيس وانستغرام.

وعود على بدء عادت سيارة حبيبنا عبد الرحمن حامد الطويل بفضل استخدام التقنية من بعد الله، ولكن ظاهرة سرقة العربات في الأبيض أضحت مزعجة، ومخاطرها تدل على تحديات أمنيه جديدة، مثلما توضح أن النهب ينتقل إلى الإقليم، وإلى قلب المدن الوادعة، فان لم يجر كبح الظاهرة، فقد يتمدد النهب الذي صار يطال حتى شرائح الطاقة الشمسية، فقد تم الاعتداء على دونكي شيده حبيبنا المهندس محمد الأمين مُرجي، وسرقة شرائح الطاقة التي كانت توفر للدونكي الطاقة، ومرجي الاختصاصي في أجهزة منع السرقة كان قد صور أرقام شرائح الطاقة، ووزعها في أسواق كردفان، والعاصمة، فور سرقتها؛ مما سهل إلقاء القبض على الحرامي في غرب كردفان .

لكن حوادث الهمبتة في نسختها الجديدة تتطور مع تطور التقنية، ومن ثم، تحتاج إلى الهمة، ووسائل جديدة، حتى لا تتحول إلى ظاهرة، وحتى لا نرى المواتر المسلحة تحوم في أزقة وشوارع دار اللبيض، حماها الله.

أضف تعليقاً