كلام عابر

نمــوذج بشــــري

  • 09 أغسطس 2017
  • لا توجد تعليقات

عبدالله علقم

كان يطبع مقالاتي الراتبة التي كنت أنشرها في صحيفتي “الخرطوم” و”الاتحادي” حينما كانت الصحيفتان تصدران في القاهرة في سنوات التسعينيات من القرن الماضي حتى أوائل الألفية الثالثة.
لم أكن حينها أحسن أو أعرف الطباعة على الكمبيوتر ولا استخدام الكمبيوتر نفسه، وكان يطبع لي بأجر مقالاتي التي لم أتقاض عليها أجراً. في الحقيقة لا أذكر أني تقاضيت مقابلاً عن الكتابة إلا لماماً.
المرة الأولى كانت من مجلة الجمارك في 1977م، وكان يشرف على إصدارها الأخ الصديق الأستاذ إدريس الحاج أحمد المعزل، وكانت مكافأتي خمسة جنيهات كاملة نظير مقال كتبته للمجلة.
وتترى الأيام، ويؤثر صاحبنا أن يتحول من الطباعة إلى الكتابة والنشر، فألحّ عليّ إلحاحاً شديداً؛ لكي أنشرله أو أساعده على نشر بعض كتاباته في صفحة المغتربين الأسبوعية في صحيفة “الخرطوم”، التي كان يحررها من الرياض الأخ الأستاذ صلاح الحويج، الذي تجاوز بسماحته المعروفة كل موانع عدم النشر، وأخذ ينشر مشاركات الكاتب الجديد.
لما انتقلت “الخرطوم” من القاهرة للخرطوم في إصدارها الثالث، كلف ابنه بتسليم صورته لمكاتب الجريدة لنشرها ما أمكن ذلك مع كل مشاركة له مع محدودية مساحة الصفحة.
ذكرني هذا الاستعجال للانتشار والشهرة حالتي وأنا ابن عشر سنوات، حينما نشرت مجلة “الصبيان، طيب الله ذكراها، صورتي. حملت المجلة في جيب جلابيتي، وطفت في دروب القضارف وشعابها أعرض المجلة والصورة على كل من اعتقدت أنه سيهتم بذلك الحدث الكبير.
وتترى الايام، وتتقلص مساحات التواصل بعد أن عرف صاحبنا طريقه للنشر و(الشهرة)، وانتفت الحاجة إلى خدماتي، وتباعدت اتصالاته الهاتفية، ثم انقطعت تماماً، فللرجل مشاغله وأولوياته مثل كل الناس.
علاوة على ذلك لم تكن تربطنا علاقة شخصية أو أي شيء مشترك. حتى كان مساء ذلك اليوم الذي دعتني فيه رابطة الزراعيين السودانيين في المنطقة الشرقية قبل أكثر من عشر سنوات لحضور تجمع لهم في قاعة أحد فنادق مدينة الدمام بصفتي ممثلاً ومراسلاً لصحيفة “الخرطوم”، أو مدير مكتبها في الدمام، و”مدير المكتب” كان وصفاً تطلقه “الخرطوم” على من هم في مثل حالتي، على سبيل التفخيم وتكبير الكوم.
والمكتب في هذه الحالة رمزي ومعنوي؛ لأني أزاول العمل الذي يخص “الخرطوم”، ويتضمن مراقبة التوزيع، من مكتبي في العمل أو من مسكني أو حتى من داخل سيارتي.
عرف الرجل نفسه باسمه وصفته فقال (فلان الفلاني.. صحيفة الخرطوم). ارتبك لما انتبه لوجودي، ولكني أعفيته من الحرج حينما قلت معرفاً بنفسي(فلان الفلاني.. مراسل صحيفة نجوم النهار)، مجرد اسم لصحيفة خطر على بالي، ولا أعرف إن كانت هناك صحيفة في الدنيا تحمل هذا الاسم.
نموذج يثير الشفقة. وجدت له العذر ليلتئذ وقبلها وبعدها. (كبرت معاه) و(فكاها في روحه) بلغة شباب هذه الايام. لم ألتقه منذ سنوات، ولكني أعلم عرضًا، للأسف، أن كل محاولاته للبحث عن موطيء قدم وسط زمرة المنتفعين، أيّا وأينما كانوا، لم تحقق المطلوب.

أضف تعليقاً